الجمعة 26 يونيو 2026 | 04:20 م

المرسي :الأصول الإيرانية المجمدة.. العقدة التي قد تعرقل المفاوضات وتعيد تشكيل الإقليم


قالت الخبيرة والباحثة في الشأن الإيراني في تصريح لـ " مصر الآن"إنه وفي الساعات الأخيرة، أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، أن إدارة بلاده لم توافق، حتى هذه اللحظة، على نقل أي أموال لإيران، بالتوازي مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي التي أكد فيها أن كل دولار يصل إلى طهران قد يجد طريقه إلى حزب الله أو حماس أو الحوثيين وباقي أذرعها، مشددا على أن الحرب الاقتصادية ضدها تُعد إحدى جبهات المعركة الوجودية لأمن إسرائيل. 

هذه التطورات المتسارعة تطرح سؤالا حول أسباب تحول الإفراج عن الأصول الإيرانية إلى شرط معقد قد يفضي إلى فشل المفاوضات برمتها.

والإجابة تكمن في جولتي المفاوضات غير المباشرة خلال عام 2025، واللتين أفضتا إلى حرب الاثني عشر يوما في يونيو من العام نفسه ثم حرب رمضان الأخيرة، لماذا؟

لأن من تابع تلك الجولات، سيلاحظ أن ترامب امتنع تماما عن تقديم أي تنازل اقتصادي ملموس لإيران. والعلة في ذلك واضحة، إذ إن الإفراج عن الأصول التي تراوح تقديراتها بين ١٠٠ و ١٢٠ مليار دولار حول العالم، سيمنح طهران طوق نجاة حقيقيا، لتخفيف حدة أزماتها الاقتصادية الخانقة، علاوة على تعزيز قدراتها العسكرية.

وأضافت المرسي إنه و لو جزمنا بفرض واشنطن رقابة صارمة على استخدام هذه الأموال لشراء السلع الأساسية فقط، فإن ذلك سيوفر في المقابل مرونة مالية تتيح لإيران توجيه مواردها الذاتية الأخرى نحو قطاعات حساسة، كالصناعات الصاروخية وبرامج الدرونز، وهو ما يمثل ضربة قاصمة لاستراتيجية ترمب الرئاسية وسرديته الداعية إلى إخضاع طهران عبر مزيج من الضغط الأقصى (المتمثل في العقوبات) والتهديد العسكري.

زد على ذلك، أن هذه الأموال قد تمكن طهران من ضخ دعم مالي جديد لمحورها الإقليمي، وعلى رأسه حزب الله، وهذا بالطبع سيسرع تعافيه من خسائر الحرب الأخيرة ويشكل بالتوازي نكسة إستراتيجية لإسرائيل. 

 وقالت هذا يفسر بوضوح المحاولات الإسرائيلية المستمرة لإفشال الهدنة، لأنها ببساطة ترى أن وقف إطلاق النار دون خنق مالي، سيفسح المجال على مصراعيه لتنامي نفوذ حزب الله وإيران، مهددا أمنها القومي ومصالحها الحيوية في الإقليم.

وأشارت إلى أنه وفي سياق متصل، يعود الجزء الأكبر من الأصول الإيرانية إلى عائدات بيع النفط والغاز، بينما يرتبط الجزء الآخر بصفقات أسلحة كانت شاهنشاهية إيران (حكومة الشاه) قد أبرمتها مع دول غربية قبل ثورة ١٩٧٩، علما بأن أكثر من نصف هذه الأصول يُصنف كأصول غير محددة، نظرا لغموض ملكيتها ووجود نزاعات قانونية معقدة حولها.

في حين تتوزع الأصول المحددة بين الصين بنحو (٢٠ مليار) دولار، وقطر بـ (١٣ مليار) دولار (منها ٧ مليارات أساسية و٦ مليارات نُقلت سابقا من كوريا الجنوبية)، والهند بـ (٧ مليارات)، والعراق بـ (٦ مليارات)، وتتوزع بقية المبالغ الضئيلة بين الولايات المتحدة ولوكسمبورغ واليابان.

وللحق، المثير للريبة، وبرغم تعمد الإعلامين العبري والأمريكي تصدير خلافات نتنياهو وترامب، هو محاولة الأخير التغافل عن ملف الأصول السياسية المجمدة، والتركيز بدلا من ذلك على فكرة إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة (٣٠٠ مليار) دولار ما بعد الحرب، مع السعي الحثيث لإحالة فواتيره إلى خزائن دول الخليج. 

والسبب هنا في تقديري محكوم تماما بالداخل الأمريكي، حيث يريد ترامب تمرير رواية مفادها أن إدارته، وخلافا للاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، لن تدفع فلسا واحدا من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لإيران. 

وأوضحت إنه ومع ذلك، يواجه ترامب ضغوطا شرسة من الديمقراطيين والجمهوريين واللوبي الإسرائيلي على حد سواء، لماذا أيضا؟

لأن أي مبلغ سيفرج عنه سيفوق ما نص عليه اتفاق برجام (الاتفاق النووي)، وهو ما يضرب مصداقيته أمام ناخبيه، لهذا، لا نستغرب موقف زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، ورفضه القاطع لدعم أي اتفاق يمنح طهران هذا المبلغ، مع إعادة نشر الموقع الرسمي للديمقراطيين مواقف معارضة للجمهوريين في هذا الشأن في محاولة لإثارة الرأي العام الداخلي ضد ترمب وحزبه.

وهنا يبرز سؤال جوهري، هل ستوافق دول الخليج على تمويل هذا الصندوق؟

والرد المباشر والقاطع: لا لن توافق على ضخ الأموال مباشرة، لكنها قد تستثمر فيه. لماذا؟

لأن المواقف الأمريكية الأخيرة قد منحت دول الخليج مسوغا إستراتيجيا لإعادة هندسة سياساتها الخارجية مع طهران، ليس من منظور التهديد العسكري الفوري فحسب، بل انطلاقا من واقع أن إيران جزء لا يتجزأ من اقتصاديات الإقليم. 

وهنا قد يقول قائل: الجميع يعلم أن الخليج مسلوب الإرادة أمام واشنطن أصلا. ولكن، يا عزيزي، هذه هي السردية التي يروج لها الإعلام الغربي ويريد لك أن تصدقها، لأنه يعتم عمدا، في المقابل، على حقيقة أن المصلحة الوطنية العليا هي المحرك الأساسي لمواقف الدول، وليس المداهنة للقوى الدولية. 

وأردفت أن دول الخليج دول استثمارية في الأساس، فإن حفظ أمن الإقليم يشكل خطوة أولية وقصوى للاستقرار المالي لأسواقها، ولهذا السبب تحديدا لم تنجر عواصمها نحو الحرب الشاملة التي رغبت فيها إسرائيل خشية انهيار أسواقها، بل وتبنت بدلا من ذلك سياسة ضبط النفس، وحساب كلفة المخاطر، وإعادة رسم خارطة المستقبل بوجه جيوسياسي جديد.

من أجل هذا، تأتي قمة المصالحة الخليجية الإيرانية التي من المقرر أن تستضيفها المملكة العربية السعودية كخطوة أولية للإعلان عن ترتيبات أمنية مشتركة لما بعد الحرب، لتكون أول رد فعل عملي على محاولة الخروج من مظلة الحماية الأمريكية التقليدية، لماذا؟

لأن الجلوس الخليجي الإيراني المباشر يشير إلى أن دول المنطقة باتت تؤمن بأن الأمن المشترك يُصنع بالتفاوض الإقليمي الداخلي فقط. 

بناء على ذلك، من المتوقع سعي دول الخليج نحو الانفتاح على مشاريع استثمارية كبرى في قطاعي الطاقة والتجارة مع إيران، وهو توجه سيمنح دول الخليج نفوذا اقتصاديا وروافع ضغط قوية داخل البنية التحتية الإيرانية نفسه.

ووفقا لفلسفة الردع الناعم، عندما يمتلك المستثمر الخليجي أصولا حيوية في العمق الإيراني، ستجد القيادة في طهران نفسها مجبرة على التفكير ألف مرة قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية قد تهدد هذه الاستثمارات لأنها ببساطة ستدمر اقتصادها بيديها، ليحل الترابط الاقتصادي محل لغة السلاح.

من هذا المنطلق، تأتي المبادرة السعودية لهندسة هذه القمة مدفوعة بحتمية حماية خططها التنموية العملاقة، مثل رؤية 2030 والمشاريع التنموية الكبرى كنيوم والقدية والمربع الجديد، لاسيما، وأن جذب الاستثمارات الأجنبية وبناء قطاع سياحي عالمي يتطلبان بيئة إقليمية مستقرة تماما تحت شعار صفر مشاكل.

إذن القمة هي خطوة استباقية، تضمن ألا تتبخر طموحات التنمية الخليجية جراء صراعات دولية لا ناقة للخليج فيها ولا جمل، خاصة وأن الميزانيات الخليجية لم تعد في وارد تحمل فواتير حروب الآخرين دون عائد إستراتيجي مباشر يخدم استقرار الإقليم.

مجمل القول، يرجح أن يستغل الخليج حاجة ترامب الماسة لإنهاء أزمة مضيق هرمز وحاجة إيران الشديدة للسيولة، حتى يفرض شروطا قاسية تتعلق بسلوك طهران الإقليمي وضمان انتعاش صناديقه الاستثمارية.

ومع هذا، يظل حجر العثرة قائما، خصوصا وأن هذه المساعي قد تفضي إلى تعنت إيراني محتمل إذا ما استشعرت طهران أن شروط الصندوق الاستثماري يتجاوز الدعم المالي، لتستهدف تحجيم سيادتها ونفوذها الإقليمي.

استطلاع راى

هل تؤيد قرار الفيفا بزيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 5629 جنيه
سعر الدولار 49.56 جنيه مصري
سعر الريال 13.23 جنيه مصري
Slider Image