اللواء أحمد حمدي.. مهندس العبور وبطل الكباري في حرب أكتوبر
تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء قواتها المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت إلى الجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
وفي قلب هذه الملحمة، برزت أسماء عدد من القادة الذين أسهموا في الإعداد للمعركة وإدارتها، وكان من بينهم اللواء أحمد حمدي.
ولد اللواء أحمد حمدي في 20 مايو عام 1929 بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1951، قسم الميكانيكا، ثم حصل على دبلوم الدراسات الميكانيكية من الجامعة عام 1957، ليجمع بين التأهيل الهندسي والتكوين العسكري الذي أهله لاحقا لتولي مهام بالغة الأهمية في مجال العبور والعمليات الهندسية.
التحق اللواء أحمد حمدي بالخدمة في القوات الجوية في 18 أغسطس 1951، ثم انتقل إلى سلاح المهندسين عام 1954، وواصل تأهيله العسكري والعلمي، فحصل عام 1961 على دورة القادة والأركان من أكاديمية فرونز العسكرية بالاتحاد السوفيتي بتقدير امتياز.
كما حصل على دورة الأركان الكاملة بدرجة الامتياز، والدورة الاستراتيجية التعبوية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا بدرجة امتياز، وتدرج في الرتب والمناصب العسكرية حتى أصبح واحدا من أبرز قيادات سلاح المهندسين بالقوات المسلحة المصرية.
شارك الشهيد اللواء أحمد حمدي في عدد من الحروب التي خاضتها مصر، من بينها العدوان الثلاثي عام 1956 وحرب الاستنزاف، كما كان له دور بارز خلال حرب يونيو 1967، حيث أسهم في حرمان العدو من السيطرة على مستودعات القوات المسلحة في سيناء، وحرمانه من الاستفادة من خطوط المياه.
غير أن الدور الأبرز في مسيرته العسكرية تجسد خلال حرب السادس من أكتوبر عام 1973، حين ارتبط اسمه بأحد أهم عناصر نجاح عملية العبور، وهو تأمين الكباري والمعابر التي نقلت القوات والمعدات والأسلحة الثقيلة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
في عام 1971، كلف اللواء أحمد حمدي بإعداد لواء كباري جديد متكامل، وتشكيل وحداته وتدريبها لتأمين عبور الجيش الثالث الميداني، إلى جانب استكمال معدات وبراطيم العبور وتجهيز مناطق تمركزها على امتداد قناة السويس.
ولم تتوقف جهوده عند تجهيز المعدات، بل عمل على تطوير أسلوب إنشاء الكباري، فجرى تحويل ساحات ومناطق إسقاط مهمات العبور، التي كان يستغرق إنشاؤها يوما كاملا، إلى كباري اقتحام يمكن بناؤها خلال بضع ساعات، بما يتناسب مع متطلبات عملية العبور وسرعتها.
مع الساعات الأولى لحرب أكتوبر، عبر الآلاف من رجال سلاح المهندسين إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، وشاركوا في فتح الثغرات بالساتر الترابي لخط بارليف، فيما كان الشهيد اللواء أحمد حمدي في مقدمة هذه القوات، مشرفا على عمليات إنشاء الكباري والمعابر.
وكان يتنقل من معبر إلى آخر للاطمئنان على سير العمل وانتظام تشغيل الكباري والمعديات، التي استغرق إنشاؤها وتجهيزها من 6 إلى 9 ساعات، وفقا لما كان مخططا له.
ورغم محاولات العدو الإسرائيلي عرقلة عمليات الإنشاء والتشغيل، من خلال القصف المستمر جوا وأرضا لمناطق تمركز الوحدات وطرق تحركاتها، نجحت القوات الهندسية في تنفيذ مهامها، وعبرت القوات في التوقيتات المخططة، بما أتاح استمرار تدفق القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية للقناة.
أشرف اللواء أحمد حمدي على إنشاء 20 كوبري للعبور، بين كباري ثقيلة وكباري للمشاة، إلى جانب عدد كبير من المعديات، وهو ما أتاح لمعدات الجيش وأسلحته الثقيلة عبور قناة السويس والوصول إلى الضفة الشرقية في التوقيت المناسب.
وبذلك لم يكن دوره مقتصرا على الإشراف الهندسي، وإنما ارتبط بصورة مباشرة بأحد المفاتيح الرئيسية التي ساعدت القوات المسلحة على تنفيذ عملية العبور، ونقل القوات والأسلحة والمعدات إلى سيناء تحت نيران العدو.
وفي 14 أكتوبر 1973، وبينما كان اللواء أحمد حمدي يشارك في إعادة إنشاء أحد الكباري اللازمة لاستمرار عمليات العبور، أصيب بشظايا، ليستشهد وسط جنوده، بعد أن ظل في قلب المعركة يؤدي مهمته حتى اللحظة الأخيرة.
وهكذا ارتبطت نهاية مسيرته العسكرية بالمهمة التي حملها منذ بداية الحرب؛ تأمين العبور، وتثبيت الكباري والمعابر، وضمان استمرار تدفق القوات إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
خلدت الدولة والقوات المسلحة اسم الشهيد اللواء أحمد حمدي، فأُطلق اسمه على أول نفق أنشئ في مصر لربط سيناء بمحافظة السويس، كما أطلق اسمه على مدرسة في مسقط رأسه بمدينة المنصورة، وعلى أحد شوارع مدينة العاشر من رمضان، وأحد شوارع مدينة السويس الباسلة، كما اعتبرت نقابة المهندسين يوم استشهاده يوما للمهندسين، تقديرا لدوره وتضحياته.
وأطلقت القيادة العليا للقوات المسلحة اسم الشهيد على أول دفعة تخرجت في الكلية الحربية بعد معارك أكتوبر 1973، كما أهدي سيف الشرف العسكري إلى أسرة الشهيد، ومنحت سيرته العسكرية نجمة سيناء من الطبقة الأولى، تقديرا لبطولاته وعظمة تضحياته.


.jpg)
-1.jpg)


