الأحد 27 سبتمبر 2026 | 11:18 ص

التطرف: هل تخلق تحولات المجتمع السوري بيئة محفزة للإرهاب؟

شارك الان

فتح صعود موجة الاعتداءات التي شهدتها عدة محافظات سورية خلال ٢٠٢٦ ملف اقتضى تحليل اتجاهات التطرف داخل سوريا، خاصة أن بعضها جاء في سياق احتجاجات طالبت بمحاسبة شخصيات ارتبطت بنظام بشار الأسد، ثم تحولت في بعض المناطق إلى اعتداءات مباشرة على أفراد خارج إطار القانون. رصدت بعض المنظمات الدولية وقائع شملت الاعتداء على أشخاص وتهديدهم والتحريض ضدهم على خلفية ارتباطهم المفترض بالنظام السابق، أخطر هذه الوقائع الاعتداء على رجل وسحله في شوارع كفر تخاريم بإدلب يونيو الماضي.
رغم أن الوقائع تبدو في ظاهرها جزءًا من حالة الانتقام التي أعقبت سقوط النظام، لكنها تكتسب دلالة أخطر عند وضعها في سياق سلسلة أوسع من الأحداث التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر ٢٠٢٤، بداية من عمليات قتل شخصيات محسوبة على النظام السابق، مرورًا بأحداث الساحل واستهداف مدنيين علويين، ثم مواجهات السويداء وما صاحبها من انتهاكات بحق الدروز والبدو، وصولًا إلى ظهور جماعات متشددة تتبنى خطابًا طائفيًا واستمرار تصاعد نشاط تنظيم داعش.
ويكشف جمع الوقائع داخل سياق واحد أن سوريا تواجه تحولًا يتجاوز استمرار العنف الذي خلفته سنوات الصراع، إلى تغير في طبيعة العنف والبيئة التي يتحرك داخلها، حيث أصبح العقاب خارج القانون يأخذ صورًا متعددة؛ مرة باعتباره انتقامًا من شخص ارتبط بالنظام السابق ومرة باعتباره عقابًا على الهوية، ومرة ثالثة في صورة ثأر متبادل بين جماعات محلية، بالتوازي مع عنف منظم تمارسه جماعات متطرفة وإرهابية.
ويعني تزامن هذه المسارات أن دراسة مستقبل الإرهاب في سوريا تحتاج إلى النظر إلى ما يحدث في المجتمع نفسه، باعتباره البيئة التي تستطيع التنظيمات المتطرفة التحرك داخل تناقضاتها، خاصة مع وجود سلطة جديدة خرجت قياداتها الأساسية من تجربة جهادية طويلة، ومجتمع عاش أكثر من عقد داخل بيئة أصبح فيها السلاح أحد أدوات حسم الخلافات وتحديد النفوذ والحماية.
ومن هنا يطرح التحليل عدة أسئلة: إلى أي مدى أدى صعود هيئة تحرير الشام إلى الحكم إلى إعادة تشكيل منطلقات العنف؟ وهل تعكس حالات العقاب الأهلي والانتقام المتبادل اتساع مساحة تبرير العنف؟ وكيف استثمر داعش هذا المناخ للتعبئة والتجنيد؟
 
ازدواجية التحول:
يصعب فهم التحولات الجارية في البيئة السورية بعيدًا عن طبيعة القوة التي تصدرت المشهد بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر ٢٠٢٤، فقد انتقلت هيئة تحرير الشام خلال سنوات قليلة من تنظيم خرج من رحم جبهة النصرة وارتبط في مرحلة من تاريخه بتنظيم القاعدة، إلي قوة تسيطر على إدلب وتدير مؤسساتها، ثم إلى مركز السلطة في دمشق. وهذا المسار يمنح الحالة السورية خصوصية، لأن التحول جرى في موقع الجماعة ووظيفتها بالتوازي مع عملية إعادة صياغة خطابها، فأصبح الفاعل الذي ارتبط لسنوات بالمجال الجهادي مطالبًا بإدارة مجتمع متعددة المكونات، وبناء مؤسسات والتعامل مع دول وقوى إقليمية ودولية تختلف قواعد العلاقة معها عن القواعد التي تحكم التنظيم المسلح.
وقد سجل Raphael Lefevre هذه الإشكالية في دراسته المنشورة ٢٠٢٦ تحت عنوان The Radicals Dilemma After Civil Wats: Evidence from Syria، عندما تحدث عن "معضلة الراديكاليين" التي تواجه هيئة تحرير الشام، حيث تتحرك القيادة تحت ضغط خارجي يدفعها إلى البرغماتية وإظهار القدرة على إدارة الدولة، وفي الوقت نفسه تواجه قواعد وتيارات أكثر تشددًا تشكلت داخل بيئة أيديولوجية مختلفة، وتنتظر أن تجد تصوراتها انعكاسًا داخل النظام الجديد. وتكشف هذه المعضلة عن مساحة يمكن أن تنتج مسارين متناقضين في الوقت نفسه، الأول يدفع قيادة الهيئة نحو مزيد من البرغماتية، والثاني يفتح الباب أمام المزايدة عليها من جانب جماعات ترى أن انتقالها إلى الحكم جاء على حساب جزء من مشروعها الجهادي.
ويمتد أثر هذا التحول إلى المجال المجتمعي، لأن انتقال قيادات خرجت من بيئة جهادية إلى مواقع رسمية يعيد بصورة تدريجية صياغة العلاقة بين مفاهيم القوة والشرعية والدولة. وتصبح قدرة السلطة على إخضاع السلاح والعقاب لقواعد المؤسسة اختبارًا أساسيًا لهذا التحول، خاصة أن استمرار الممارسات الانتقامية خارج القانون يمنح رسالة مختلفة، فالدولة الجديدة تطالب من جهة بالانتقال إلى المؤسسات، بينما تستمر من جهة أخرى بيئة تسمح لبعض الفاعلين باستخدام القوة لتسوية مظالم سياسية أو طائفية أو اجتماعية، وهو التناقض الذي يوفر أول مدخل لفهم المناخ المحفز للتطرف، ويحمس جماعات أخرى لمحاولة السيطرة.
وقد ظهر هذا التناقض عمليًا في أحداث الساحل السوري مارس ٢٠٢٥. تحولت العمليات الأمنية التي نفذتها قوات حكومية وفصائل مرتبطة بها ومسلحون متطوعون إلى انتهاكات واسعة طالت مدنيين علويين، شملت عمليات قتل خارج القانون وخطابًا ذا طابع طائفي. ووثقت تقارير لاحقة أن العملية جرت في إطار تحرك عسكري منسق تقوده وزارة الدفاع، بينما أشارت تقديرات أممية إلى مقتل أكثر من ١٤٠٠ شخص، غالبيتهم من المدنيين العلويين. وهنا يظهر الخطر بصورة أكثر واقعية؛ فإعادة تسمية الفصائل ودمجها في وزارات ومؤسسات لا تعني بالضرورة تحولها الفوري إلى قوات دولة، خاصة أن عدد من التشكيلات أدمج مع احتفاظه ببنيته وقياداته السابقة، وظل قادة سابقون في هيئة تحرير الشام يشغلون نسبة معتبرة من مواقع القيادة العسكرية.
من ثم؛ لا تكمن الإشكالية في مدى قدرة السلطة الجديدة على إنشاء مؤسسات رسمية بقدر ما تكمن في أن الانتقال إلى موقع الدولة فرض على قيادات خرجت من بيئة جهادية متشددة أدوارًا وقواعد لم تكن نتاج تحول فكري حقيقي. فأصالة المكون الأيديولوجي داخل هذه القيادات تجعل البرغماتية التي تفرضها ضرورات الحكم غير كافية، لإحداث قطيعة مع التصورات التي تشكلت عبر سنوات من العمل المسلح.
 
تصنيع الطائفية:
تظهر آلية الانتقال من الجريمة الفردية إلى العنف الهوياتي بصورة شديدة الوضوح في واقعة زيدل بريف حمص خلال نوفمبر ٢٠٢٥، عندما أدى مقتل زوجين من عشيرة بني خالد على يد مجهولين، وأدى ظهور شعارات طائفية في مكان الجريمة إلى انتشار رواية حملت الواقعة معنى طائفيًا، أعقبتها هجمات انتقامية استهدفت أحياء ذات غالبية علوية شملت إطلاق النار وإحراق وتخريب ممتلكات.
وتكشف هذه الواقعة عن مسار يمكن أن يتكرر في البيئات المنقسمة؛ تبدأ العملية باعتداء ينطلق من عقيدة متطرفة، تجعل من اختلاف الهوية أو الانتماء سببًا للاستهداف، فتقع الجريمة على ضحايا بسبب هويتهم، ثم يجري توظيفها ضمن سردية جماعية أوسع، تنتقل فيها المسؤولية من الفاعل إلى الجماعة التي ينتمي إليها، ليتحول الانتقام من ملاحقة المسؤول عن الجريمة إلى استهداف أفراد تجمعهم به الهوية أو الانتماء نفسه، بما يوسع دائرة العداء ويهيئ لبيئة تسمح للجماعات المتطرفة بإعادة إنتاج خطابها وتعبئة أنصارها على أساس طائفي.
من جانب أخر؛ استثمرت الجماعات المتطرفة في سوريا ثغرة تتعلق بملف العدالة الانتقالية، فمع بدء ملاحقة ومحاسبة عدد من المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال عهد النظام السابق، في الوقت الذي شهدت فيه مناطق الساحل السوري أعمال عنف وانتهاكات طالت مدنيين من الطائفة العلوية. فقد أوجد تزامن المسارين روايتين متعارضتين داخل مجتمع لاتزال فيه ذاكرة الحرب والانقسام الطائفي حاضرة؛ رواية ترى في المحاسبة استعادة لحقوق ضحايا النظام السابق، وأخرى تخشى أن تتحول المحاسبة والانتهاكات الجارية إلى استهداف جماعي على أساس الانتماء.
من هذا المنطلق؛ تظهر الصلة المباشرة بالتطرف، فالجماعات المتطرفة تستطيع التقاط مثل هذه الوقائع وإعادة تركيبها داخل خطابها. وتكشف أحداث الساحل تحديدًا خطورة هذه الآلية، لأن الاعتداءات التي طالت مدنيين علويين أمكن استدعاؤها داخل خطاب يقوم على الخوف من الانتقام الجماعي، مثلما ظلت انتهاكات النظام السابق حاضرة في ذاكرة قطاعات واسعة من السوريين. فوجود المظلوميتين في المجال العام في الوقت نفسه يتيح للخطابات المتطرفة على الجانبين انتقاء ما يخدم روايتها، وتقديم العنف باعتباره ردًا على ظلم سابق أو حماية من ظلم قادم.
 
جيل السلاح: 
تظهر خطورة استمرار تواجد الجماعات المتطرفة في سوريا عند النظر إلى جيل الشباب الذي نشأ خلال سنوات الحرب. فالدراسة التي نشرتها جامعة Tufts في يوليو ٢٠٢٦، وتابعت مجموعة من الشباب بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥، تكشف أن سنوات الصراع لم تترك أثرها في الأمن فقط، وإنما أثرت أيضًا في نظرة الشباب إلى السلطة والحماية والانتماء. فبالنسبة إلى قطاعات منهم لم يكن السلاح حالة استثنائية، بل جزءًا من الواقع الذي تشكلت داخله علاقتهم بالدولة والمجتمع.
وتكمن الخطورة في أن استمرار هذا الواقع بعد انتهاء الصراع رسخ لدى بعض الشباب مفاهيم متطرفة، ترى أن القوة المسلحة يمكن أن تكون طريقًا للحصول على الحق أو توفير الحماية أو فرض النفوذ. ومع ضعف حضور مؤسسات الدولة، تصبح الجماعات المسلحة بديلًا قادرًا على توفير ما يفترض أن توفره المؤسسة الرسمية، وهو ما يمنح الجماعات المتطرفة مساحة لاستقطاب الشباب، خاصة عندما تربط حمل السلاح بالدفاع عن الهوية أو الجماعة.
من جانب أخر؛ تفتح التحولات التي شهدتها هيئة تحرير الشام بعد انتقالها إلى الحكم مساحة أخرى يمكن أن يستثمرها تنظيم داعش. فانتقال الهيئة من العمل المسلح إلى إدارة الدولة، واتجاه قيادتها إلى التعامل مع القوى الإقليمية والدولية، يمنح داعش فرصة لمخاطبة العناصر الأكثر تشددًا التي ترى في هذه التحولات تراجعًا عن النهج الجهادي الذي قامت عليه الهيئة. ويحاول داعش استثمار هذا التحول بتقديم نفسه باعتباره التنظيم الذي لم يغير مواقفه أو يدخل في تسويات سياسية، مستهدفًا العناصر الرافضة لمسار هيئة تحرير الشام، سواء داخلها أو في محيطها الجهادي.
هنا يصبح انتقال الهيئة إلى الحكم عاملًا يمكن أن يعيد ترتيب خريطة التطرف في سوريا، عبر دفع بعض العناصر الأكثر تشددًا إلى البحث عن تنظيم آخر يعبر عن رؤيتها. وبذلك لا تنحصر خطورة داعش في قدرته التنظيمية والعسكرية، وإنما تمتد إلى قدرته على استثمار الانقسامات داخل البيئة الجهادية نفسها، وتحويل رفض بعض العناصر لتحولات هيئة تحرير الشام إلى فرصة للاستقطاب والتجنيد وإعادة بناء شبكاته.
 
دلالات المشهد:
تكشف قراءة المشهد السوري عن تداخل ثلاث مسارات من التطرف، تختلف في دوافعها وأشكالها، لكنها قد تلتقي في نتائجها. فهناك تطرف اجتماعي يظهر في أعمال الانتقام والعقاب خارج إطار القانون، وتطرف مسلح تغذيه الانقسامات المحلية والهوياتية، إلى جانب تطرف جهادي منظم يسعى تنظيم داعش إلى إعادة تنشيطه واستثماره. ولا يعني ذلك أن هذه المسارات تتحرك ضمن إطار واحد، وإنما تكمن الخطورة في أن استمرار كل منها يوفر بيئة تساعد المسارات الأخرى على التوسع.
وتتمثل الدلالة الأولى في أن العنف خارج القانون لا ينتهي عند حدود الواقعة نفسها. فعندما يتعرض شخص أو جماعة للاعتداء بسبب هويته أو انتمائه، ثم لا يجد المتضرر حماية قانونية كافية أو محاسبة واضحة للمعتدي، تتحول الواقعة إلى مصدر لشعور أوسع بالمظلومية. فتتراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ويتزايد الاعتماد على الجماعة أو الطائفة باعتبارها مصدر الحماية البديل.
وتظهر الدلالة الثانية في أن الهوية تصبح أداة لتوسيع دائرة الصراع. فالاعتداء الذي يبدأ بدافع متطرف ضد شخص بسبب انتمائه قد يدفع الطرف المستهدف إلى النظر إلى ما جرى باعتباره اعتداء على جماعته بأكملها، وليس واقعة فردية فقط. وهنا تتسع دائرة الخصومة، وتظهر ردود فعل جماعية، وقد تنتقل المواجهة من خلاف محدود إلى استقطاب بين مكونات اجتماعية أو طائفية، بما يوفر للجماعات المسلحة فرصة لتقديم نفسها باعتبارها مدافعًا عن هذه المكونات.
أما الدلالة الثالثة فتتعلق بقدرة التنظيمات الجهادية، وفي مقدمتها داعش، على استثمار المظالم القائمة دون أن تكون هي التي صنعتها في البداية. فالتنظيم ينمو على بيئة يستطيع من خلالها إقناع الأفراد بأنهم مستهدفون، وأن الدولة غير قادرة على حمايتهم، وأن القوة هي الوسيلة الوحيدة للدفاع عن أنفسهم.

استطلاع راى

من وجهة نظرك.. هل فصل الطالب سنة كاملة بسبب تصوير المعلم قرار مناسب؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6274 جنيه مصري
سعر الدولار 51.70 جنيه مصري
سعر الريال 13.77 جنيه مصري
Slider Image