المرسي :هل ترتد عقوبات الخزانة الأمريكية لإيران (الحصار الجوي) على مطارات المنطقة؟
قالت الباحثة والمتخصصة في الشأن الايراني الدكتورة شيماء المرسي أنه وفي وقت تتجه فيه المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة نحو اختتام أعمالها يوم الإثنين 28 سبتمبر 2026، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، واشنطن وطهران إلى العودة لمسار التفاوض في أقرب وقت ممكن لحل القضايا العالقة، إلا أن وسائل الإعلام الأمريكية التقطت تلك الدعوة، وروجت لأنباء حول إرسال، إيران لوفد من الخبراء الفنيين إلى نيويورك لبدء جولة مفاوضات جديدة وهي تسريبات استهدفت التأثير المباشر على حركة الأسواق وأسعار النفط، رغم نفي وكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري رسميا مساء الجمعة 25 سبتمبر.
ومع ذلك، قوبلت هذه الدعوات بانتقاد شديد لدى تيار الصقور في طهران، إذ أفردت صحيفة كيهان المتشددة والمقربة من مكتب المرشد عنوان صفحتها الأولى للتحذير من مسار التفاوض تحت عنوان: " مذاكره عمليات فريب است محاصره درياي وهوايي با قدرت شكسته مى شود/ المفاوضات مناورة تضليل، والحصار البحري والجوي سيتحطم بالردع"، حيث اتهمت الرئيس ترامب "المقامر" وفريقه بالعجز أمام صخرة المقاومة الإيرانية، معتبرة إياه في وضع حرج وعطش مفرط لتحقيق إنجاز ميداني قبل انتخابات التجديد النصفي، عبر تضليل إيران بشعار المفاوضات، بالتوازي مع التخطيط لفرض حصار جوي وترتيب مواجهة عسكرية لتغيير حسابات طهران.
وأضافت المرسي أنه وفي إشارة إلى احتمالية تجدد التصعيد، وسعي الولايات المتحدة لإدارة حرب هجينة، أحدث أبعادها هو الحصار الجوي المضاف إلى الحصار البحري، فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية حظرا على خطوط الطيران الإيرانية من خلال عقوبات جديدة طالت 27 شركة طيران إيرانية، محددة يوم 23 سبتمبر كموعد نهائي لمزودي الخدمات، بإبعادهم من نظام التعامل بالدولار، وذلك على الرغم من أن انخراط بعض دول المنطقة (مثل العراق، أذربيجان، جورجيا، الإمارات العربية المتحدة، عمان، قطر، وغيرها) في حملة الحصار امتثالا للتعليمات الأمريكية.
إلا أن تحذير أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، اللواء محسن رضائي، بأن العواصم المجاورة التي تحظر السفر على الطيران الإيراني، ستواجه المصير نفسه، ولن تتمكن مطاراتهم من التشغيل، وهي خطوة تصعيدية تماثل تكتيك منع دول الخليج من تصدير النفط، أكدها المساعد الخاص للمرشد الإيراني، محمد مخبر، بقوله: "الطيران في المنطقة إما أن يكون متاحا للجميع أو لا أحد، وبموقف رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء علي عبد اللهي، الذي شدد على أنه: "ما دامت مياهنا وأرضنا وسماؤنا مهددة، فلن ينعم أي بلد معتد ولا أي من داعميه بالأمن، وإذا لم تتمكن إيران من الطيران واستقبال خدمات المطار، فلن تتمكن أي دولة في المنطقة من القيام بذلك".
وقالت تكشف ردود الفعل الإيرانية متكاملة مع تصريحات الرئيس ترامب الصدامية الأخيرة، والتي تجسدت في نشره خريطة يعيد فيها تسميته مضيق هرمز إلى "مضيق ترامب" عبر منشور على منصة تروث سوشيال، عن انتقال الطرفين إلى مرحلة "إدارة التصعيد الحاسمة"، بما يعني أن إيران ستتحرك وفق عقيدة الردع الشامل المتماثل وغير المتماثل لمنع تحويل الحصار الجوي إلى واقع دائم عبر أربعة سيناريوهات:
1- سيناريو التعامل بالمثل وتطبيق العزلة الجوية الإقليمية
إذا انصاعت دول المنطقة لمتطلبات الحصار الجوي، كما يظهر في موقف العراق، أذربيجان، جورجيا، الإمارات العربية المتحدة، عمان، قطر، فمن المرجح أن تلجأ إيران إلى أداوت الحرب السيبرانية و"اختراق ونزع الملاحة الرقمية، أو إغلاق مجالها الجوي أمام حركة المرور الدولية العابرة، وهو ما يمثل التطبيق العملي لتهديد مخبر ورضائي، "الطيران في المنطقة إما للجميع أو لا أحد"، لأن تنفيذ هذا الإجراء سوف يجبر شركات الطيران العالمية على اتخاذ مسارات بديلة أطول وأعلى كلفة، وهي فرصة ستستغلها طهران لإجراء مناوشات وإرباك في إشارات الطيران فوق منطقة الخليج، بهدف رفع درجة المخاطر وكلفة التأمين لدى شركات الملاحة الجوية الدولية، وفرض صعوبات تشغيلية حادة على المطارات الإقليمية، وبذلك سنشهد تطبيقا جويا معاكسا لسيناريو هرمز، حينما نشرت إيران ألغاما بحرية لإعاقة الملاحة، ودفعت السفن إلى الالتزام بتعليمات البحرية الإيرانية.
وقد يقول قائل أن استهداف أو التشويش على الملاحة الجوية المدنية يعد خرقا صريحا لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني (ICAO) 19 إبريل 1950، وهو ما ستحاول واشنطن استغلاله كون إيران دولة عضوا ومصدقة على الاتفاقية، وهي بذلك قد تفعل المادة 84 و85 من الاتفاقية (الخاصة بنشوب النزاعات وتفسير المعاهدة) أمام مجلس منظمة (ICAO) والجمعية العامة، إلا أن إيران ستستغل المادة نفسها لاتهام واشنطن بخرق اتفاقية شيكاغو، بدعوى أن العقوبات الأمريكية والحظر الجوي يمنعان طهران من الحصول على قطع غيار الطائرات المدنية وتحديث أنظمة السلامة، وهو ما تعتبره طهران تشكيلا لخطورة على أرواح المدنيين. أي أننا ربما نكون بصدد استعارة لسيناريو مضيق هرمز واتفاقيات قانون البحار، ولكن بقالب معاكس يوظف فيه اتفاقية شيكاغو كساحة حرب قانونية هجينة.
2- سيناريو الردع العسكري وتعطيل المطارات
قد تتجه إيران نحو تنفيذ هجمات غير متناظرة سواء عبر استخدام الطائرات المسيرة أو بالتنسيق مع شبكة أذرعها الإقليمية، بهدف الاستهداف المباشر للبنية التحتية للمطارات الإقليمية التي تلتزم بالحظر الأمريكي، ومن شأن هذا الخيار العملياتي أن يؤدي إلى شلل تام وتعطيل كامل لقطاع الطيران المدني والتجاري على مستوى المنطقة بأكملها.
3- سيناريو ربط كسر الحصار الجوي بملف الملاحة البحرية في هرمز وباب المندب
يُحتمل أن تدمج طهران بين ملفيّ الحصار الجوي والحصار البحري في ملف تفاوضي واحد يدار بمبدأ التفاوض تحت النار، وذلك عبر فرض قيود أكثر شدة ومضايقات أمنية مكثفة على حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وسلاسل الإمداد العالمية في البحر الأحمر وباب المندب، وهي بذلك تهدف إلى الرفع المباشر لكلفة تدفق الطاقة والسلع الأساسية إلى الأسواق العالمية عبر تهديد خطوط إمداد LNG والغذاء، ردا على تقييد وحظر الحركة الجوية الإيرانية.
4- سيناريو الالتفاف التشغيلي الهجين
وأوضحت الخبيرة بالشأن الإيراني أنه ومن المتوقع أن يتجه الحرس الثوري نحو تحويل حركة الطيران، وتلقي الخدمات الملاحية والمطارية عبر دول لا تلتزم بالعقوبات الأمريكية المباشرة مثل الصين وروسيا وباكستان، مع الاعتماد على شركات طيران وسيطة وتسجيل الطائرات تحت مظلة شركات واجهة، وهى الآلية نفسها المتبعة للاتفاف على العقوبات المالية لنظام SWIFT عبر تقنيات BlockChain، وسيكفل هذا المسار استمرارية رحلات الترانزيت إلى بكين وموسكو، بالتوازي مع تفعيل الخطوط البرية لنقل البضائع والركاب عبر المنافذ الحدودية مع العراق وتركيا وأذربيجان لكسر العزلة، وهو إجراء من شأنه أن يشكل شرارة لإحياء وتنشيط مسارات "طريق الحرير" الصيني.
ومع ذلك، وبنظرة نقدية لتصريحات المسؤولين الإيرانيين بالتوازي مع أنماط التحركات الميدانية لطهران طوال الحرب، فمن المرجح ألا تقتصر الاستراتيجية الإيرانية على اعتماد مسار منفرد، بل ستلجأ إلى خيار هجين ومركب يزاوج بين السيناريوهات الأربعة في آن واحد، وفق هندسة زمنية وعملياتية متدرجة تدار مباشرة من داخل أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي (شعام).
يبدأ هذا المسار بتطبيق التشويش الملاحي والسيطرة السيبرانية وإغلاق المجال الجوي الإيراني (السيناريو الأول)، لرفع التكلفة التأمينية والتشغيلية على الفور أمام خطوط الطيران الإقليمية والدولية وإرباك حركة الترانزيت؛ لتنتقل بعدها إلى تفعيل الهجمات غير المتناظرة عبر الطائرات المسيرة وشبكة الحلفاء الإقليميين (السيناريو الثاني)، لاستهداف وتعطيل نقاط حيوية في مطارات الدول التي انصاعت لمتطلبات الحظر الاستباقي، ترسيخا لرسالة ميدانية مفادها أن حرمان طهران من الطيران يعادل الشلل التام لقطاع الطيران بالمنطقة برمتها.
وقد تمازج هذه الديناميكية (أي إيران) بربط ملف الحصار الجوي بأمن الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد في مضيق هرمز وباب المندب (السيناريو الثالث)، لتأطير الأزمة الراهنة باعتبارها أزمة طاقة وتجارة عالمية تضغط مباشرة على واشنطن والأسواق الغربية؛ بينما يفعل الحرس الثوري بالتوازي شبكات الترانزيت، والشركات الواجهة، والمسارات البرية عبر بكين وموسكو وإسلام آباد والمنافذ الإقليمية (السيناريو الرابع)، ضمانا لاستمرارية شريان الحياة الاقتصادي وتفاديا للوقوع في الفراغ أو الشلل التام.
خاتمة
جملة القول، إذا رضخت الدول الإقليمية والدولية لقرار الخزانة الأمريكية بفرض الحصار الجوي على إيران، فإن المنطقة والعالم يتجهان بخطى حثيثة نحو جولة تصعيد مرتقبة وشاملة، أو حرب هجينة واسعة النطاق عالية الشدة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، يتمثل في خيارين، إما كسر حالة الانقياد للقرارات الأمريكية غير المحسوبة، أو التكيف مع عقلية المواجهة الصارمة التي تحكم خيارات الحرس الثوري الدفاعية.
ولعل التوجيهات الأخيرة الصادرة عن الحكومة البريطانية، وربطها بمؤشرات المرحلة المرتقبة، تكتسب بعدا استراتيجيا يتطلب قراءة معمقة، خاصة وأن دعوتها المتكررة للأسر خلال شهري أغسطس وسبتمبر 2026 لتخزين الاحتياجات الأساسية من الغذاء، والمياه المعبأة، والبطاريات، والهواتف المشحونة، تحسبا لتعطل شبكات الكهرباء أو المياه والاتصالات، أو اضطراب سلاسل الإمداد العالمية بفعل الهجمات السيبرانية والأزمات الطارئة، تشير بوضوح إلى وجود تقييم أمني وعسكري عميق لدى دوائر صنع القرار في لندن لتداعيات التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران، وما قد ينجم عنه من ارتدادات مباشرة تطال أمن الغذاء والطاقة والتجارة الدولية برمتها.



-3.jpg)


