فرغلي يكشف الإسلاموية وأجيال الجهاديين وتحولات الأطروحات القديمة
الباحث والمتخصص في شؤون الجماعات الاسلامية ماهر فرغلي في حوار كبير يرصد وضع الجماعات الجهادية في المنطقةومدي خطورتهم وفيما يلي نص الحوار :
س1: ما هو الوضع الرّاهن للحركات الجهاديّة؟ وائل صلاح وباتريس برودر في كتابهما المشترك بالفرنسية (الإسلام السياسي في زمن ما بعد الربيع العربي، هل دخلنا في زمن النكرو-إسلام سياسي) (2017) يتحدّثان عن ثلاث مظاهر للإسلام السياسي اليوم هي الإسلامويّة الرجعية أو التراجعية، والإسلاموية الجديدة، والنكرو إسلاموية، أطروحتهما شبيهة بأطروحة جيل كيبال وأوليفيي روا حول فشل هذه الصحوة الإسلامية في تقديم تصور ممكن حول الإسلام النقيّ، وتعرّضها إلى سيرورة علمنة أصابت مفاهيمها الحاكمة بنوع من السيولة. هذا قريب ممّا تحدّث عنه باتريك هايني في كتابه إسلام السوق (2015)، حين تحدّث عن تشرب هذه الإسلاموية بقيم أمريكية متمركزة حول النجاح الفردي مستوحاة من البروتستانتية، كيف تصفون وضع الإسلام الجهادي بين هذه التوصيفات؟
ج- يستخدم الخبراء والباحثون (ما بعد الإسلاموية) للتفريق بين حركات التغيير السياسية التي تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاماً سياسياً للحكم" والإسلام ذاته، ووفق المتعارف فإنها حالة من التعميم حول فشل الظاهرة، أو تحوّلها إلى صورة جديدة من الرجعية والتراجعية أو النهج المستوحى من قيم السوق، وبمعنى أدق دخولها إلى مرحلة جديدة تعرضت فيها إلى سيرورة علمنة أصابت مفاهيمها الحاكمة بنوع من السيولة، وهنا لا بد أن نتوقف لأن المقصود في البداية هو من يمزجون ما بين الإسلام والوصول للسلطة، سواء جماعات أو أفراد، أي تحقيق أهداف سياسية من خلال الأيديولوجيا، وهم الذين يعملون على تعريف الإسلام من خلال مجموعة من الأشكال، كلها تربط ما بين تحقيق الأهداف السياسية والإسلام، وهو ما لا يجعلنا ندخل التديّن الشعبي العام في هذا الإطار، وهكذا نحن أمام دائرة واحدة، بها تقسيمات متنوعة، تقف كلها على أرضية واحدة، وهي (التغيير عن طريق المزج بين الإسلام والسياسة) وسنرى مجموعة من الأشكال، منها: الذين يؤمنون أن هذا التغيير فوقي، أي عن طريق هرم السلطة والوصول إليها، سواء هو بطرقٍ مشروعةٍ قانونيةٍ، مثل الممارسة الحزبية الديمقراطية، أو هو عن طريق العمل السري المسلح، ثم الذين يؤمنون أن هذا التغيير سفلي أي عن طريق التوغل شعبياً من أسفل سواء عن طريق العمل النقابي، أو العمل الدعوي السلمي المشروع أو التنظيمي غير المشروع، والشكل الثالث هم الذين أخذوا حالة وسطاً ومزجوا ما بين الأول والثاني، وسنرى داخل كل شكل من الثلاث تحولاتٍ فارقةٍ تتسبب فيها الظروف المحيطة وفقه الواقع ما يجبر حالة من الانتقال ما بين الأشكال الثلاث، وهنا لا نستطيع أن نحكم أننا انتقلنا إلى ما بعد الإسلاموية لأن الجميع يقفون على أرضية واحدة وهي التغيير عن طريق الإسلام، وإن حدثت القفزات بعيداً عنها لن تصبح إسلاموية، بل تصبح تديناً.
وفق ما سبق سنصنّف الإسلاموية إلى الكلاسيكية وهم السلفيون، أو الإسلاموية الحركية، وأما ما يتحدثون عنه أنه ما بعد الإسلاموية، فهي لا تعدو كونها إسلاموية استراتيجية تكتيكية أكثر من كونها أيديولوجيا جديدة، وإلا لن تكون إسلاموية من الأساس.
هنا سنضع التيار الجهادي ما بين الفئة الأولى والثانية حيث إنه سلفي أصولي، وفي ذات الوقت حركي يعتمد على العمل السري، وذلك لأنه لم ينشأ إلا من منطلق طريقة صوغ البيئة المحيطة بمفهوم للسلفية والربط ما بين الجهادية والأصولية.
هذا من ناحية الوضعية للتيار، أما عن انطلاقاته فسنجد أن ما حدث بعد الربيع العربي، خاصة في سوريا، وبروز داعش، أوقع الجهادي كله في مجموعة من التداخلات الفقهية والفكرية العقدية، كذا جملة من الاستراتيجيات الحركية، التي تداخل فيها المحلي بالأممي، والعنقودي بالمنفرد، حتى شهدنا الآن ما يطلق عليه النمط الاندماجي، أي الدمج بين تنظيمات مثل السلسلة الواحدة، هي أقرب جغرافياً أكثر من قربها أيديولوجياً.
كما شهدنا أيضاً تلك التحولات التي تشير إلى جملةٍ من الأفكار الجديدة المعقدة، التي تجاوزت الأطروحات القديمة في الفكر والمنهج، وتستلزم القراءة الصحيحة، فالربيع العربي وما تلاه كان فاصلاً إلى حد كبير بين الخطاب المعلن والقناعات الحقيقية، وما بين الاستراتيجيات القديمة والعملية الحركية الحالية، لأن هناك تحولاتٍ حقيقيةٍ مرّ بها التيار جملةً على المستوى الأيديولوجي والاستراتيجي، خاصة أنه لا يتحرك بتشكيلة واحدة، كما أن المنطقة التي يتحرك فيها ليس لها حدود.
س2: هل بالفعل هناك تحولاتٍ حقيقيةٍ شملت الفكر والمنهج، وتجاوزت الأطروحات القديمة، أم أنها تسير في نفس فلك القواعد المؤسسة استراتيجياً وأيديولوجياً، وما هي تلك التجديدات إن وقعت بالفعل؟
ليس المقصود هو تجاوز القواعد المؤسسة الأولية، التي اجتمع الإسلامويون عليها جميعاً، مثل (السعي لتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة)، أو المتطرفة منها مثل (هدم المجتمعات لبناء مجتمع إسلامي)، أو (تكفير الحكام المستبدلين)، و(قتال الطائفة الممتنعة عن الشريعة)، لكنه تلك التحولات الفارقة في تطبيق تلك الأسس مثل (تكفير الشيعة على العموم)، (تسع رصاصات للمرتدين ورصاصة للكافرين)، أو غيرها من التطورات الفكرية والحركية.
لو ضربنا مثالاً بأكبر فيصيلين في التيار الجهادي وهما القاعدة وداعش، على سبيل الخطط والاستراتيجيات سنجد أن الأول بمرور الوقت أصبح حاضنة أيديولوجية وبؤرة لفصائل قد لا تحمل نفس الاستراتيجيات، وأسس وحدة افتراضية بين أفراد وجماعات لا ترتبط تنظيمياً، وكان قتال التنظيم في نشأته الأولى تضامنياً مع الأفغان أو الشيشان، ثم انتقل إلى مقاتلة العدو البعيد، وخلال هذه المرحلة ظهر ما يسمى (الجبهة الأيديولوجية) على يد أبو مصعب السوري في كتابه: (دعوة المقاومة الإسلامية)، وهي الجبهة التي تعمل دائماً في دمج ما بين العنقودي والمنفرد، والتنظيمي والذئب المتوحد الذي يحمل الفكرة، ولم ينتقل التنظيم من العمل حركياً من جهاد النكاية إلى التمكن وإمساك الأرض إلا في سوريا، التي حدث فيها الصراع، ووقع فيها الدمج بين المقاتلين، وكانت ساحة للصراع بين تنظيمات متعددة، وأما الثاني وهو داعش فدمج بين مقاتليه، وكانت له سياسة واضحة هي إمساك الأرض، عن طريق مزيج من قتال الجيوش النظامية وحرب العصابات، وما ابتدعه من تطهير المكان (أى مذابح للمخالفين)، ومن هنا شهدنا جملة من التجديدات في عموم التيار، منها (النمط الاندماجي) الذي يقوم علي توحيد هيكل القيادة والتحكم، والدمج التام للقوات المقاتلة، وهو مستجد خلال الثلاثة أعوام الأخيرة، حيث انتقل التيار ومنه القاعدة من نمط المظلة الأيديولوجية، الذى تلتزم فيه جماعات شريكة وحليفة نفس الأفكار، إلى الدمج بين الفصائل الإقليمية والميليشيات استراتيجياً بغض النظر عن التباينات الأيديولوجية، وقد بدأ هذا عقب الثورة السورية التي جعلته يستخدم بالضرورة الاستراتيجية اللا مركزية، في التعامل مع الفروع، ودمج الفصائل والتنظيمات القريبة جغرافياً، وإدارتها من خلال قيادة مشتركة واحدة.
كانت سياسة القاعدة هي تقسيم العالم إلى قطاعات، وتكليف أفرع منه بالعمليات في كل قسم، لكن التحوّل هنا كون التشكيلات الجديدة لم تعد تعتمد على القديم، بل هي جامعة ومنعزلة في ذات الوقت، فهي تجمع كلّ من يعمل إقليمياً وفي ذات الوقت يريد الاحتفاظ بخصوصيته الإدارية وبقيادته وتكتيكاته، وهذه هي النقطة الأولى، التي استتبعها فيما بعد العملية الاندماجية بين تنظيمات هي أقرب على مستوى المكان أو الاستراتيجيات، أو ما يمكن أن نطلق عليه (تنظيمات السلسلة الواحدة) التي لا يوجد تغييرٍ في رؤيتها السياسية والعسكرية، التي تعتمد بشكل أساسي على الارتباط بتنظيم “القاعدة” أيديولوجياً وسياسياً، ومن أهم الأمثلة على ذلك ما جرى في مطلع عام 2017 حين أعلنت كبريات التنظيمات الإسلامية المسلحة النشطة في الصحراء الكبرى، ودول الساحل الأفريقي عن حركة جديدة تحمل اسم "جماعة أنصار الإسلام والمسلمين".
كما شهدنا (الصراع بين المحلي والمعولم) فمع النمط الاندماجي وقعت إشكالية الصراع بين العمليات القتالية المحلية والمعولمة، سواء بين القاعدة ذاته أو مع داعش، ومن قرأ ما كتبه أبو بصير الطرطوسي، أحد المشايخ الروحيين للقاعدة، ونقده للظواهري، يلمس بداية تلك المرحلة، وأن ما وضعه أبو مصعب السوري على مستوى الصعيد الأيديولوجي والواقعي تغير، حيث إنّ الاستراتيجيات الملتبسة التي تم تأسيس التنظيم عليها، وهى الحرب الشاملة للعالم، جعلها تتحرك في مساحة رمادية، بين المحلي والعالمي وقتال العدو البعيد والقريب، وجاءت الظروف الواقعية التى أعقبت ثورات الربيع العربي، لتحسم لدى بعض الفصائل خيارات أخرى، وكان هذا أشبه بعملية تفجير داخلى للانشقاقات، ما حدا التنظيم فيما بعد لرأب الصدع بدمج الفصائل القريبة مكانياً واستراتيجياً، وظهور ما يسمى تنظيمات (السلسلة الواحدة)، وكان أكثر ما شهدناه هو (الاستمرار في مناطق التوتر) والاتجاه إلى الأماكن الساحلية، وهذا من ناحية القاعدة أما عن داعش، فهو مستمر فيما يسمى التمكن من الأرض، ورغم أنه فقد جل أراضيه وقتل زعيمه أبو بكر البغدادي، لكنه واضح أن يسير على ذات النهج على يد زعيمه الجديد، عبر حروب الاستنزاف والمقاتل الشبح، ونتيجة الانقلاب في الظروف التي جرت، ستتبدل التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة، لكن هذا لا يمكن أن يكون إلا في بيئة فاشلة، ومن هنا يتبين أن عمليات التنظيم المقبلة والمتوقعة سترتبط بشكل أو بآخر بالواقع الذي يمكن أن يتحكم فيه التنظيم، وبالوضع على الأرض، أو ما يسمّونه "فقه الواقع"؛ لأنّه لا يستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا في بيئة مضطربة ومنقسمة على نفسها، أو مرشحة للانقسام، أو مناطق فوضى، أو معازل اجتماعية وسياسية، أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية، أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية.
الخلاصة، في مجمل التيار اختلافات استراتيجية خططية لكن هناك جملة من الاقترابات في التبرير العقلاني للمعارك والتنافس، فقد أصبحت بعض الفصائل القريبة من القاعدة ومنها (خراسان) ذات مرجعيتين ومنهجين مختلفين، وأصبح قادتها جزء منهم يدين بنهج تنظيم القاعدة المركزي السياسي وتكيفاته الإيديولوجية عقب ثورات الربيع العربي، وآخر يريد إقامة دولة وإمارة، وإشعال الحرب على أساس هوياتي مثل داعش.
س3: هناك حديث عن تعميم وانتشار للفكر الجهادي والحركات الجهادية، يتراوح بين الشكل التنظيمي كتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وحالة الفعالية الدينية المنتشرة التي تعمل عملها الخفي في نشر هذا الفكر وتمويله كما هي الحال في عديد البلدان الأوروبية، جيل كيبال خصّص لهذا الأمر كتابا عام 2016 la fracture ، وتحدث ماسيمو كانبانيني عن الإسلام السياسي في أوروبا (2017)، واصفاً أوروبا بأنها بلد الانطلاقة الجديدة للإسلام السياسيّ.. كيف ترى ذلك؟
أنا مؤمن أن أوروبا بلد الانطلاقة الجديدة للإسلام السياسيّ، وذلك بسبب عملية التثبيت والتموضع التي تمت لمنظمات وجمعيات إسلامية في بعض دول القارة، وعدم السيطرة التامة على البيئة الدينية مثل المساجد والجمعيات، وأيضاً مع التغيرات والتحولات الجارية الآن، تستقبل بعض الدول الأوربية العائدين من أماكن التوترات، وكذلك المحاولات المنظمة والمنسقة من الإسلام السياسي، وتحديداً (الإخوان) والمنظمات المتفرعة منها، تحت مختلف الأسماء والواجهات، للاستمرار في التموضع، تساعدهم في ذلك مجموعة من العوامل، أهمها تلك الخبرة الفائقة التي كسبوها في توظيف ما في الغرب من قيم الحضارة الحديثة مثل، الديمقراطية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وحرية العبادة، وتغيير الدين والمعتقد، والاعتراف بتعددية الثقافات، وغيرها من التسهيلات، وكذلك بيروقراطية إجراءات الغربيين الإدارية والقضائية، ما سمح بتمرير قواعد للإسلام السياسي، لأن بها سياق اجتماعي منتج له، وذلك فيما يتعلق بمكان الإسلام ووجود المسلمين في الديار الأوروبية، وصعوبة إيقاف تنقل "جهاديين"، وتموضع منظمات إسلامية قانونية خادمة لكل التيارات بلا استثناء.
أيضاً السلفيون في أوربا خططياً يحاولون أن يكونوا بديلاً دائماً للإخوان، وينطلقون من خلال رؤية أنهم الأقرب للحق، وأنهم سلميون، إلا أن الصراع بين السلفية سيستمر ومرشح للزيادة، على اعتبار أن السلفية الجهادية هي جزء منهم، وبرغم التنوع السلفي، فهناك إمكانيات كبيرة للتحرك بين الدوائر السلفية، من العلمية للحركية ثم إلى الجهادية، وما زالت أكثر النقاشات والأبحاث واللقاءات التي تدور في الغرب حول (السلفية الجهادية) بالأساس، وإن أشارت إلى التنوع في البيت السلفي فبكونه محطة انتقال ورافد إمداد للجهادية، وكانت وما زالت تقريباً أكثر الأسئلة التي تشغل الباحثين والصحفيين الغربيين، هو معرفة "إلى أي مدى يمكن أن يتحول السلفي الحركي أو الدعوي إلى جهادي"، وهي نظرية تصبح وفقاً لها كل جماعة سلفية مشروعاً جهادياً محتملاً في المستقبل، إذا ما توفرت الظروف الملائمة، ولو لم تتوفر الظروف فإن التيارات السلفية من المؤكد أنها ستبقى لتقدم دعماً بشرياً غير محدود للتيارات الجهادية، ومن جهة أخرى هناك انتقالات تحدث بالتوازي من الجماعات الجهادية إلى صفوف التيارات السلفية السلمية.
إن الخطة التي يهدف لها الإسلام السياسي دائماً هي خلق كيانٍ اجتماعيٍ موازٍ للتنافس مع بقية أركان المجتمع الأوروبي ومبادئ وقيم مواطنيه، وهذه المحاولات والمساعي باتت تشكل تحدياً طويل الأمد بالنسبة لمسألة التماسك الاجتماعي في أوروبا قبل العنف والإرهاب.
س4: لو نظرنا إلى مسألة المراجعات نحن نعلم جيّدا وجودها الذي أدخل هذه الجماعات في خلافات عميقة وانشقاقات، من أبرز هذه المراجعات من داخل هذه الجماعات ما عرفه تنظيم القاعدة منذ عام 2007، بداية بمراجعات سيّد إمام الشريف منظر داعش صاحب كتاب العمدة الملقب بدكتور فضل والتي ضمّنها في ثلاثة كتب منها كتابه المعروف "وثيقة ترشيد العمل الجهادي"، وصولا إلى مراجعات الأردني أبو محمّد المقدسي في كتابه "وقفات مع ثمرات الجهاد"، ومراجعات الجماعة الإسلامية اللّيبيّة المقاتلة التي صدرت في كتاب "دراسات تصحيحية في مفاهيم الجهاد والحسبة والحكم على الناس". إلى أين وصلت المراجعات؟ وهل هي ذاهبة في اتجاه التخفيف من حدّة نزوعها التكفيريّ أم أنّها تزيد في تعميقه؟
في البداية لا بد وأن ندرك أن الإسلامويين انطبع في ذهنهم أن المراجعات هي المصالحات مع الدولة الوطنية، التي ستبدو في حالة يرثى لها وضعيفة ومضطرة للقبول بشروط جماعة، أما الدولة فهي ترى اعتذار التنظيمات والجماعات عن أفكارها، و«خلخلة» الجماعة للعنف واستنكارها واعتذارها عنه، والقبول بتطبيق القانون عليها، وهنا التباين الكبير، الذي أدى إلى انخراط كثير ممن أعلنوا المراجعات في عنف واضح، وتشكيل مجموعات سرية مسلحة، وهذا يعود في الأساس الى أنها لم تكن مراجعات شاملة، ورؤى منهجية استراتيجية ثابتة دائمة، إنما كانا في جزء كبير منهما، موقفاً تكتيكياً وكموناً مرحلياً لالتقاط الأنفاس، واستعادة القوة، وبناء التنظيم من جديد.
ما أحب أن أوضحه في مراجعات القاعدة، أن التنظيم لم يقم بأية مراجعات، لكن الفرع المصري لتنظيم الجهاد، الذي انضم أغلبه للقاعدة على يد المصري أبو عبيدة البنشيري، مؤسس القاعدة الحقيقي، هو من قام بهذه المراجعات، ولم يكن كله من قام بها، بل أفراد يمكن أن تعدهم على أصابع اليد، منهم سيد إمام، وكل هذه المراجعات تمت داخل السجون المصرية، أي أنها لم تتم بشكل طبيعي، لذا سنجد الشخصية المحورية التي قامت بها، وهي سيد إمام، بمجرد الإفراج عنه، نقض مراجعاته، وأعلن تكفيره للمجتمع بالكامل، وتكفير الحكام، وذلك لأن مراجعاته كانت منقوصة، فهي تتمحور فقط حول تكتيكات الصدام مع الحكومات، وتحريمها وقتياً وفق الظروف المحيطة بالحركة في هذا الوقت، وأما تجربة الجماعة الإسلامية المصرية التي شهدت فصولها، وحتى الليبية فإن القائمين عليها مع انطلاق الربيع العربي رفضوا حصر دور الجماعة في المجال الدعوي الإصلاحي مع استكمال ومواصلة المراجعة، وصولاً لضبط الأداء والخطاب في ملفات كثيرة عالقة على رأسها قضية السلطة والعلاقة بالحاكم وبالمؤسسة العسكرية وبالتيارات الفكرية والسياسية القائمة، وأعلنوا على الفور ممارستهم السياسة وفق قواعد اللعبة الجديدة، التي مكّنت لحركة الإخوان الوصول للسلطة في مصر، أو لانهيار الحكومة المركزية كما في ليبيا، وهناك من أكد منهم على فلسفة المراجعات الاستراتيجية الحاكمة ودورها المستدام المستقبلي المنضبط أداءً وخطاباً في سياقه الدعوي والفكري والاجتماعي، مع إلزام الجماعة منهجياً بعلاقة استراتيجية تكاملية مع الدولة ومؤسساتها ومع الحكام، وهناك فريق آخر رفض إجراء أي تطوير منهجي وفكري لقضية "الحاكمية" على سبيل المثال، خاصة النسخة المصرية، حيث رأوا أن السلطة ستظل هي مناط التغيير الحقيقي.
لو نظرنا إلى تجربة المراجعات للجماعة الليبية المقاتلة سنجد أنها افتقرت بسبب غيابها الطويل بالسجون إلى رؤية متكاملة عقب سقوط القذافي، وهذا أدى إلى انخراطها في سياسات تختلف جملةً وتفصيلاً عن الذي أعلنته في كتبها، وأيضاً الجماعة المصرية افتقرت خلال ركضها المتسارع نحو السلطة عن طريق القوة للرؤية الاستراتيجية المتكاملة، وهو الدافع الرئيسي لإعلان وقوفها مع بنود مبادرة وقف العنف القديمة، رغم الممارسات العملية المخالفة لذلك، وهو ما أدى بالفعل إلى تذبذبٍ واضحٍ في كل تصرفاتها.
سنلاحظ أنه قبل المراجعات في ليبيا ومصر كان هناك خلاف داخلي حول تفصيلات دقيقة في تكفير الحكام، واستمر الحال على ما هو عليه الآن، وكذلك في حكم الدار، والطائفة الممتنعة، وأعوان الحاكم، وهذا يدلل على أن النزوع نحو المراجعات كان تكتيكياً بشكل أكبر من الأيديولوجي.
ما أشدد عليه هو أن هناك تحوّلاً عن التحولات والمراجعات، وسنلاحظ ذلك في أحد القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية المصرية، عاصم عبدالماجد، الذي أنكر ما قام به، وخرج بتنظيرات جديدة في 26 حلقة نشرها بصفحته الشخصية، تحت عنوان (الأمة لا الجماعة)، فبدلاً من أن يكون التنظيم هو الأولى، جعل الأمة هي الأهم، التي ستتحرك بفعل دعوة الجماعات، ليقفز عليها التنظيم فيما بعد، والحكاية ببساطة أنه قلب المعادلة، في تقلبات تكتيكية بفعل الظروف السياسية المحيطة، دون تغير في الأيديولوجية البناءة داخل التنظيمات الحالية.
في عرف عاصم أن وظيفة الجماعات الوحيدة هي استنباط حكم الشرع في الواقع الذي نحياه، وما يجب على الأمة فعله، وما بجب عليها تركه، ثم إبلاغ الأمة بهذا الحكم سواء بطريقة مباشرة (الدعوة) عن طريق جيش الدعاة الضخم للغاية والمنتشر جغرافيا في كل بلادنا، أو بطرية غير مباشرة (الإعلام).
إن ملخص مشاهداتي لهذه التجربة أن الجماعة بالكامل كانت ترفض كتابة ما يسمى إقرارات البراءة عن الفكر المتطرف، لكنها فجأة منذ أن دخل كرم زهدي وناجح إبراهيم ووراءهم قيادات الجماعة من باب مستشفى سجن الوادي الجديد إلى فناء السجن وبرفقتهم ضباط كبار من أمن الدولة المصرية، كان يتضح تماماً حرصهم على إظهار وحدتهم وأنهم صف واحد ولا يوجد بينهم أي اختلاف في هذا القرار المصيري، ثم أعلنوا عن مراجعاتهم وأنهم أخطأوا، وفوجئنا أن كل الأعضاء وافقوا دون تفكير، ودون معرفة أي تفاصيل عن هذه المراجعات، التي كانت منقوصة في أبواب كثيرة منها مسألة الحكام، وموقع الجماعة من الدولة، وبدا فيما بعد أن هناك خلافاتٍ بين قيادات الجماعة، وأن ما فوق السطح يختلف عما يجري بداخله وأن هناك صراعاً قائمًا حول التفصيلات، ونجح فريق الصقور المؤمن بالوصول للسيطرة مرة أخرى على التنظيم بالكامل، كان هذا مقدمة لتحديات هي أكبر في الحجم بعد الثورة، مثل المرحلة العمرية كون الجماعة كان عصبها الرئيسي من الشباب، وقد كبرت أعمارهم داخل السجون، وهذا تحدٍ ظهرت نتائجه في خروج أكثر من مجموعة تبحث عن الطريق البديل سواء من داخل الجماعة عن طريق حزب أو جمعية تعمل داخل إطار القيادة مع نوع من الانفصال، أو من خلال هيكلة جديدة تحمل فيها خيط اتصال وولاء أو ما يسمى دون التزام تنظيمي حقيقي بها.
لقد خلصت أن هناك بعداً استراتيجياً منهجياً كان يخطط له القيادات المؤسسون للجماعة، وهو تحويلها إلى خط عام دعوي وفقط، ورفض ذلك مجموعة أخرى على رأسهم عصام الدين دربالة، الذي توفي مؤخراً بسجن العقرب، فقفزوا على قمة هرم التنظيم، ونجحوا في إبعاد الجميع، ليحدث الانقلاب، على تلك المراجعات المحدودة التكتيكية غير المنهجية الشاملة.
إن صقور الجماعة القطبيين هم الذين رفضوا النهج الإصلاحي التكاملي، وقد اختلفا معاً على خيار المفاصلة مع الدولة والمؤسسات، وأصرّوا على مسار أحادي استعلائي، وأقصوا الإصلاحيين مستغلين وقت الثورة المصرية، ورغم إبعاد قادة النهج الإصلاحي كناجح إبراهيم، إلا أن صراع الأجنحة داخل الجماعة على خلفية التطورات والمستجدات على الأرض لا زال قائماً، وهذا أبان عن تباين حادٍ بين من يريد العمل من خلال الدولة وبين من يريدون التغيير الفوقي للسلطة.
تحولات مراجعات وقف العنف لم تكن كافية، وكانت تكتيكية إلى حد كبير، لأنها غفلت عن مسائل هامة، وهي وضع تصحيح لمفهوم تكفير الحاكم والخروج عليه، وأحكام الديار.. ألخ، ما أدى إلى تراجعها فور الدخول في اختبار الثورة، وتفسّخ النظام الذي كان يشرف عليها في السجون، وحتى في طرح عاصم عبد الماجد الجديد فإنه لا تغيير كثير، والدليل أنه لم يراجع موقف الجماعة من الدولة، وموقع الدولة من الأمة، ولا مراجعات أيضاً حقيقية، ولا تحولات فارقة، بل هي فقط محاولة للظهور، ومراجعاته ليست تطوراً بالحسابات التقليدية لفكر قيادي تاريخي بالتنظيم ودليل على نضجه، لكنها تعكس الفشل الحالي بعد الثورة في كل هذه التنظيمات، سواء في الجاهزية والعمل والهيكلة، والاستراتيجيات العامة.
لاحظ أن ما سبق هو عن تجربة الجماعة الإسلامية المصرية كرائدة في مسألة المراجعات، وما أعقبها من مراجعات الجماعة الليبية، لكن على مستوى التيارات الأخرى، سنجد أن هناك تحولات في الرؤية والاستراتيجية للتيار الإخواني العريض بجميع تشكيلاته في العالم العربي، مع الاحتفاظ بالأصول العامة.
وأيضاً في السلفية الجهادية التي تتنازع الآن حول عولمة الجهاد أم محليته فقط، فيما تتبقى داعش التي يتنازعها تياران، وهما الحازمي أو التيار البنعلي حول أيديولوجيات شديدة الأصولية مثل تكفير العاذر بالجهل، والتكفير بالموالاة، أو حول استراتيجيات الاستنزاف وفقهيات الجهاد، وهذا كله نزوع ناحية التكفير، أو بقاء واستمرار على ذات القواعد القديمة.
س5: يتحدّث خبراء عن ثلاثة أجيال كبرى للتفكير الجهادي المعاصر، لكلّ جيل منظّره: جيل أوّل يمتد من الأفغاني إلى سيّد قطب، وجيل ثان يمتدّ من سيّد قطب إلى عبد اللّه عزّام (ت1989) مؤسّس الجهاد العالميّ في أعماله المجمعة تحت عنوان "موسوعة الذّخائر العظام في ما أثر عن الإمام الهمام الشهيد عبد الله عزّام" (4 مجلّدات)، وجيل ثالث منظّروه الأبرز أبو مصعب السوري، وأبو بكر ناجي وعبد اللّه المهاجر. ما هي الاختلافات الأساسيّة بين هذه الأجيال الثلاثة؟
برأيي أنهم أجيال أربعة وليس ثلاثة، وأعتقد أن جيل الأفغاني هو الجيل الأول الذي تميز بالإحيائية للإسلاموية، حيث كان الاختراق الاستعماري لبلاد ومجتمعات العالم الإسلامي، والرد على ذلك بالأسس الأصولية والسلفية، وهذه الفترة اتّسمت بتأصيل "الهوية الإسلامية" كمركز لمقاومة الاستعمار، وإبراز (الإسلام هو الحل)، وهو الشعار البرامجي للإخوان فيما بعد، التي مع انهيار الخلافة العثمانية صعدت وأصّلت لمفهوم الدولة الإسلامية، وصنعت الجيل الثاني الذي كان يمر بفترات مد وجذر ثورية وحركية، بسبب تأثراته بمشاريع التثوير التي صنعها أمثال أبو الأعلى المودودي، وعبدالقادر عودة، وسيد قطب، وكان من أهم ميزاته انتقال الصراع مع الاستعمار إلى الدولة الوطنية على أسس سلفية، ومقاومة تأثيرات الحداثة بكل صنوفها، وكذلك التركيز في آن واحد على الفعل والممارسة والأفكار والإيديولوجيا، وبروز الأنظمة الخاصة السرية العسكراتارية.
إن الجيل الثاني مر بمرحلتين، الأولى هي التي كانت تنظيرات البنا، ثم أبو الأعلى المودودي، هي الغالبة، وهي التي تم تأصيل مجموعة من القواعد الفكرية بها، مثل جاهلية المجتمع، والحكومة الإسلامية.. ألخ ألخ
أما المرحلة الثانية فهي التي تحولت تلك القواعد إلى خطط عملية، وهذا ما برز في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، مثل الجماعة والطائفة المؤمنة، والجيل القرآني الفريد، والاستعلاء الإيماني، ومفهوم الأمة.
سننتقل برأيي فيما بعد إلى الجيل الثالث، الذي بدأ من الحرب الأفغانية، حيث انتقل الجهاد من المحلية ليكون تضامنياً، وغي هذا الجيل شهدنا إنشاء تنظيمات عابرة للقارات، مثل القاعدة، التي أصبح فيه خطان متوازيان، على الصعيد الأيديولوجي كان الأول هو تنظيرات سيد إمام الشريف حول تكفير الأعوان، وتنظيرات تنظيم الجهاد المصري والظواهري، واستمرار التشظي في السودان، لينتهي ذلك في العراق في بروز تنظيم داعش وتبنيه لتلك النظريات.
نحن الآن مع الجيل الرابع الذي بدأ مع إعلان الخلافة على يد البغدادي، وهو جيل أصبح فيه خطان متوازيان من الناحية الاستراتيجية، الأول يؤمن بمركزية التنظيم وأفكاره، والآخر يريد المحلية الجهادية، لذا شهدنا فيه بروز نسخ قاعدية جديدة، قد لا تحمل اسم القاعدة، لكنها تحمل بصماته، كما شهدنا تغيراً جذرياً في أسلوب التنفيذ، بحيث يميل بعضها لتبني النمط "الداعشي" في عملياته، في مقابل تغيرات محدودة في عقيدته الفكرية فيما يتعلق بأولويات القتال من حيث طبيعة العدو المستهدف، وهل العدو البعيد أم القريب أولى بالقتال.
مع هذا الجيل الرابع وجدنا نظريتان داخليتان تحاولان تفسير أو بيان ماهية ما يحصل بالتنظيم عقدياً، الأولى تعتقد أنها تنظيم عالمي وحيوي، يعتبر أن السلطات الحاكمة كافرة، وعميلة للخارج، ولن ينفع معها إصلاح، ويرفض أى بناء لا يتوافق مع ما يؤمن به من عقيدة، ويرفض تنزيل الأحكام على الواقع، ويتعامل معه مجرداً دونما قياس على الزمن أو الظرف الآني، كما أنه يوسع مفهومه عن الطاغوت، ليشمل إلى جانب غير الموحدين والمشركين والمبتدعين، الأنظمة الوضعية، التى تعمل لصالح النظام العالمي من وجهة نظره، والثاني يرى أنه يمكن التعامل مع المختلف معه عقدياً، وبدأ يطور مفهوم الولاء والبراء ليشمل غير الموحدين، وفي جل الإصدارات الأخيرة للقاعدة، وكلمات الظواهري المسجلة كانت هناك عملية إحيائية لنواقض الإيمان، وتفصيلها بشكل تم فيه الإفراط في استخدامها، وإضافة نواقض جديدة عليها، مثل "التوكل على الله"، وأصبحنا نرى خلافات علنية حول من يعذر بالجهل والتأويل، ومن لا يعذر ، ومن يحكم على أعوان الحاكم بالكفر والردة، ومن يحكم عليه بمفرده، ومن يكفر الطوائف كالشيعة على العموم، ومن يقبل توبة المرتد ومن لا يقبلها، وكانت كل سردية عقدية توصل إلى ما بعدها.
علىى العموم فإن أهم الفروق بين تلك الأجيال، ان الأول منها هو إحيائي، والثاني كان تنظيري حول من المسؤول عن هذا الإحياء، والثالث كان تبايني وخططي، وأما الأخير فهو تفصيلي بشكل أكبر حول قضية نواقض التوحيد المعاصرة، وفي الحديث عن الجهاد، أي الانطلاق من الخصوص إلى العموم والمفاصلة مع من أطلق عليهم المرتدين، وهو يتميز بمرتكزات فكرية هي:
1- الأولوية لدعوة الناس إلى التوحيد.
2- الولاء والبراء، كأوثق عرى التوحيد.
والمثير أن هذا الجيل لا يكتفي بمجرد الإعلان اللفظي للكفر بالطاغوت، بل يتدخل في تحديد أشكال هذا الكفر.
س4: لو عدنا إلى المرجعيّات، علي أحمد الديري في كتابيه، خارج الطائفة 2011. وإله التوحّش: التكفير والسياسة الوهّابية، 2017 يقول إنّ مرجعيّاتهم ماثلة في التراث الإسلامي القديم في كتب الفقه والحديث والسيرة التي أفردت لمفهوم الجهاد أبوابا مستقلّة، بل في كتب مستقلة خاصة بالجهاد لابن المبارك (ق2هـ)، وابن أبي عاصم (ق3هـ)، وابن عساكر(ق6هـ). بينما يعيدها غيره وبقول الجهاديين إلى ابن تيمية وابن القيم الزوجية، وابن عبد الوهاب. وهناك قول ثالث في كتاب الحركات الإسلامية في الوطن العربيّ (2013)، يقع فيه التركيز على مرجعية سيّد قطب. ما هو رأيكم في المرجعيّات بين مختلف هذه الآراء؟
لابد أن نؤكد أولاً أن العمل يسبق النظرية، ومن ثمّ تكون الأفكار الفقهية والعقدية تبريرية، ومن هنا يأتي التراث كوسيلة للتبرير، حيث سنجد المنظومة الفكرية المتحكمة الآن في كل التنظيمات الإسلاموية، خاصة الجهادية منها، تأثرت بما فعله أهل الحديث من الحنابلة والأشاعرة القدامى، وبعد توقف الاجتهاد وذم وقتل العقلاء ونفيهم بعد انقلاب المتوكل على إخوته لم يعد الفقه قابلا للتطور كي ينظر في حقيقة تلك الظروف السياسية والواقع المحيط بالنص، فتم التعميم وإطلاق الأحكام القيمية على الآخر وفقاً لهذا النص المقيد بالأصل، وما أفكار سيد قطب، وأبو عبدالله المهاجر، وغيرهما، إلا تفاسير منسوخة من أعمال تراثية، مثل مفاهيم الجهاد والحاكمية والولاء والبراء، وعلى كلٍ في عمليات الإحياء المتتالية سنجد أن سرديات المعالم الفكرية كالحاكمية، السيادة، الاستخلاف.. ألخ، بدأت بشكل واضح من محمد ابن عبد الوهاب، الذي طرح ما يسمى (النواقض العشرة للإيمان)، ثم تطورت بتراتبية واضحة بداية من المودودي وسيد قطب، وحتى داعش، التي توسعت في مسائل التكفير، كتكفير الأعوان.
إن محمد ابن عبد الوهاب ثار على دولة العثمانيين، وأحيا نصوصية ابن تيمية وفتاواه في التمترس، ومقاومة التتار، وتكفير من يحكمون بـ"الياسق"، وجاء من بعده المودودي، ثم سيد قطب الذي رأى أنه لا بد أولاً من التجمع العضوي الحركي، فأكد في "معالم في الطريق" أن "الإسلام لم يكن يملك أن يتمثل في "نظرية" مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقاداً ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفراداً ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلاً. فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى "وجود فعلي" للإسلام، لأن الأفراد "المسلمين نظرياً" الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية.. وسيتحركون - طوعًا أو كرهاً، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا.. أي أن الأفراد "المسلمين نظرياً" سيظلون يقومون "فعلاً" بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون "نظريًا" لإزالته.
إن هذا التشخيص دفع شكري مصطفى فيما بعد لعمل ما يسمى بالتكفير والهجرة، وطه السماوي للإيمان بنظرية الهجرة من المجتمع، والإخوان للعمل وفق مبدأ الاستعلاء والمفاصلة، ونضجت فكرة الولاء والبراء للظواهري زعيم تنظيم الجهاد.
الإسلامويين واصلوا ما قاله قطب، ورأوا أن الجماعة لا بد وأن تشب في أتون المحن وأمواج البلاء، وأن تعمل طوال الوقت بما يسمى الولاء والبراء.
مؤلف الفريضة الغائبة، محمد عبد السلام فرج، واصل نظريات قطب، وقال إن الجهاد أفضل من أى عبادة، وإن الوصول للسلطة عبر تجمع عضوي، لن يتم إلا بالمفاصلة، والحكم بجاهلية المجتمع، وتكفير الحاكم وأعوانه، ومن ثم تبرير قتال الطائفة المحيطة به، وهو ما استتبع خلق ما يسمى بـ(الأصول والفروع)، أي تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
إذن فبرأيي إن المسألة بها تراتبية ومتواليات، من ابن تيمية إلى ابن عبدالوهاب، ثم إلى المودودي، وسيد قطب الذي فصّل في الخطة، ووضه برنامج تقوم به الطائفة المؤمنة بدور محوري، وبعده جاء المنظرون الاستراتيجيون مثل أبو مصعب السوري وعبدالله محمد، ليضعوا نظريات استراتيجية للتطبيق، مثل الخلايا المنفردة، أو نظرية الذراعين وتطويق المرتدين.

-29.jpg)
-3.jpg)



