نهله علي تكتب من يربح من الحروب؟
هل الحروب مجرد صراعات على الحدود والنفوذ أم أن وراء بعضها حسابات اقتصادية وجغرافية وسياسية تتجاوز بكثير ما نراه في ميادين القتال؟
حين تندلع حرب في منطقة ما من العالم فإن أول ما نراه هو الدمار والضحايا والخراب والنزوح وانهيار الاقتصاد لكن هناك سؤالًا مهمًا يستحق أن نطرحه من الذي يخسر فعلًا ومن الذي قد يخرج من هذه الحروب بمكاسب لم يكن ليحصل عليها في زمن السلام؟
الحرب ليست دائمًا مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين ففي بعض الحالات تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل خريطة العالم وتوزيع الثروة والنفوذ وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد
أولًا المكاسب الجغرافية والسيطرة على المواقع الاستراتيجية
الأرض ليست مجرد مساحة من التراب فقد تكون موقعًا يتحكم في ممر بحري أو مضيق دولي أو طريق تجاري أو مصدر للمياه والطاقة والسيطرة على هذه المواقع تمنح الدول نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا لسنوات طويلة
وقد لا يكون الهدف المعلن من الحرب هو الاستيلاء على أرض لكن نتائجها قد تؤدي إلى فرض السيطرة على مناطق استراتيجية أو إنشاء قواعد عسكرية أو التحكم في طرق التجارة وإمدادات الطاقة
ومن هنا نفهم لماذا تتحول بعض المناطق الصغيرة جغرافيًا إلى ساحات صراع دولي كبير لأن قيمتها الاستراتيجية قد تتجاوز مساحتها بكثير
ثانيًا الثروات والموارد الطبيعية
النفط والغاز والمعادن النادرة والمياه والأراضي الزراعية ليست مجرد موارد اقتصادية بل عناصر قوة في معادلة الأمن القومي
وقد تفتح الحروب الباب أمام السيطرة على موارد دولة ضعيفة أو إضعاف قدرتها على استغلال ثرواتها بصورة مستقلة كما أن اضطراب الإمدادات قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وهو ما يحقق مكاسب لبعض المنتجين والشركات بينما تتحمل الشعوب فاتورة الغلاء
لكن من المهم التمييز بين الاستفادة الاقتصادية التي قد تنتج عن الحرب وبين إثبات أن جهة ما أشعلت الحرب عمدًا لتحقيق تلك الاستفادة فالأمر الثاني يحتاج إلى أدلة وليس مجرد تزامن المصالح مع اندلاع الصراع
ثالثًا تجارة السلاح واقتصاد الأزمات
الحروب تخلق طلبًا هائلًا على الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع والطائرات والمعلومات العسكرية وتتحول ميزانيات ضخمة من التعليم والصحة والتنمية إلى الإنفاق العسكري
وقد تحقق شركات السلاح أرباحًا كبيرة بينما تجد الدول المتحاربة نفسها غارقة في الديون وتكاليف إعادة الإعمار
والمفارقة أن بعض الأطراف قد تستفيد من استمرار التوتر حتى إن لم تكن طرفًا مباشرًا في القتال سواء من خلال بيع السلاح أو تقديم الخدمات الأمنية أو السيطرة على أسواق جديدة
رابعًا إعادة رسم التحالفات وموازين القوى
قد تؤدي الحرب إلى إضعاف دولة كانت تمثل منافسًا إقليميًا أو دوليًا أو تفكيك تحالفات قائمة أو دفع دول إلى الارتماء في أحضان قوى خارجية طلبًا للحماية
وهنا تصبح المكاسب سياسية واستراتيجية وليست مالية فقط فالدولة التي تخرج من الصراع أكثر قدرة على فرض شروطها قد تحقق مكاسب تمتد لعقود بينما تفقد دولة أخرى استقلال قرارها تدريجيًا
وفي عالم السياسة لا تحتاج القوة دائمًا إلى احتلال مباشر فقد يكفي أن تصبح دولة ما عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل بسبب ديونها أو اعتمادها الأمني أو انقسامها الداخلي
خامسًا الأوبئة والفيروسات والحروب البيولوجية
وهنا نصل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية وخطورة
لقد أثبت التاريخ أن الأوبئة يمكن أن تتحول إلى أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية كبرى وأن بعض الدول طورت برامج للأسلحة البيولوجية كما استخدمت أطراف مختلفة في التاريخ وسائل بيولوجية في سياقات الصراع
لكن يجب أن نفرق بين ثلاثة أمور الأوبئة الطبيعية والحوادث المرتبطة بالأبحاث أو المختبرات والتطوير المتعمد لعوامل بيولوجية بغرض الإيذاء
إن البحث في احتمالات الاستغلال العسكري أو السياسي للأوبئة أمر مشروع لكن الادعاء بأن فيروسًا بعينه صُنع عمدًا أو أُطلق لتحقيق مكاسب اقتصادية أو لتقليل عدد السكان يحتاج إلى أدلة علمية وتحقيقات موثوقة فلا يجوز تحويل الشكوك إلى حقائق لمجرد أن بعض الجهات قد تستفيد من الأزمة
ومع ذلك فإن السؤال الأهم يظل قائمًا كيف يمكن أن تتحول الكارثة الصحية إلى فرصة لتحقيق أرباح أو توسيع صلاحيات أو تغيير موازين القوة؟
قد تستفيد شركات من الطلب المتزايد على الأدوية واللقاحات والمعدات الطبية وقد تستغل جهات سياسية الخوف لتوسيع نفوذها وقد تتضرر اقتصادات دول أكثر من غيرها لكن الاستفادة من الأزمة لا تثبت وحدها أن المستفيد هو من صنعها
سادسًا السيطرة على الغذاء والمياه والطاقة
حين تتعطل سلاسل الإمداد أو تتعرض الموانئ والطرق والمزارع والمنشآت الحيوية للدمار لا تكون الخسارة مجرد أرقام في تقارير اقتصادية
قد تجد دولة نفسها عاجزة عن توفير الغذاء لشعبها أو مضطرة إلى استيراد الطاقة بأسعار مرتفعة أو رهينة لمصادر خارجية في احتياجاتها الأساسية
وهنا تظهر إحدى أخطر صور النفوذ أن تصبح احتياجات الشعوب الأساسية أوراق ضغط في يد أطراف أخرى
ولهذا فإن الأمن الغذائي والمائي والطاقي ليس ترفًا اقتصاديًا بل جزء أصيل من حماية استقلال الدول وكرامة مواطنيها
سابعًا التكنولوجيا والبيانات وإعادة بناء ما دمرته الحرب
لا تتوقف المكاسب المحتملة عند السلاح والنفط فالحروب الحديثة تفتح أسواقًا لأنظمة المراقبة والاتصالات والذكاء الاصطناعي والأمن الإلكتروني كما تخلق احتياجات ضخمة لإعادة بناء المدن وشبكات الكهرباء والطرق والموانئ
وقد تتحول إعادة الإعمار إلى فرصة اقتصادية كبيرة لكنها قد تصبح أيضًا وسيلة لفرض شروط سياسية أو اقتصادية على الدول المنهكة
وبذلك قد تنتقل المكاسب من مرحلة القتال إلى مرحلة ما بعد الحرب حيث تتنافس القوى والشركات على العقود والأسواق ومواقع النفوذ
ثامنًا إنهاك الدول من الداخل
ليس من الضروري أن تُهزم الدولة عسكريًا حتى تخسر
يكفي أحيانًا أن تُستنزف مواردها وتتراجع عملتها وتتراكم ديونها ويهاجر علماؤها وشبابها وتنقسم مجتمعاتها وتفقد الثقة في مؤسساتها
وقد تكون النتيجة دولة قائمة على الخريطة لكنها أضعف من أن تدافع عن مصالحها أو تستثمر ثرواتها أو تتخذ قراراتها بحرية
وهذه من أخطر نتائج الصراعات لأن إعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والثقة المجتمعية قد تستغرق أجيالًا كاملة
وماذا عن مصر وسط هذه المعادلة؟
بالنسبة لمصر فإن قراءة الحروب لا ينبغي أن تقتصر على معرفة من انتصر ومن خسر بل يجب أن تمتد إلى فهم تأثيرها على أمننا القومي ومياهنا وغذائنا وطاقتنا وقناة السويس والبحر الأحمر واستقرار المنطقة العربية
فكل صراع إقليمي قد يترتب عليه ارتفاع في أسعار السلع والطاقة أو تراجع في حركة التجارة والسياحة أو ضغوط على الموارد العامة أو محاولات لجر مصر إلى مواجهات تستنزف قدراتها
ولهذا فإن حماية المصالح المصرية تتطلب قوة دفاعية واعية واقتصادًا قادرًا على الصمود واستقلالًا في القرار ودبلوماسية نشطة تمنع اتساع الصراعات مع رفض الاعتداء على الدول واحترام سيادتها
فليس كل تدخل مكسبًا وليس كل انتصار عسكري انتصارًا استراتيجيًا وليس كل سلام ضعفًا فأحيانًا تكون القدرة على منع الحرب أعظم من القدرة على خوضها
الخلاصة
إن أخطر ما في الحروب أنها قد تمنح بعض الأطراف مكاسب بينما يدفع الأبرياء الثمن فقد يخسر شعب أرضه وأمنه ومستقبله بينما يكسب طرف آخر نفوذًا أو سوقًا أو موردًا أو موقعًا استراتيجيًا
لكن لا ينبغي أن نقع في فخ الاعتقاد بأن كل حرب مخطط لها مسبقًا أو أن كل وباء مؤامرة أو أن كل مستفيد هو بالضرورة صاحب القرار فالعالم أكثر تعقيدًا من ذلك والمصالح المتشابكة لا تثبت وحدها وجود مخطط موحد
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه أمام كل صراع هو ما الأسباب المعلنة وما المصالح المتعارضة ومن المستفيد ومن المتضرر ومن يتحمل التكلفة وما الأدلة التي تؤكد أو تنفي الروايات المطروحة؟
فالشعوب لا تحتاج إلى نظريات تزرع الخوف بقدر ما تحتاج إلى وعي يكشف المصالح وعقل يميز بين الحقيقة والدعاية ودول تعرف كيف تحمي ثرواتها وقرارها ومستقبل أبنائها
لأن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب صوت المدافع بل وجود عالم لا تتحول فيه حياة الإنسان إلى ثمن لمكاسب الآخرين






