الجمعة 13 فبراير 2026 | 04:16 م

محطات فى حياتى •• المحطة الثانية والعشرون "التجربة المهنية والحياتية •• رسالة إلى أبنائنا في الإدارة بروح الإرادة والمسؤولية"


*بقلم اللواء د. أحمد زغلول مهران*
*المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية*

*كيف وُلدت هذه المحطة؟*

لم تأتِ هذه المحطة نتيجة منصبٍ جديد ولا تكليفٍ إداري ولا حدثٍ عام بل جاءت استجابةً لسؤالٍ صادق طرحته ابنتي بعدما ترقّت في عملها عن جدارة وهي حديثة التخرج صغيرة السن لكنها كبيرة الطموح والاجتهاد حين أصبحت مسؤولة عن فريق عمل وجدت نفسها أمام تحدٍّ جديد •• *كيف تُدير؟ كيف تتخذ القرار؟ كيف توازن بين الحزم والاحتواء؟*

جلستُ إليها أستمع ثم دعوتُ شقيقتيها فجلسنا جلسة أسرية تحوّلت إلى حوار عميق حول مفهوم الإدارة ومفهوم الإرادة - الذى سبق وأن تكلمت عنهما باستفاضة فى أحد كتاباتى - وكيف يبدأ القائد رحلته من الداخل قبل أن يقود الآخرين في تلك الجلسة استعدتُ سؤالاً قديماً طُرح عليّ في بداياتي المهنية *هل تحب أن تكون رئيساً على مديرين أم رئيساً على خفراء؟*

ذلك السؤال لم يكن مجرد عبارة بل كان مدخلاً لفلسفةٍ شكّلت خطواتي الأولى في العمل ورسّخت قناعةً لازمتني طوال مسيرتي أن القائد الحقيقي هو من يختار الأقوياء حوله لا من يبحث عن الضعفاء ليبدو أقوى وهنا بدأت أسرد لبناتي الثلاث ما عشته في بداياتي وكيف تعلّمت أن الإدارة ليست سلطة بل بناء منظومة .

*أولاً : خطواتي الأولى •• حين تشكّلت القناعة*

في سنواتي الأولى في العمل كنت أراقب أنماطاً متعددة من القيادات داخل المؤسسات رأيتُ من يحيط نفسه بأصحاب الكفاءة العالية فيرتقي العمل سريعاً ويُنجز الفريق بفاعلية ورأيتُ من يفضّل أن يكون الأوحد في المعرفة والقرار فيتراجع الأداء ببطءٍ حتى تتآكل المؤسسة من الداخل منذ تلك المرحلة اتخذت قراراً واعياً أن يكون هدفي في كل موقع أشغله هو اختيار الأكفأ ودعمهم وتمكينهم حتى وإن تفوقوا عليّ في بعض الجوانب الفنية تعلمت أن التفويض ليس ضعفاً بل ثقة وأن الاستشارة ليست تردداً بل نضج وأن بقاء المؤسسة أهم من بقاء الفرد في موقعه هذه المبادئ لم أقرأها في كتابٍ فحسب
 *بل عشتها ممارسةً يومية وتعلمتها من مواقف وتجارب بعضها نجح وبعضها علّمني دروساً لا تُنسى .*

*ثانياً : مفهوم الإدارة •• من السلطة إلى المنظومة*

حين تحدثت إلى بناتي أوضحت لهن أن الإدارة في مفهومها المؤسسي هي :
    •    تنظيم الموارد لتحقيق الهدف المرجو .
    •    توزيع المسؤوليات بعدالة وكفاءة .
    •    خلق بيئة عمل قائمة على الثقة .
    •    اتخاذ القرار بناءً على معلومات وتحليل .

الإدارة ليست إصدار تعليمات بل صناعة بيئة تمكّن الآخرين من الأداء بأفضل صورة وقد جسدت العديد من المؤسسات العالمية هذا المفهوم فعلى سبيل المثال اعتمدت *شركة آبل* في مراحل تطورها على فرق تصميم وهندسة مستقلة نسبياً يقودها متخصصون متمكنون بدعمٍ من رؤية مؤسسيها الذين أدركوا أن الإبداع لا يُدار بالأوامر بل بالثقة والتحفيز وكذلك في عالم الصناعة حين تولى *ساتيا ناديلا* قيادة شركة مايكروسوفت ركّز على تغيير الثقافة المؤسسية من عقلية *نعرف كل شيء* إلى عقلية *نتعلم باستمرار* فكان الاستثمار في الكفاءات وتطويرها هو محور التحول •• هذه النماذج المؤسسية تؤكد أن القيادة الناجحة تقوم على بناء الإنسان قبل إدارة النظام .

*ثالثاً : مفهوم الإرادة •• القائد يبدأ من الداخل*

سألتني ابنتي :
*هل أستطيع أن أنجح رغم صغر سني؟*

فقلت لها :
*السن لا يصنع قائداً بل الإرادة هى التى تصنع القائد*

الإرادة في الإدارة تعني :
    •    أن تختاري العدل ولو كان صعباً .
    •    أن تعترفي بالخطأ إن وقع .
    •    أن تتحملي مسؤولية القرار .
    •    أن تتعلمي من النقد .

*الإرادة هي ما يمنح القائد ثباته في المواقف الصعبة ويجعله يوازن بين الحزم والمرونة .*

وفي المجتمع العربي نجد نماذج مؤسسية عكست هذا المفهوم فقد اعتمد *المهندس محمد العبار رئيس شركة إعمار* في تطوير الشركه على فرق متخصصة متعددة الجنسيات واضعاً معايير أداء واضحة ما أسهم في تحقيق نمو عمراني واقتصادي ملحوظ كما أن تجربة *رجل الأعمال نجيب ساويرس* في إدارة شركات الاتصالات والاستثمار قامت على تمكين القيادات التنفيذية ومنحها صلاحيات واسعة ضمن إطار استراتيجي منضبط .

*هذه الأمثلة لا تُذكر للمقارنة بل للتأكيد على أن الإرادة الإدارية الواعية تصنع فرقاً في النتائج .*

*رابعاً : اختيار الكفاءات •• حجر الأساس في البناء المؤسسي*

أوضحت لبناتي أن أهم قرار يتخذه القائد هو قرار الاختيار •• اختيار الموظف المناسب في المكان المناسب لا يتم بالعاطفة بل بمعايير واضحة منها :
١- الكفاءة العلمية والخبرة العملية .
    ٢- القدرة على العمل الجماعي .
    ٣- النزاهة والانضباط .
٤- الاستعداد للتطور .
    ٥- القدرة على اتخاذ القرار في نطاق الاختصاص .

إن المؤسسة التي تبني صفاً ثانياً قوياً تضمن استمراريتها أما المؤسسة التي تعتمد على فرد واحد فهي معرضة للاهتزاز عند أول غياب أو أزمة وقد تجلى مفهوم بناء الصف الثاني في تجارب شركات عالمية مثل تويوتا التي اعتمدت على نظام إداري قائم على التحسين المستمر وتمكين العاملين في خطوط الإنتاج من اقتراح الحلول وتطوير العمليات مما جعلها نموذجاً في الكفاءة التشغيلية .

*خامساً : بين التجربة الشخصية والنموذج العالمي*

ما سردته لبناتي لم يكن توجيهات نظريه بل تجربة عشتها حيث قلت لهن :
*"إن كنتِ تريدين أن تكوني قوية فابني من حولك أقوياء •• وإن أردتِ النجاح المستدام فاجعلي نجاح فريقك هدفك الأول"*

إن القائد الذي يخشى التفوق الداخلي لم يتحرر بعد من قلق المقارنة أما القائد الواثق من اداؤه فيدرك أن قوة فريقه تعزز مكانته وفي عالم ريادة الأعمال أسس *إيلون ماسك شركات مثل تسلا* عبر فرق هندسية عالية الكفاءة تعتمد على التخصص والابتكار الجماعي وهو ما يعكس فلسفة الاعتماد على النخبة المهنية لا الفرد الواحد .

*سادساً : توصيات عملية لأبنائنا وبناتنا*

في ختام جلستنا الأسري لخّصت لبناتي التوصيات التالية :
    ١- ابدئي ببناء الثقة قبل ممارسة السلطة .
٢- اختاري الأكفأ ولو اختلف عنك في الأسلوب .
    ٣- استشيري قبل القرار وتحملِي مسؤوليته بعده .
    ٤- طوّري نفسك باستمرار فالمعرفة تتجدد .
    ٥- اجعلي النجاح المؤسسي معيار تقييمك لذاتك .
    ٦- لا تخشي من وجود من هو أذكى منك في فريقك بل احرصي على ذلك .

*هذه التوصيات ليست شعارات بل خطوات قابلة للتطبيق في أي مؤسسة صغيرة كانت أم كبيرة .*

*فى نهاية المحطة الثانية والعشرين* •• يجب ان أوضح ان هذه المحطة ليست نقداً لأحد ولا إسقاطاً على واقع ولا توجيهاً خارج إطار الأسرة والمؤسسة المهنية إنها خلاصة تجربة عشتها ورسالة أوجهها إلى بناتي الثلاث وإلى كل شابٍ وشابة يبدأون طريق الإدارة لقد تعلّمت أن القيادة الحقيقية تبدأ بإرادة داخلية وتتجسد في اختيار موضوعي وتثمر في نجاح جماعي وهكذا أصبحت هذه الجلسة الأسرية محطة مفصلية في حياتى
محطة أعادتني إلى خطواتي الأولى وربطت بين الماضي والحاضر وجعلتني أوقن أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد مسيرته هو فكرٌ نافع وتجربة صادقة ورسالة واضحة للأجيال القادمة .

*وهذه هي محطتي الثانية والعشرون محطة التجربة التي تحولت إلى رسالة*

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6755 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image