السبت 21 فبراير 2026 | 03:40 م

العنف في شوارع مصر من التجمع للقليوبية .. مشاهد متكررة وأسئلة معلّقة


 لم تعد مشاهد العنف في الشوارع المصرية حوادث فردية عابرة، بل تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى وقائع متكررة تفرض نفسها على الرأي العام، سواء عبر البلاغات الرسمية أو مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي. مشاجرات تنتهي بقتل، خلافات بسيطة تتطور إلى اعتداءات دامية، وسلوكيات عنيفة باتت تثير القلق حول ما إذا كان المجتمع يشهد تغيرًا في أنماط التعامل اليومي بين أفراده.
وقد شهدت عدة محافظات وقائع عنف متباينة، من بينها مشاجرات بين جيران بسبب خلافات سكنية تطورت إلى استخدام الأسلحة البيضاء، وحوادث اعتداء في الشارع العام على خلفية مشاحنات مرورية، إضافة إلى جرائم قتل وقعت في وضح النهار نتيجة نزاعات أسرية أو خلافات شخصية بسيطة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت شوارع ومحافظات مختلفة في مصر وقائع عنف لافتة، أعادت الجدل حول تصاعد السلوك العدواني في المجال العام، خاصة حين يكون أطرافه من فئات يُفترض أنها أكثر التزامًا بالقانون.
من بين هذه الوقائع، ما حدث مؤخرا من حادثة اعتداء رجل أعمال على فرد أمن أثناء تأدية عمله داخل كمبوند بمنطقة التجمع الخامس ، الواقعة، التي جرى توثيقها وتداولها على نطاق واسع، أظهرت لجوء المعتدي إلى العنف الجسدي بدل الاحتكام للقانون، ما أثار تساؤلات حول ثقافة احترام مؤسسات الدولة، وحدود استخدام النفوذ أو القوة في التعامل مع الخلافات.  
وفي واقعة أخرى، شهدت قرية باسوس التابعة لمركز القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية حادثة إطلاق خرطوش على صاحب مصنع ونجله عقب خلافات مرتبطة بنزاع شخصي، ما أسفر عن إصابتهما، بـ"رش خرطوش" وجروح قطعية متفرقة بالجسم. وأوضح المجني عليه أن الاعتداء نفذه خال زوجته وأبناؤه الأربعة على خلفية خلافات أسرية محتدمة، ما أدى إلى تصاعد الموقف وتحوله إلى اعتداء عنيف. وأعاد إلى الواجهة خطورة انتشار الأسلحة غير المرخصة، وسهولة استخدامها في تصفية خلافات كان من الممكن احتواؤها بوسائل قانونية أو عرفية أقل عنفًا.
وتشير هاتان الحالتان، وفق مراقبين، إلى أن العنف لم يعد مرتبطًا فقط بالطبقات المهمشة أو المناطق العشوائية، بل أصبح سلوكًا قد يصدر عن فئات اجتماعية مختلفة، ما يعكس عمق الأزمة واتساعها.
ويرى أساتذة علم الاجتماع أن هذه الوقائع تمثل نموذجًا لما يُعرف بـ«العنف التفاعلي»، حيث يتحول الغضب اللحظي إلى سلوك عدواني نتيجة ضعف القدرة على ضبط النفس، وغياب الثقة في آليات الحل القانوني السريع.
ويؤكد متخصصون أن بعض الأفراد باتوا يميلون إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، سواء بدافع الإحساس بالنفوذ الاجتماعي أو الشعور بالضغط النفسي المتراكم، مشيرين إلى أن العنف لم يعد مرتبطًا فقط بالفقر، بل أيضًا بثقافة الاستعلاء أو فقدان الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية.
كما يلفت خبراء إلى أن انتشار السلاح غير المرخص، خاصة في بعض المناطق، يمثل عاملًا حاسمًا في تحويل أي خلاف إلى مواجهة دموية، ويزيد من خطورة النزاعات اليومية البسيطة.
ويشدد أساتذة الاجتماع على أن مواجهة هذا النمط من العنف تتطلب: تطبيقًا حازمًا ومتوازنًا للقانون دون تمييز اجتماعي. وتجفيف منابع السلاح غير المرخص وتشديد الرقابة عليه. وإعادة ترسيخ قيمة الاحتكام للقانون بدل الحلول الفردية العنيفة.
كما يؤكد الخبراء أن استمرار هذه الوقائع دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى ترسيخ ثقافة خطيرة، يصبح فيها العنف وسيلة مقبولة لحسم الخلافات، وهو ما يهدد السلم المجتمعي على المدى الطويل.
ويضيف متخصصون أن انتشار محتوى العنف على مواقع التواصل الاجتماعي دون سياق توعوي، ساهم في تطبيع السلوك العدواني، وجعل بعض الأفراد ينظرون إلى العنف باعتباره وسيلة سريعة لفرض الرأي أو استعادة ما يُسمى بـ«الهيبة».
وبعض أساتذة الاجتماع يفرقون بين زيادة حقيقية في معدلات العنف وبين زيادة الإحساس به، مؤكدين أن انتشار الهواتف الذكية وكاميرات المراقبة جعل كل واقعة تُوثق وتُتداول على نطاق واسع، ما يخلق انطباعًا عامًا بأن المجتمع أصبح أكثر عنفًا، حتى وإن لم ترتفع الأرقام بنفس النسبة.
لكنهم في الوقت نفسه يحذرون من تجاهل الظاهرة، لأن تكرارها حتى لو كان محدودًا عدديًا يعكس خللًا في منظومة القيم وضبط السلوك.
ويجمع أساتذة علم الاجتماع على أن مواجهة العنف في الشارع لا تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب مسارًا متكاملًا، يبدأ بـإعادة الاعتبار للتربية الأسرية، وتعزيز دور المدرسة في ترسيخ قيم الحوار وقبول الآخر.
كما يشددون على أهمية برامج توعية نفسية وسلوكية للشباب، تركز على إدارة الغضب وحل النزاعات، إلى جانب دور الإعلام في تقديم تغطية مسؤولة لا تُضخم الجريمة ولا تُحول الجناة إلى نماذج مثيرة للجدل.
ويرى الخبراء أن تحسين الأوضاع الاقتصادية وتخفيف الضغوط المعيشية يمثل عنصرًا أساسيًا في تقليص مسببات العنف، لأن الاستقرار المادي ينعكس مباشرة على الاستقرار النفسي والسلوكي داخل المجتمع.
ويبقى العنف في الشوارع مؤشرًا حساسًا على الحالة العامة للمجتمع، ورسالة تحذير تستدعي تحركًا متوازنًا بين التوعية والوقاية وتطبيق القانون. فالمجتمع الذي ينجح في إدارة خلافاته بالحوار، هو مجتمع أكثر قدرة على الحفاظ على تماسكه وأمنه الاجتماعي.

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6755 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image