الفريق أول فؤاد ذكرى قائد القوات البحرية خلال حرب أكتوبر.. الرجل الذي حاصر إسرائيل وأغلق باب المندب في وجه العدو
تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء القوة المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت للجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم الفريق أول فؤاد ذكري، قائد القوات البحرية خلال حرب أكتوبر.
البحرية المصرية في حرب أكتوبر
لعبت القوات البحرية المصرية دورا محوريا في تحقيق نصر أكتوبر المجيد، بعدما اضطلعت خلال الحرب بمهام متعددة، كان في مقدمتها معاونة أعمال قتال الجيوش الميدانية في سيناء، سواء بالنيران أو بتأمين جانب القوات البرية المتقدمة بمحاذاة الساحل.
وفي قلب هذه المعركة البحرية برز أحد أبرز قادة القوات المسلحة المصرية، الفريق أول فؤاد ذكري، قائد القوات البحرية خلال حرب أكتوبر 1973، الذي تولى قيادة البحرية في مرحلة فارقة من تاريخها، وأسهم في إعادة بنائها وتطوير قدراتها، وصولًا إلى تنفيذ مهام قتالية كان لها أثر مباشر في حصار العدو وتعطيل خطوط إمداده البحرية.
نشأته
ولد الفريق أول فؤاد ذكري في السابع عشر من نوفمبر عام 1923، والتحق بالكلية الحربية، وتخرج فيها عام 1946 برتبة ملازم بحري، ثم عمل في الوحدات البحرية المختلفة، وخاض عددا من الحروب والمعارك التي شكلت خبرته العسكرية، فشارك في حرب فلسطين عام 1948، والعدوان الثلاثي عام 1956، وحرب يونيو عام 1967، وصولا إلى حرب أكتوبر عام 1973.
تدرجه الوظيفي وإعادة بناء القوات البحرية
ومنذ عام 1959 وحتى عام 1963، تولى الفريق أول فؤاد ذكري قيادة لواء المدمرات، ثم تولى رئاسة شعبة العمليات الحربية، وبعد أسبوع من حرب يونيو عام 1967، عين قائدا للقوات البحرية.
ومنذ توليه قيادة البحرية، بدأ مرحلة جديدة لإعادة بناء القوات البحرية المصرية، ووضع خططا أسهمت في تطوير قدراتها ورفع كفاءتها القتالية، لتخوض بعد ذلك واحدة من أبرز مراحل تاريخها العسكري خلال معارك حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973.
استهداف البحرية الإسرائيلية
وفي إطار إعادة بناء القدرة القتالية للقوات البحرية، خطط الفريق أول فؤاد ذكري لعملية استهداف المدمرة الإسرائيلية إيلات، وأصدر توجيهاته بتنفيذ العملية في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1967.
وشكلت العملية نقطة فارقة في تاريخ الحرب البحرية، إذ استخدمت لنشات الصواريخ لأول مرة في تاريخ البحرية على مستوى العالم لضرب مدمرة، وتمكنت القوات البحرية المصرية من إصابة المدمرة الإسرائيلية وإغراقها، لتتخذ القوات البحرية المصرية من يوم الحادي والعشرين من أكتوبر عيدا لها.
إبرار بحري وإغلاق مضيق باب المندب
وخلال توليه قيادة القوات البحرية في حرب أكتوبر، اضطلعت القوات البحرية المصرية بدور رئيسي في دعم أعمال القتال بمختلف أفرع القوات المسلحة، ونفذت عمليات إبرار بحري لعناصر من القوات الخاصة على الساحل الشمالي لسيناء، بالتوازي مع تنفيذ مهام السيطرة على خطوط المواصلات البحرية للعدو.
كما فرضت القوات البحرية المصرية سيطرتها على مضيق باب المندب، وباشرت حق الزيارة والتفتيش واعتراض السفن التجارية، ومنعتها من الوصول إلى ميناء إيلات الإسرائيلي، الأمر الذي أفقد الميناء قيمته التشغيلية وعطله عن العمل، وحرم إسرائيل من جانب مهم من إمداداتها القادمة عبر البحر الأحمر.
ولم يقتصر الدور البحري المصري على البحر الأحمر، إذ نفذت القوات البحرية كذلك مهام التعرض لخطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية في البحرين المتوسط والأحمر بكفاءة تامة، وعلى أعماق بعيدة، وهو ما أدى إلى تحقيق آثار عسكرية واقتصادية ومعنوية على إسرائيل وقواتها المسلحة.
وفي السياق ذاته، نفذت القوات البحرية المصرية، بقيادة الفريق أول فؤاد ذكري، إغارات بالنيران على الموانئ والمراسي والأهداف الساحلية في إسرائيل، من خلال توجيه ضربات بالصواريخ والمدفعية، وبأسلوب متطور اعتمد على خفة الحركة وسرعة المناورة، مع توفير قوة نيران عالية.
كما تولت القوات البحرية تأمين النطاق التعبوي للقواعد البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وهو ما كان له أثر فاعل في إحباط محاولات العدو للتدخل ضد القوات البحرية المصرية العاملة على المحاور الساحلية، فضلا عن تأمين استمرار خطوط المواصلات البحرية من وإلى الموانئ المصرية دون تأثير طوال فترة العمليات.
الانتشار البحري وحصار خطوط إمداد العدو
واعتبارا من السابع والعشرين من سبتمبر عام 1973، بدأت خمسون قطعة بحرية مصرية الانتشار في مياه البحرين المتوسط والأحمر، كما وصلت مجموعة بحرية مكونة من المدمرات والفرقاطات والغواصات إلى مضيق باب المندب، بحجة مساندة جنوب اليمن.
ومع بدء العمليات في السادس من أكتوبر، أعلن البحر الأحمر عند خط عرض 21 شمالا منطقة عمليات، لتبدأ القوات البحرية المصرية تنفيذ واحدة من أهم مهامها في الحرب، والمتمثلة في إحكام السيطرة على حركة الملاحة البحرية في المنطقة.
وتمكنت القوات البحرية المصرية، بقيادة الفريق أول فؤاد ذكري، خلال الفترة من السادس من أكتوبر وحتى الحادي والعشرين من أكتوبر 1973، من اعتراض نحو 200 سفينة محايدة ومعادية.
وفي إحدى هذه العمليات، لم تمتثل ناقلة بترول إسرائيلية لتعليمات القوات البحرية المصرية بالابتعاد عن الخط الشمالي المار بين مدينة جدة السعودية وبورتسودان السودانية، باعتبارها منطقة عمليات، فقامت الغواصات المصرية باعتراضها وإغراقها بالطوربيدات، لتتوقف الملاحة نهائيا في البحر الأحمر اعتبارا من السابع من أكتوبر.
استهداف المنشآت الاستراتيجية للعدو الإسرائيلي
وفي إطار إحكام الحصار البحري، قامت وحدات بث الألغام التابعة للقوات البحرية المصرية بإغلاق مدخل خليج السويس، كما نفذت الضفادع البشرية عمليات ضد منطقة بلاعيم، تمكنت خلالها من تدمير حفار ضخم، فيما تعرضت منطقة رأس سدر على خليج السويس للقصف بالصواريخ.
وأدت هذه العمليات إلى إصابة عمليات شحن البترول من خليج السويس إلى ميناء إيلات بالشلل التام، في إطار هدف استراتيجي واضح للقوات البحرية المصرية، تمثل في حرمان إسرائيل وقواتها المسلحة من البترول المستخرج من الآبار المصرية في خليج السويس، وكذلك البترول المستورد عبر خطوط الملاحة البحرية.
وهكذا نجحت القوات البحرية المصرية في فرض سيطرتها على مسرح العمليات البحرية الممتد على السواحل المصرية وسواحل فلسطين المحتلة وسيناء، وتأمين أجناب الجيش المصري الذي خاض معركة التحرير في سيناء، بالتزامن مع قطع شرايين الإمداد البحري للعدو، لتصبح القوة البحرية المصرية أحد الأذرع الرئيسية التي أسهمت في إحكام الحصار على إسرائيل ودعم مسار العمليات خلال حرب أكتوبر 1973.

.jpg)
-1.jpg)



