مدينة بيزنطية متكاملة تخرج إلى النور في واحة الداخلة.. كشف أثري يعيد رسم ملامح الحياة قبل 17 قرنًا
في إنجاز أثري جديد يعكس ثراء الحضارة المصرية وتنوعها عبر العصور، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن نجاح البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن مدينة سكنية متكاملة تعود إلى العصر البيزنطي، وذلك بموقع عين السبيل الأثري بواحة الداخلة بمحافظة الوادي الجديد.
ويعد هذا الكشف من أبرز الاكتشافات الأثرية الحديثة، لما يقدمه من صورة متكاملة عن الحياة اليومية والتنظيم العمراني في الواحات المصرية خلال القرن الرابع الميلادي، حيث شُيدت المدينة بالكامل من الطوب اللبن وفق تخطيط عمراني منظم، يضم شوارع رئيسية تتقاطع مع شوارع عرضية، بما يعكس مستوى متقدمًا من التخطيط الحضري في تلك الحقبة.
وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف يمثل إضافة نوعية لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، مشيرًا إلى أنه يبرز التنوع الحضاري الذي شهدته الواحات المصرية، كما يسهم في دعم السياحة الثقافية بمحافظة الوادي الجديد، ويعزز جهود الدولة في تنمية المنطقة وإبراز مقوماتها التاريخية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن نتائج الحفائر كشفت عن معلومات جديدة حول طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية لسكان واحة الداخلة خلال العصر البيزنطي، وهو ما يثري الدراسات الأثرية المتعلقة بتاريخ الواحات المصرية.
وتضم المدينة المكتشفة كنيسة بازيليكية ترجع إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، تتوسط المدينة وتطل على أحد شوارعها الرئيسية، إلى جانب بقايا برجين للمراقبة عند أطرافها، وحصن ذي أسوار سميكة، فضلًا عن مجموعة من المنازل التي احتوت على صالات واسعة وأسقف مقبية، إضافة إلى أفران للخبز ومطابخ وأدوات لطحن الغلال، في صورة تعكس ملامح مجتمع متكامل عاش في المنطقة قبل نحو سبعة عشر قرنًا.
ومن بين أهم المباني التي كشفت عنها الحفائر منزل "تيسوس" شماس الكنيسة، الذي يرجع إلى النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، ومنزل "تابيبوس" الذي يعود إلى بدايات القرن نفسه، وتشير الدلائل الأثرية إلى أنه استُخدم ككنيسة منزلية قبل تشييد الكنيسة البازيليكية.
كما أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية، شملت أواني فخارية متنوعة، وقنينات لحفظ الزيوت والعطور، ومسارج للإضاءة، وأدوات حجرية استخدمت في طحن الغلال، بما يعكس تفاصيل الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية لسكان المدينة.
ومن أبرز المكتشفات أيضًا نحو 200 قطعة من الأوستراكا، وهي وثائق مكتوبة على شظايا الفخار، دُوِّنت باللغتين القبطية واليونانية، وتضمنت سجلات للمعاملات التجارية والمراسلات وغيرها من الوثائق التي تقدم مادة تاريخية نادرة عن المجتمع المحلي في تلك الفترة.
كما عثرت البعثة على عدد كبير من العملات البرونزية بحالة حفظ جيدة، تحمل صورًا لأباطرة الدولة البيزنطية وكتابات لاتينية ورموزًا مسيحية، إلى جانب مجموعة من العملات الذهبية التي تعود إلى عهد الإمبراطور قسطنطيوس الثاني، الذي حكم الإمبراطورية البيزنطية بين عامي 337 و361 ميلادية.
ويؤكد هذا الكشف أن الواحات المصرية لم تكن مجرد محطات على طرق التجارة، بل كانت مراكز حضارية نابضة بالحياة، تمتعت بتنظيم عمراني واقتصادي وديني متطور، الأمر الذي يفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين لفهم تاريخ مصر خلال العصر البيزنطي، ويضيف مقصدًا أثريًا جديدًا إلى خريطة السياحة الثقافية في مصر.
