وكيل جهاز الأمن الوطني السابق يكتب : تعامل القيادة المصرية مع الملفات المعقدة
هذا المقال طويل في سطوره ، لكن مهم في مضمونه ، وقرأته مطلوبه ، لتوضيح رؤية كثير من المصريين في غيبة عنها ، رؤية عن الدور العظيم الذي تلعبه القيادة السياسية المصرية عند التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة .
في عام 2015 دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراع عندما قادت المملكة العربية السعودية تحالفًا عسكريًا للتدخل في اليمن ضد جماعة الحوثيين، بعد سيطرتها على صنعاء وتوسعها العسكري، وما ترتب على ذلك من انهيار العملية السياسية وتصاعد المخاوف الخليجية من تنامي النفوذ الإيراني على الحدود الجنوبية للمملكة.
في تلك اللحظة، اتخذت مصر موقفًا داعمًا للتحالف، لكنها في الوقت نفسه تعاملت مع الملف اليمني بحسابات مختلفة عن فكرة الانخراط العسكري المفتوح.
فالقاهرة شاركت بالفعل في العمليات من خلال القوات الجوية والبحرية، وأعلنت استعدادها لدعم أمن الخليج وحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، لكنها لم تدفع بقوات برية إلى المستنقع اليمني. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي واضحًا في التأكيد على أن أي توسع في طبيعة المشاركة العسكرية سيخضع لحسابات الدولة ومصالحها وأمنها القومي.
وهنا تظهر أهمية الخبرة المصرية في قراءة ملف اليمن ، فاليمن ليس ساحة عسكرية تقليدية ، فالتاريخ المصري في اليمن ليس مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل تجربة عسكرية وسياسية ثقيلة.
فقد خاضت مصر في ستينيات القرن الماضي حربًا طويلة في اليمن، عندما تدخلت عسكريًا لدعم الجمهورية العربية اليمنية في مواجهة الملكيين. واستنزفت تلك الحرب جزءًا مهمًا من القدرات المصرية، في بيئة جبلية وقبلية معقدة، حيث لا يكفي التفوق العسكري لحسم الصراع.
ومن هنا، فإن صانع القرار المصري يعرف أن اليمن يمكن أن يكون سهل الدخول وصعب الخروج.
المشكلة في اليمن ليست فقط في إسقاط قوة عسكرية أو السيطرة على مدينة، وإنما في طبيعة المجتمع اليمني، وتعدد مراكز القوى، والجغرافيا الجبلية، والانقسامات القبلية والسياسية والمناطقية، وتداخل القوى الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن تحقيق نصر عسكري سريع لا يعني بالضرورة تحقيق استقرار سياسي مستدام.
لقد اختارت القاهرة المشاركة دون التورط ، هذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف أمامها.
مصر لم تقل للسعودية: لن نساندكم ، بل قالت عمليًا : نحن مع أمن الخليج، ومع أمن البحر الأحمر، ومع حماية باب المندب، لكن لكل دولة حساباتها وحدود مشاركتها .
وهذا ما يفسر مشاركة القوات الجوية والبحرية المصرية في العملية، مع تجنب إرسال قوات برية إلى الأراضي اليمنية. وقد أكدت الرئاسة المصرية في ذلك الوقت أن أمن الخليج يمثل جزءًا من الأمن القومي المصري، كما ربطت القاهرة مشاركتها بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
لقد كان الفرق هنا بين دعم الحليف وتحمل عبء الحرب نيابة عنه ، وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية.
السؤال الذي يفرض نفسة : لماذا كان الحذر المصري مفهومًا؟
لأن السؤال الاستراتيجي لم يكن: هل تستطيع السعودية والإمارات خوض الحرب؟ بل كان السؤال الأصعب :
كيف ستنتهي الحرب؟ ومن سيحكم اليمن بعد انتهاء العمليات العسكرية؟ وهل يمكن بناء دولة يمنية مستقرة بعد إضعاف الحوثيين؟ وماذا سيحدث إذا تحولت الحرب من مواجهة مع الحوثيين إلى صراع متعدد الأطراف بين الحوثيين والقوى الجنوبية والحكومة والقوى القبلية والإقليمية؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل الحروب في الدول ذات التركيبة المعقدة مختلفة عن الحروب التقليدية.
والأحداث اللاحقة أظهرت بالفعل أن الأزمة اليمنية لم تتحول إلى انتصار عسكري حاسم ينهي الصراع؛ بل استمرت الحرب سنوات، ثم جاءت هدنة 2022 التي جمدت خطوط القتال إلى حد كبير دون أن تحل جذور الأزمة. كما ظل الحوثيون يحتفظون بمناطق واسعة من شمال غرب اليمن، بما فيها صنعاء .
والمفارقة الأهم : أن الخلاف لم يعد فقط مع الحوثيين ، فالسنوات الأخيرة أظهرت أن تعقيدات الملف اليمني لم تقتصر على المواجهة بين السعودية والحوثيين.
فالسعودية والإمارات، اللتان دخلتا الحرب في إطار تحالف واحد عام 2015، أصبحت لهما لاحقًا حسابات ومصالح مختلفة داخل الساحة اليمنية، خصوصًا في الجنوب ، و أن التنافس السعودي الإماراتي داخل اليمن تصاعد بصورة واضحة، بعدما كان البلدان يعملان معًا في إطار التحالف نفسه. كما دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، في حين دعمت السعودية الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين، الأمر الذي أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة.
وهنا تتضح واحدة من أهم صعوبات التدخل الخارجي في اليمن :
قد تدخل الحرب بهدف مواجهة خصم واحد، ثم تجد نفسك أمام عدة خصوم ومصالح وتحالفات متغيرة.
اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيدًا ، فمع تصاعد التوتر مجددًا في اليمن خلال 2026، وعودة الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، وصولًا إلى تهديدات تطال البنية النفطية والملاحة، أصبحت كلفة الصراع أكثر وضوحًا .
ففي سبتمبر 2026، تعرضت منشآت ومدن في جنوب السعودية لهجمات حوثية أدت إلى إصابات وأضرار واضطرابات في بعض العمليات النفطية، فيما تصاعدت المخاوف بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
كما أن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا في سبتمبر 2026 ، أعادت تسليط الضوء على الخطر الاستراتيجي المتعلق بالساحل الغربي اليمني وباب المندب.
وبالتالي، فإن المشكلة التي بدأت باعتبارها عملية عسكرية لإعادة ترتيب ميزان القوى في اليمن تحولت إلى ملف إقليمي بالغ التعقيد، يمتد تأثيره إلى أمن السعودية، والإمارات، وإيران، والبحر الأحمر، والملاحة الدولية، وأسواق الطاقة.
من هنا لابد من الرجوع إلى الدرس المصري ، ورؤية وقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي ، الذي توقع ما حدث ، أو على الأقل اتسم القرار المصري منذ البداية ، بدرجة عالية من الحذر تجاه التورط البري المباشر، وهو حذر يمكن فهمه في ضوء الخبرة التاريخية المصرية في اليمن وطبيعة الجغرافيا والسياسة اليمنية.
وهذه ربما تكون أهم سمة في المدرسة المصرية في التعامل مع الأزمات الإقليمية:
التمييز بين حماية المصالح المصرية وبين التورط في حروب مفتوحة لا تملك مصر وحدها قرار إنهائها.
فمصر تستطيع أن تدعم حلفاءها، وتحمي أمن البحر الأحمر، وتشارك في تأمين باب المندب، وتساند استقرار الخليج، دون أن تجعل قواتها البرية طرفًا دائمًا في حرب أهلية معقدة.
وهذا ليس تراجعًا عن المسؤولية العربية، بل ربما هو شكل أكثر نضجًا من المسؤولية.
فالدولة صاحبة الخبرة لا تسأل فقط:
هل نستطيع أن ندخل الحرب؟ بل تسأل قبل ذلك : كيف سندخل؟ ومن سيدفع الثمن؟ وكيف سنخرج؟ ومن سيحكم بعد خروجنا؟
هذه الأسئلة تحديدًا هي التي جعلت الموقف المصري من اليمن مختلفًا منذ البداية.
لقد اختارت القاهرة أن تكون شريكًا في حماية مصالحها ومصالح حلفائها، لكنها تجنبت أن تتحول إلى طرف بري دائم في حرب يمنية مفتوحة.
وبعد أكثر من عقد على بداية الحرب، ومع عودة التوتر إلى اليمن وامتداد آثاره إلى الأراضي السعودية والملاحة والطاقة، تبدو قيمة هذا النوع من الحسابات الاستراتيجية الهادئة أكثر وضوحًا.
ففي السياسة الخارجية، ليست الحكمة دائمًا في معرفة متى تدخل الحرب ، أحيانًا تكون الحكمة الأكبر في معرفة إلى أي مدى تدخل… وأين يجب أن تتوقف
ليت دول الخليج تفهم وتعي قيمة وقوة وتاريخ مصر
لواء :خيرت شكري وكيل جهاز الأمن الوطني السابق






