المرسي :بألياف روسية صينية وعطش خليجي.. إيران تفكك خطة ترامب لخنق هرمز
قالت الخبيرة في الشأن الإيراني الدكتورة شيماء المرسي أنه وبعد مرور عشرة أيام على التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، يمكن تلخيص مجمل الضربات والغاية الأمنية والاستراتيجية من ورائها في سياق تحول جذري لقواعد الاشتباك:
١- تركزت الهجمات العسكرية الأمريكية في البداية على الموانئ، وقواعد الصواريخ والطائرات المسيرة، والدفاع الساحلي الإيراني في الجنوب، بما في ذلك بندر عباس وقشم وچابهار وبوشهر وسيريك والأهواز، وذلك بهدف شل حركة الرادارات وتدمير مواقع الدفاع الجوي.
٢- إلا أن واشنطن وسعت في الأيام الأخيرة نطاق هجماتها لتصل إلى عمق الأراضي الإيرانية، مستهدفة مناطق مثل خنداب وسمنان، بالإضافة إلى البنية التحتية للطاقة، والمطارات، وخطوط السكك الحديدية، وطرق المواصلات، فضلا عن أجزاء من البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة كالأبراج ومحطات الكهرباء وعدد من الجسور الحيوية جنوبي إيران، منها: (نفق الشهيد ميرزائي، جسر كهورستان، وجسر نهر شور على طريق بندر عباس - سيرجا، وجسور محافظة هرمزگان، وجسران على الطريق الممتد من تقاطع ميناب باتجاه رودان). والغاية من كل ذلك هي شل القدرات الصاروخية والدفاعية لإيران مع تغريمها مدنيا حتى تستسلم لشروط ترامب التفاوضية الرامية إلى إعادة فتح المضيق.
وأضافت المرسي لكن الملمح الأبرز في هذا التصعيد هو بدء استهداف محطات الكهرباء بالتزامن مع استهداف محطات تحلية المياه جنوبي إيران تحديدا محطة جزيرة جاسك وبونجي في محافظة هرمزگان، لماذا؟
وتكمن علة هذا الاستهداف في أن إيران دخلت صيف عام 2026 بعد خمسة أعوام متتالية من الجفاف العنيف، وعلى الرغم من بعض الأمطار الربيعية التي حسنت الوضع نسبيا في بعض جبال زاگرس والشمال الغربي، إلا أن المسطحات المائية الداخلية الحيوية، مثل بحيرة أورمية، وحوض باختگان، سجلت أدنى مستوياتها التاريخية بناء على صور الأقمار الصناعية الأخيرة، بل إن سدود طهران الرئيسية، مثل سدي أمير كبير ولار، هوت قبل هذه الفترة إلى مستويات حرجة جدا قاربت 1% من سعتها التشغيلية.
والأهم من ذلك أن التقارير الصادرة عن المركز الوطني للمناخ وإدارة أزمات الجفاف الإيراني، في تحديثها الصادر في يوليو 2026، تؤكد أن مناطق الفلات المركزي، والتي تضم طهران وقزوين وسمنان ومركزي وقم وأصفهان ويزد، تعاني نقصا حادا وجفافا شديدا يتراوح في بعضها بين 35% إلى 39% دون المعدل الطبيعي.
وقالت وفقا لتحليلات معاهد الموارد والدراسات الأمنية، فإن توقيت الحرب المستعرة منذ فبراير 2026 أدى إلى إضعاف الرقابة الحكومية الإيرانية، وهذا تسبب في قفزة بنسبة 30% في عمليات حفر الآبار غير القانونية، وارتفاع معدلات سحب المياه الجوفية بشكل غير مستدام، وهو ما قد ينجم عنه هبوط مستوى التربة وتدمير البنية التحتية والمواصلات.
والأسوأ من ذلك أن إيران تعاني حاليا عواصف الملح الناجمة عن جفاف قيعان البحيرات والمستنقعات، والتي أسفرت مع الرياح الصيفية العاتية عن إثارة غبار ملحي محمل بالمعادن الثقيلة، بدأ يهب على مئات الكيلومترات ويسمم الأراضي الزراعية المحيطة بالمناطق المتضررة
زد على ذلك أن محطات تحلية المياه في الجنوب الإيراني والمناطق الساحلية (مثل قشم وجاسك وبوشهر وبندر عباس) تعاني بنيتها التحتية المائية أصلا من ملوحة شديدة. ويقع اعتماد هذه المناطق الكلي على محطات التحلية التي تحتاج إلى طاقة مستمرة وتأمين لوجستي.
لذا، فإن ضرب محطة تحلية المياه أو قطع الكهرباء عنها في هذا التوقيت يقطع شريان الحياة الفعلي لتلك المناطق الساحلية التي لا تمتلك بدائل جوفية عذبة، وهذا بالطبع يحول أزمة الجفاف الطبيعية إلى أزمة عطش إنسانية فورية، يراهن ترامب على أنها قد تحرك الجماهير الإيرانية للانتفاض ضد النظام.
وأشارت إلى أنه وفي هذه الحالة قد تدفع إيران باحتياطي المياه الذي استوردته عبر الأنابيب أو الناقلات من الدول المجاورة، خصوصا من أفغانستان. لهذا لا نستغرب اجتماع زعيم المعارضة الأفغانية إلى جانب ممثلي حكومة طالبان أثناء مراسم تشييع خامنئي، وكأن الحرس الثوري يريد تأميم أزمة الجفاف التي بدأت أمريكا توظيفها منذ حرب ال١٢ يوما يونيو ٢٠٢٥. (لمزيد من التفاصيل حول المحددات الإقليمية في رسم الإستراتيجية المائية الإيرانية، الجزيرة، ١٧ أغسطس ٢٠٢٥).
ومع ذلك كيف ردت إيران على هذا التصعيد العسكري الأمريكي؟
٣- أعادت صياغة المشهد الميداني عبر محورين تمثل الأول في تغيير معادلة الردع التقليدي، والانتقال من استهداف القواعد العسكرية ومراكز الرصد والذكاء الاصطناعي في الكويت والأردن والبحرين وقطر وعمان، إلى تبني معادلة الردع بالصلب وتوجيه ضربات مباشرة وعنيفة للبنية التحتية الخليجية والمفاصل اللوجستية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وذلك ردا على محاولة تفكيك شبكة الطاقة والصلب في إيران.
٤- استهدفت حتى الآن ناقلات النفط الخليجية، ومحطة الشويخ للكهرباء وتقطير المياه في الكويت مرتين في أقل من 24 ساعة، وهو الرد المباشر والتنفيذي على تدمير محطة تحلية المياه الإيرانية في جزيرة جاسک لنقل أزمة العطش والطاقة إلى الجانب الآخر فورا، بالإضافة إلى ضرب جسر الملك فهد الدولي، الذي يربط بين البحرين والسعودية لفرض معادلة الجسر بالجسر، واستهداف شركة بترول البحرين وشركة النفط الكويتية، ورصيف إمداد وقود للأسطول الأمريكي في ميناء الأحمدي بالكويت، مع وضع (ميناء جبل علي بالإمارات، وميناء سلمان بالبحرين، وميناء الشعيبة ومعسكر عريفجان بالكويت، وميناء الملك فهد الصناعي بينبع في السعودية)، تحت دائرة التهديد المباشر باعتبارها شرايين الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية.
٥- ويرتبط المحور الثاني للرد الإيراني مباشرة بما أشرت إليه قبل عدة أيام منذ استهداف مطار صنعاء الدولي في اليمن، بأن مرحلة كسر العظام بين إيران والولايات المتحدة ستحسم نقاطها لصالح طهران في حال تدخل محورها الأوراسي، المتمثل في الصين وروسيا، لدعمها استخباراتيا ولوجستيا كما فعل في الجولات السابقة.
وبالفعل نشرت شبكة توزيع المعلومات المرئية الدفاعية الأمريكية (DVIDS) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تقريرا بتاريخ ١٧ يوليو الجاري، أن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) يقوم بنشاط تزويد حزب الله في لبنان بمسيرات الألياف الضوئية المتقدمة (Fiber-optic drones)، وأشارت صراحة إلى أن هذه الأنظمة تعتمد على مكونات تكنولوجية مشتقة وموردة من الصين وروسيا لتجاوز منظومات التشويش، والحرب الإلكترونية الأمريكية والإسرائيلية (EW)، لأن التوجيه يتم عبر كابلات ألياف ضوئية فيزيائية دقيقة لا تتأثر بالموجات اللاسلكية.
وهذا بلا شك يمنح المسيرات دقة متناهية في نقل الصور واصطياد الأهداف حتى لحظة الارتطام، وبالتالي رفع كفاءة الصمود الميداني لشبكة حلفاء طهران.
وبما أن الجانب الإسرائيلي غائبا إعلاميا عن ساحة التصعيد الأمريكي ضد إيران، قررت الأخيرة توريطه عبر تسخين الجبهة الشمالية. وجاء إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان واستهداف مستوطنة كريات شمونة صباح السبت 18 يوليو ليحقق هدفين:
-الأول، تشتيت الجهد العسكري والسياسي الحليف لأمريكا وإجبار إسرائيل على الانخراط في معركة استنزافية مباشرة مع حزب الله.
-الثاني، توسيع رقعة التصعيد الإقليمي، تمهيدا لإدخال جبهة جماعة الحوثي في اليمن بشكل أوسع، وتنفيذ تهديد تعطيل الملاحة في باب المندب بالتوازي مع إغلاق مضيق هرمز، وهذا يعني خنق ممرات الطاقة العالمية بالكامل وفرض حصار مضاد على المصالح الغربية، كل هذا التصعيد حال التنفيذ إذا استمرت الضربات الأمريكية على المصالح الإيرانية.
وفي الختام، من المرجح ألا تطول مرحلة كسر العظام الراهنة، لأن سيناريوهات تداعياتها الإقليمية بدأت تأخذ مسارا تصعيديا متسارعا يهدد المنظومة الاقتصادية الإقليمية والدولية.
وعليه فإن التحرك الدبلوماسي الجاري من قبل مصر وقطر وعمان وباكستان من أجل خفض التصعيد والعودة إلى طاولة التفاوض، يمثل النتيجة الحتمية التي ستفرض نفسها فور إدراك كل طرف لحدود قوته وسقف شروطه التفاوضية المتاحة.





.jpg)
