د. نصرعلام يكتب: سد النهضة ومناورات ترامب
بقلم الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والري الأسبق
يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إثيوبيا وسد النهضة والتمويل الأمريكي له، وعن تأثيره الضار بالأمن المائي المصري والسوداني، ثم يزعم أنه نجح في حل هذه الأزمة! فهل هذا صحيح؟ وما هو هذا الحل؟!
الإجابة معروفة، فلا يوجد حتى الآن اتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق مصر والسودان المائية، وينظم قواعد ملء وتشغيل السد، ويحدد آليات التعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد. والأكثر إثارة للقلق أن الحديث لا يتوقف عند سد النهضة، بل يمتد إلى التلويح بإقامة سدود جديدة على النيل الأزرق، بما يفتح الباب أمام مزيد من المخاطر والتحديات التي تواجه الأمن المائي المصري والسوداني.
والغريب أن الولايات المتحدة كانت قد شهدت، منذ ستينيات القرن الماضي، دراسات وخططًا لإنشاء مجموعة من السدود على النيل الأزرق داخل الأراضي الإثيوبية، في فترة اتسمت بالصراع السياسي والاستراتيجي في المنطقة، بالتزامن مع تنفيذ مشروع السد العالي في مصر. وهي خلفية تاريخية تستحق التأمل في ضوء ما نشهده اليوم من تطورات متلاحقة في ملف المياه.
فإذا كانت الولايات المتحدة تدرك خطورة سد النهضة وتداعياته المحتملة على مصر والسودان، فما الذي فعلته فعليًا لحل الأزمة؟ وهل تحركت بما يكفي لضمان التوصل إلى اتفاق ملزم يحمي حقوق دولتي المصب؟ أم أن الأمر لا يتجاوز التصريحات السياسية التي لا تغير شيئًا من الواقع على الأرض؟
والأكثر إثارة للتساؤل هو الحديث عن التمويل الأمريكي للسد، في الوقت الذي تتواصل فيه المخاوف من تداعياته على الأمن المائي المصري. فكيف يمكن الجمع بين الإقرار بخطورة المشروع، والحديث عن أضرار تمس مصالح مصر والسودان، وبين مواقف وسياسات لا تؤدي إلى تسوية حقيقية للأزمة؟
إن قضية سد النهضة ليست مجرد خلاف فني حول مشروع مائي، بل هي قضية أمن قومي ترتبط بحياة ملايين المواطنين، وبحق مصر والسودان في مياه النيل، وبضرورة الالتزام بمبادئ القانون الدولي التي تنظم استخدام الأنهار المشتركة، وتفرض التعاون بين الدول المعنية، وتجنب إحداث ضرر ذي شأن بمصالح الدول الأخرى.
ولكن، هل تتوقف أبعاد الأزمة عند إثيوبيا وسد النهضة؟ بالطبع لا!
هناك تطورات متسارعة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تستدعي الانتباه، في ظل التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ والسيطرة على المواقع الاستراتيجية وخطوط الملاحة البحرية.
وهنا يبرز التساؤل عن الدور الإسرائيلي في إثيوبيا، وطبيعة التعاون بين الجانبين، وما يُثار بشأن أوجه الدعم الأمني والعسكري، ومدى ارتباط هذه التحركات بالمصالح الإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي.
كما لا يمكن إغفال التطورات المرتبطة بصوماليلاند، وما أثارته مسألة الاعتراف الإسرائيلي بها من تساؤلات حول مستقبل التوازنات الإقليمية، فضلًا عن المساعي الدؤوبه لإثيوبيا لاقامة قاعدة عسكرية بحرية"
وما قد يترتب عليها من تداعيات على أمن البحر الأحمر ومصالح دول المنطقة.
وماذا عن مضيق باب المندب؟ هذا المضيق الاستراتيجي الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تتقاطع عنده المصالح الإقليمية والدولية، وتزداد أهميته بالنسبة إلى مصر نظرًا لارتباطه بأمن الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس.
إن التحركات في هذه المنطقة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بعضها البعض، بل ينبغي دراستها في إطار أوسع يشمل الأمن المائي والأمن البحري والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي. فالمياه والموانئ والقواعد العسكرية وخطوط الملاحة عناصر تتداخل في تشكيل موازين القوى الإقليمية.
والسؤال هنا: أين موقف الولايات المتحدة من كل هذه التطورات؟!
إذا كان الرئيس الأمريكي يتحدث عن رغبته في حل أزمة سد النهضة، فإن المطلوب ليس مجرد تصريحات إعلامية أو إعلان مواقف سياسية، وإنما تحرك جاد يفضي إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق مصر والسودان، ويضع قواعد واضحة لملء السد وتشغيله، ويضمن التنسيق والتعامل المشترك مع فترات الجفاف والجفاف الممتد.
أما الحديث عن حل الأزمة دون اتفاق ملزم، ودون ضمانات واضحة تحمي مصالح دولتي المصب، فلا يعني أن الأزمة قد انتهت، ولا يبدد المخاوف المصرية والسودانية بشأن مستقبل مياه النيل.
إن الأمن المائي المصري ليس مجالًا للمناورات السياسية أو التصريحات المتناقضة، كما أن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي لا ينفصل عن الأمن القومي المصري.
فهل يحمل ترامب حلًا حقيقيًا لأزمة سد النهضة، أم أن تصريحاته ستظل مجرد كلام، بينما تستمر إثيوبيا في تعزيز قدراتها المائية، وتتواصل التحركات الإقليمية والدولية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟!
هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة، بعيدًا عن الشعارات والتصريحات التي لا تغير من واقع الأزمة شيئًا.



-12.jpg)


