53 عامًا بعد العبور.. ماذا ترك لنا أكتوبر؟
في كل عام، يأتي السادس من أكتوبر محمّلًا بذاكرة لا تشبه غيرها. نسمع عن العبور، ونستعيد صور الجنود، ونذكر الشهداء، ونردد أن النصر كان ثمرة للإرادة والتخطيط والتضحية.
لكن بعد 53 عامًا من نصر أكتوبر، ربما يستحق هذا اليوم أن نتوقف أمامه قليلًا، لا لنسأل فقط: كيف انتصرنا؟ وإنما لنسأل أيضًا: ماذا ترك لنا هذا النصر؟
يوم تغيّرت فيه صورة المستحيل
في السادس من أكتوبر 1973، عبرت القوات المصرية قناة السويس، بعد سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط.
لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية؛ كان استعادة لثقة وطن في قدرته على تغيير واقع فرضته هزيمة سابقة.
وخلف المشهد الذي نراه اليوم في الصور، كانت هناك وجوه لا نعرف أسماء معظمها: جندي يحمل سلاحه، أسرة تنتظر، أم تدعو، وشاب يعرف أن الطريق الذي اختاره قد لا يعيده إلى بيته.
لهذا لم يكن النصر وليد لحظة واحدة.
النصر بدأ قبل السادس من أكتوبر بسنوات، حين تحولت الإرادة إلى عمل، والخوف إلى استعداد، والأمل إلى خطة.
53 عامًا.. وتختلف المعارك
اليوم، لا نعيش ظروف عام 1973، ولا نواجه التحديات نفسها.
لكن روح أكتوبر ما زالت قادرة على أن تعلمنا شيئًا مهمًا: أن الأوطان لا تتقدم بالأمنيات، وأن مواجهة التحديات تحتاج إلى رؤية وصبر وعمل طويل.
فإذا كان جيل أكتوبر قد واجه معركة استعادة الأرض، فإن أجيال اليوم تواجه معارك أخرى: التنمية، والاقتصاد، والعلم، والتكنولوجيا، وبناء الإنسان، والحفاظ على أمن الوطن واستقراره وسط عالم شديد التغير.
قد تختلف الأدوات، لكن القاعدة واحدة:
أن نعرف حجم التحدي، ونستعد له، ولا نستسلم لفكرة أن الواقع لا يمكن تغييره.
القوة ليست في السلاح وحده
من أهم ما يعلّمنا إياه أكتوبر أن قوة الدولة لا تختزل في قوتها العسكرية فقط.
الدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات قادرة، وقرارًا وطنيًا، ومجتمعًا متماسكًا، واقتصادًا يسعى إلى النمو، وإنسانًا يؤمن بأن له دورًا في مستقبل بلاده.
والقوة الحقيقية أيضًا هي أن تحمي الدولة حقوقها ومصالحها، وفي الوقت نفسه تعرف متى يكون السلام هو الطريق الأفضل.
وهذا ما يجعل تجربة أكتوبر أكبر من مجرد ذكرى عسكرية؛ فقد فتحت الحرب الطريق أمام مسار سياسي ودبلوماسي طويل، وأثبتت أن امتلاك القوة لا يتعارض مع السعي إلى السلام.
الشهداء.. الجزء الذي لا يجب أن ننساه
وسط الاحتفال، يجب ألا ننسى أن النصر له ثمن.
وراء كل صورة لجندي مبتسم، هناك احتمال لفقدان، ووراء كل أسرة احتفلت بالنصر، كانت هناك أسر أخرى استقبلت أبناءها مصابين أو لم تستقبلهم على الإطلاق.
لهذا فإن الحديث عن أكتوبر لا يكتمل دون الحديث عن الشهداء والمصابين وأسرهم.
هم لم يتركوا لنا ذكرى فقط، بل تركوا لنا مسؤولية: أن نحافظ على الوطن الذي دافعوا عنه، وأن نفهم أن الانتماء ليس كلمات نرددها في المناسبات، وإنما سلوك نمارسه كل يوم.
ماذا بقي من أكتوبر بعد 53 عامًا؟
ربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل ما زلنا نمتلك روح أكتوبر؟
روح أكتوبر ليست في الأغاني والصور وحدها.
هي في أن يعمل الإنسان بإخلاص حين لا يراقبه أحد.
في أن يتحمل المجتمع الصعوبات وهو يعرف أن الإصلاح يحتاج إلى وقت.
في أن نختلف دون أن نفقد إحساسنا بأننا جميعًا ننتمي إلى وطن واحد.
وفي أن نؤمن بأن المستقبل لا يُمنح لنا، وإنما نصنعه خطوة بعد أخرى.
بعد 53 عامًا، لا ينبغي أن يكون أكتوبر مجرد يوم نتذكر فيه الماضي.
بل فرصة لنسأل أنفسنا: إذا كان جيل الأمس استطاع أن يعبر قناة السويس، فما الذي يمكن لجيل اليوم أن يعبره؟
يمكننا أن نعبر تحديات الاقتصاد بالعمل، وتحديات العلم بالمعرفة، وتحديات المستقبل بالاستعداد، وتحديات المنطقة بالوعي والحكمة والتمسك بمصالح وطننا.
رحم الله شهداء مصر، وحفظ جيشها وشعبها، وحفظ هذا الوطن الذي علّمنا أكتوبر أن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن المستحيل قد يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة ويصبح العمل طريقًا إليها.
بعد 53 عامًا، ما زال أكتوبر يقول لنا شيئًا بسيطًا وعميقًا: مصر تستطيع العبور.. إذا امتلكت إرادتها وعملت من أجل مستقبلها.






