خبير أمني يكشف :"السعودية والحوثيون".. كيف بدأت المشكلة؟ ولماذا تحولت إلى صراع إقليمي؟
قال وكيل جهاز الأمن الوطني السابق الخبير الأمني اللواء خيرت شكري في تصريحات لـ " مصر الآن "إنه وفي قراءة مبسطة في أزمة عربية لا يدفع ثمنها إلا الشعب اليمني
عندما نسمع عن توتر بين السعودية والحوثيين في اليمن، قد يتصور البعض أننا أمام حرب بين دولتين، أو خلاف مذهبي بين السنة والشيعة. لكن الحقيقة أوسع من ذلك؛ فالأزمة بدأت من داخل اليمن، ثم امتدت إلى السعودية، ودخلت فيها حسابات إقليمية ودولية.
ولكي نفهم ما يحدث، علينا أن نعود إلى البداية.
أولًا: من هم الحوثيون؟
الحوثيون، الذين يُعرفون باسم «أنصار الله»، حركة سياسية وعسكرية نشأت في شمال اليمن، وتحديدًا في محافظة صعدة، وسط أتباع المذهب الزيدي، وهو أحد المذاهب الشيعية التي تختلف في جوانب مهمة عن المذهب الاثني عشري السائد في إيران.
وأضاف شكري قائلا بدأت الحركة في إطار ديني واجتماعي، ثم تحولت تدريجيًا إلى حركة سياسية مسلحة، ودخلت في مواجهات مع الحكومة اليمنية خلال عهد الرئيس علي عبد الله صالح، خصوصًا بين عامي 2004 و2010.
إذن، الحوثيون لم يظهروا فجأة باعتبارهم خصمًا للسعودية؛ فقد كانت مشكلتهم في البداية مع الحكومة اليمنية نفسها، قبل أن يتسع الصراع وتتداخل فيه الأطراف الإقليمية.
ثانيًا: كيف تحول الخلاف الداخلي إلى حرب؟
في عام 2011، شهد اليمن احتجاجات واسعة ضمن موجة الربيع العربي، وانتهى الأمر بانتقال السلطة من علي عبد الله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي عام 2012.
لكن المرحلة الانتقالية لم تنجح في بناء نظام سياسي مستقر يرضي القوى اليمنية المختلفة. تصاعدت الخلافات حول تقاسم السلطة، وشكل الدولة، وتوزيع الموارد، وترتيبات النظام الاتحادي المقترح.
استغل الحوثيون حالة الضعف والانقسام، وتحالفوا مع خصمهم السابق علي عبد الله صالح، وتمكنوا في سبتمبر 2014 من السيطرة على العاصمة صنعاء، ثم توسعوا في مناطق أخرى.
وفي مطلع عام 2015، أحكموا قبضتهم على مؤسسات الدولة، واضطر الرئيس هادي إلى مغادرة البلاد.
هنا انتقلت الأزمة إلى مرحلة جديدة؛ فلم يعد الأمر مجرد حركة تعارض الحكومة، بل أصبح صراعًا على من يحكم اليمن، ومن يملك القرار السياسي والعسكري فيه.
ثالثًا: لماذا تدخلت السعودية عسكريًا؟
وقال في مارس 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا تدخل في اليمن دعمًا للحكومة المعترف بها دوليًا، بعد تقدم الحوثيين وسيطرتهم على صنعاء وتوسعهم نحو الجنوب.
كانت الرياض ترى أن سيطرة قوة مسلحة مرتبطة بعلاقات متنامية مع إيران على دولة تقع مباشرة على حدودها الجنوبية تمثل تهديدًا لأمنها القومي.
وتزايدت المخاوف السعودية مع إطلاق الحوثيين صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه الأراضي السعودية، واستهداف منشآت ومرافق حيوية.
ومن هنا، يجب أن نفهم أن القضية بالنسبة للسعودية لم تعد فقط مسألة شرعية الحكومة اليمنية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بأمن الحدود، وحماية المنشآت الحيوية، ومنع تحول اليمن إلى قاعدة عسكرية معادية على حدود المملكة.
وفي المقابل، رأى الحوثيون أن التدخل العسكري السعودي محاولة لفرض واقع سياسي عليهم وإعادتهم بالقوة إلى موقع أضعف داخل اليمن.
وهكذا دخل الطرفان في حرب طويلة، دفع المدنيون اليمنيون ثمنًا باهظًا لها.
رابعًا: أين تدخل إيران في هذه الأزمة؟
هنا نصل إلى أحد أهم أبعاد المشكلة.
وأشار الخبير الامني إلي أن إيران دعمت الحوثيين، وتطورت العلاقة بين الطرفين مع مرور الوقت، بما عزز القدرات العسكرية للحوثيين، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة. لكن من المهم ألا نختزل الحركة الحوثية في أنها مجرد جماعة لا تمتلك أي جذور محلية؛ فهي حركة نشأت داخل المجتمع اليمني، ولها قاعدة اجتماعية وسياسية، وأصبحت تسيطر على مؤسسات ومناطق واسعة.
في الوقت نفسه، تنظر السعودية إلى النفوذ الإيراني في اليمن باعتباره جزءًا من منافسة إقليمية أوسع بين الرياض وطهران.
وبذلك أصبح اليمن ساحة يتداخل فيها صراع داخلي على السلطة مع تنافس إقليمي على النفوذ.
لكن هل يعني ذلك أن كل خلاف يمني هو قرار إيراني؟ لا. فاليمن له مشكلاته الداخلية وتاريخه السياسي والاجتماعي، والحوثيون لديهم حساباتهم الخاصة، حتى مع اعتمادهم على الدعم الإيراني.
وهذا التمييز ضروري حتى لا نسيء فهم طبيعة الأزمة.
خامسًا: هل الحوثيون هم اليمن؟
الإجابة ببساطة: لا.
اليمن شعب ودولة ومجتمع متنوع، والحوثيون طرف من أطرافه، وليسوا مرادفًا للشعب اليمني كله.
هناك قوى يمنية أخرى، ومكونات سياسية واجتماعية وقبلية ومناطقية متعددة، كما أن مناطق اليمن لا تخضع جميعها للسلطة الحوثية.
لذلك، عندما نقول إن هناك صراعًا بين السعودية والحوثيين، لا يصح أن نحوّله إلى صراع بين السعودية والشعب اليمني، أو أن نحمّل اليمنيين جميعًا مسؤولية قرارات حركة بعينها.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل أن الحوثيين أصبحوا قوة عسكرية وسياسية مؤثرة، وأن سيطرتهم على أجزاء واسعة من البلاد تجعل أي تسوية مستدامة صعبة من دون معالجة موقعهم ودورهم في مستقبل الدولة اليمنية.
سادسًا: لماذا أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا من المشكلة؟
لأن موقع اليمن ليس مسألة محلية فقط.
اليمن يطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ويجاور مضيق باب المندب، الذي تمر عبره حركة مهمة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وعندما امتد نشاط الحوثيين العسكري إلى الملاحة في البحر الأحمر، خصوصًا منذ أواخر عام 2023 في سياق الحرب على غزة، اتسعت الأزمة لتشمل أمن السفن والتجارة الدولية، ودخلت الولايات المتحدة وبريطانيا في عمليات عسكرية ضد أهداف حوثية.
وهنا أصبح الصراع أكبر من حدود اليمن والسعودية؛ إذ باتت له انعكاسات على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة، ومصالح دول المنطقة، ومنها مصر التي يرتبط جزء مهم من عائدات قناة السويس باستقرار الملاحة في هذا الممر الحيوي.
وهذه نقطة يجب أن ينتبه إليها رجل الشارع العربي: أي اضطراب طويل في البحر الأحمر لا يبقى بعيدًا عنا، بل قد يمتد أثره إلى التجارة والأسعار والاقتصاد وفرص العمل.
سابعًا: لماذا لم تنتهِ الحرب حتى الآن؟
لأن الأزمة ليست معركة عسكرية واحدة يمكن أن تنتهي بانتصار طرف على آخر.
هناك خلاف على شكل الدولة اليمنية، وعلى توزيع السلطة والثروة، وعلى مستقبل المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. وهناك أيضًا انقسامات بين القوى المناهضة لهم، ومصالح إقليمية متشابكة، ومخاوف متبادلة تتعلق بالأمن والحدود والنفوذ.
شهد عام 2022 هدنة برعاية الأمم المتحدة خفّضت حدة القتال بصورة ملحوظة، كما جرت اتصالات مباشرة بين السعودية والحوثيين لاحقًا بحثًا عن تسوية. لكن التوصل إلى تفاهمات نهائية وشاملة ظل صعبًا، ولم تُحل جذور الصراع.
وهذا يعني أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي؛ فالمطلوب تسوية سياسية تضمن أمن السعودية، وتفتح الطريق أمام دولة يمنية مستقرة، وتمنح اليمنيين فرصة لاستعادة حياتهم بعيدًا عن الحرب.
الخلاصة: ما الذي ينبغي أن نفهمه نحن العرب؟
أولًا، الخلاف بين السعودية والحوثيين بدأ من أزمة يمنية داخلية، ثم تحول إلى صراع إقليمي بسبب التدخل العسكري وتزايد النفوذ الإيراني والمخاوف الأمنية المتبادلة.
ثانيًا، لا يجوز الخلط بين الحوثيين واليمن كله، كما لا يصح تجاهل حق السعودية في حماية أراضيها ومواطنيها من الهجمات العابرة للحدود.
ثالثًا، لا يمكن تحقيق استقرار دائم في اليمن من دون حل سياسي يعالج الانقسام الداخلي، ويحد من استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار أو الملاحة الدولية.
وأخيرًا، فإن تحويل الصراع إلى مواجهة مذهبية بين السنة والشيعة لن يحل المشكلة، بل قد يضيف إليها طبقة جديدة من الانقسام والكراهية.
السؤال الحقيقي ليس: من يرفع شعارًا أقوى؟ بل: كيف نستعيد دولة يمنية مستقرة، ونضمن أمن السعودية، ونمنع تحويل اليمن والبحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
فالشعب اليمني يستحق أن يعيش في دولة مستقرة، والسعودية تستحق الأمن، والمنطقة العربية تحتاج إلى تسويات تحفظ مصالح شعوبها بدلًا من استمرار الحروب التي تستنزف الجميع .


-9.jpg)



