المرسي ل "مصر الآن ":تكشف حنكة صياغة البيان المصري في التضامن الكامل مع السعودية
قالت الدكتورة شيماء المرسي الباحثة المتخصصة فى الشأن الإيراني في تصريح ل " مصر الآن " أنه و من الضروري إعادة قراءة بيان المتحدث الرسمي لرئاسة جمهورية مصر العربية بتمعن حول طبيعة الدعم المصري للملكة العربية السعودية؛ وبعيدا عن القراءات العاطفية، فلم يرد فيه مصطلح "المشاركة العسكرية"، وهي نقطة جوهرية تحتاج إلى تفكيك وتحليل، لماذا؟
لأنه وبقياس التصريحات والتغطيات الصادرة اليوم، سنلاحظ تركيزا إعلاميا عربيا وغربيا -مع تحفظ إيراني- ملحوظا يسعى إلى تأطير الإعلان المصري بالوقوف التام والتضامن الكامل مع السعودية في سياق انخراط عسكري شامل، في محاولة واضحة للضغط وإثارة الرأي العام المصري ضد قرارات القيادة المصرية.
وأضافت المرسي أنه وقد استند هذا الطرح إلى فرضية أن الانخراط العسكري المصري سيقابله تحركات حوثية لرفع مخاطر التأمين الملاحي في البحر الأحمر إلى مستويات غير مسبوقة، عبر توسيع دائرة الاستهداف لتطال السفن المتجهة إلى قناة السويس، بدلا من الاقتصار على الملاحة المرتبطة بالجانب السعودي.
ومع التداول المكثف لتقرير موقع "Flightradar24"، الذي أفاد بهبوط طائرتي نقل عسكري مصريتين من طراز C-130H (في الحقيقة تعتبر طائرات نقل لوجستية وإمداد بالأساس، وليست طائرات قتالية هجومية) صباح اليوم في قاعدة الملك فهد الجوية بمدينة الطائف، وذلك عقب موافقة رئيس الجمهورية ومجلس الدفاع الوطني على تقديم كافة أنواع الدعم للدفاع عن أمن الرياض، استنادا إلى بيانات تتبع مسارات الملاحة الجوية، حلقت الطائرتان اللتان تحملان الرمزين EGY1845 وEGY1846 فوق القطاع الغربي من الأراضي السعودية، زادت حدة التأويل والتحليل الإعلامي لمؤشر الانخراط العسكري المصري، وهو ما قد يقابل بحساسية إيرانية، رغم تحفظات طهران التي سعت طوال الفترة الماضية إلى إبقاء مصر خارج خطوط الاشتباك المباشر، إدراكا منها أن انزلاق القاهرة إلى معادلة الردع العسكري الموجهة ضد الحوثيين سيعرقل مسارات التواصل الدبلوماسي العربي الإيراني، بل وقد يعيد هندسة الاصطفافات الإقليمية بما يضع مصر في موقع الفاعل الخشن الداعم لنهج خصوم طهران، وهو تحول من المرجح أن يدفع الجانب الإيراني إلى التعاطي مع الدور المصري بتوجس وعدائية مضادة.
والأهم أن هذا الفخ سيفرض كلفة جيواقتصادية باهظة واستنزاف مباشر للعمق المالي المصري (المتمثل في قناة السويس) خصوصا وأن الحوثي لا يحتاج إلى إطلاق مقذوفات لضرب البنية التحتية للقناة أو الأراضي المصرية، فهو يمتلك ورقة ضغط جغرافية نافذة عند مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، حيث يكفي توسيع دائرة الاشتباك، لتشمل خطوط الشحن المرتبطة بالقاهرة وزيادة التوتر الملاحي لدفع شركات الشحن العالمية تلقائيا نحو مسار رأس الرجاء الصالح، وهو مسار قد يؤدي إلى استنزاف ملموس للاحتياطي النقدي المصري دون حاجة الحوثيين للانخراط في مواجهة عسكرية متناظرة، لا سيما وأن مصر تكبدت بالفعل تراجعا ملحوظا في عوائد القناة، وهو نزيف مرشح للتفاقم حال انتقال القاهرة إلى موقع الشريك الميداني الفعلي.
وقالت ومع ذلك، من المهم تسليط الضوء على الحنكة اللغوية والدقة المفاهيمية في البيان الرسمي، فقد استبعد صانع القرار المصري مصطلح المشاركة العسكرية، واستبدله بـ "الوقوف التام والتضامن الكامل مع المملكة العربية السعودية، وختمه بأهمية الدعم السياسي والدبلوماسي مع الفاعلين الإقليميين المعنيين بالصراع.
هنا، تتعامل القاهرة بدبلوماسية الألفاظ المحسوبة لقطع الطريق على الحملات الإعلامية الموجه، وتجريد الحوثيين وطهران من أي تكييف قانوني أو سياسي يعتبر مصر طرفا قتاليا مباشرا، لأنه، من جهة، يمنع الدستور المصري تماما دخول الجيش في أي حرب هجومية، ولكنه يتيح (وفق المادة ١٥٢) إرسال قوات مسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية لحماية الأمن القومي ومساندة الأشقاء ضمن أطر دفاعية محددة وبشروط برلمانية صارمة.
أي أن التدخل العسكري الخارجي لا يكون بديلا عن أحد أو بدافع العدوان، بل دفاعا عن منظومة الأمن القومي المصري والعربي وتحت مظلة حماية المصالح الحيوية، وبالتالي تتنوع طبيعة المشاركة الدفاعية وتتدرج ما بين الدعم العسكري، والدبلوماسي، واللوجستي.
وبما أن صانع القرار المصري يدرك حساسية الصراعات التي تورط فيها الإقليم، وانطلاقا من تبني الدبلوماسية المصرية لاستراتيجية تاريخية راسخة تعرف بدبلوماسية السلام والاستقرار والتنمية، واعتمادها بشكل مطلق على الحلول السياسية والتفاوضية كبديل للنزاعات المسلحة، فمن المرجح أن ينصب الثقل الحقيقي والجهد الرئيسي للقاهرة في تقديم الدعم اللوجستي، بالتوازي مع تبني جهود سياسية ودبلوماسية نشطة في الكواليس بين طهران والرياض وصنعاء.
الهدف من ذلك هو خفض التصعيد، ونزع فتيل التوتر البحري من جذوره، وسحب أي ذريعة قد تستغلها جماعة الحوثي لاستهداف الممرات الملاحية في البحر الأحمر، ولهذا، لن تقرأ طهران التحرك المصري كتحرك عدائي، (وهذا يفسر تحفظ الإعلام الإيراني في التعليق على التحركات المصرية) بل كدبلوماسية خشنة تهدف إلى ضبط إيقاع الصراع وفرض التوازن.
ولا ننسى أن إيران تدرك جيدا تداعيات الصدام المباشر مع مصر؛ فالإضرار بالمصالح المصرية سيجبر القاهرة، التي تمتلك أقوى قوة بحرية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، على التدخل الخشن الذي لا تريده طهران ولا صنعاء، ولعل هذا الردع الكامن هو ما يفسر التودد السياسي والخطابات الحوثية المتكررة التي تستحضر مكانة مصر العروبة لتفادي استعدائها ورفض انخراطها كخصم في الصراع.






-38.jpg)