الحكيم ل (مصر الان): قراءة قانونية في المشهد الانتخابي 2025
قال المستشار الدكتور نزيه الحكيم الفقيه الدستوري في تصريحات خاصة ل (مصر الان)
أن الدستور المصري لم يكتفِ بتحديد الهيكل العام للسلطات فحسب، بل رسم بدقة الإطار الذي تُجرى في ظله العملية الانتخابية، واضعًا المبادئ العليا التي ينبغي أن تنعقد وفقها إرادة الأمة. وفي مقدمة تلك المبادئ، ما ورد في المادة 102 التي نظّمت تشكيل مجلس النواب، وأجازت أن يتم انتخاب أعضائه وفق النظام الفردي، أو نظام القوائم، أو الجمع بينهما.
هذا النص، على وضوحه وقطعيّته، يعبّر عن فلسفة تشريعية دقيقة؛ إذ منح المشرّع مساحة واسعة لتصميم النظام الانتخابي الملائم لمقتضيات المرحلة السياسية والاجتماعية، دون أن يلتزم بنموذج محدد أو صيغة واحدة ثابتة.
أولًا: مرونة الدستور في تحديد النظام الانتخابي
وأضاف الحكيم إن قراءة المادة 102 في سياقها الدستوري تكشف أن المؤسس الدستوري لم يكن معنياً بإلزام الدولة بنظام انتخابي بعينه، بل كان ملتزمًا بمبدأ «المرونة التشريعية» الذي يسمح بتعديل شكل النظام الانتخابي كلما تغيّرت الظروف. فالمشرّع، بمقتضى المادة 101، صاحب سلطة تشريعية كاملة، وله أن يختار بين الأنظمة الثلاثة التي نص عليها الدستور، دون أن يشكّل هذا الاختيار تعديًا أو مخالفة للنص الدستوري.
وأشار الي أنه لا يجوز من الناحية القانونية الزعم بأن اعتماد نظام فردي أو قائمة أو مختلط يمثل انتقاصًا من الدستور، ما دام النظام المختار يقع ضمن الحدود التي رسمها الدستور، وما دام لا يمسّ المبادئ الدستورية الحاكمة مثل المساواة (مادة 53)، وتكافؤ الفرص السياسية، وحرية الناخب في اختيار ممثليه (مادة 87).
ثانيًا: اختيار النظام الانتخابي… سلطة تقديرية لا رقابة عليها إلا بالدستور
استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن للمشرّع «سلطة تقديرية واسعة» في تنظيم العملية الانتخابية، وأنه ليس ملزمًا باتباع نموذج بعينه طالما لم يُخلّ بحقوق الناخبين أو يميّز بين المواطنين دون مسوّغ.
هذه السلطة التقديرية تشمل:
شكل النظام الانتخابي.
نسب المقاعد.
نوع القوائم (مغلقة أو مفتوحة).
تقسيم الدوائر.
ومعنى ذلك أن أي تعديل في النظام الانتخابي — سواء بزيادة مقاعد القوائم أو تقليص الفردي — يظل عملاً تشريعيًا مشروعًا، يحكمه الدستور ولا يتعارض معه.
ثالثًا: القائمة الوحيدة… هل تحوّلت الانتخابات إلى استفتاء؟
ورغم سلامة النصوص التشريعية التي تنظّم نظام القوائم، إلا أن الممارسة العملية قد تخلق وضعًا يصطدم بالجوهر الدستوري دون أن يخالف الشكل القانوني.
ذلك ما حدث حين نزلت قائمة وطنية واحدة دون أي منافس في انتخابات 2025، وهو ما يثير إشكالًا دستوريًا واجتماعيًا بالغ الأهمية.
وكشف أن جوهر العملية الانتخابية يقوم على التعددية والمنافسة. هذا ما تؤكده المادة 87 التي تربط المشاركة السياسية بمبدأ «تكافؤ الفرص» و«حرية الاختيار».
وجود قائمة واحدة فقط ينسف هذا الجوهر، ويحوّل العملية من انتخاب — يقوم على المفاضلة بين بدائل متعددة — إلى استفتاء غير معلن، يكون فيه دور الناخب مقتصرًا على قبول القائمة أو رفضها، لا على اختيار أفضل ممثليه من بين خيارات متعددة.
فالفرق بين الانتخاب والاستفتاء جوهري:
الانتخاب: تعدد، منافسة، تنوّع برامج، وانعقاد إرادة حقيقية.
الاستفتاء: خيار واحد، وسؤال مباشر بالإيجاب أو السلب.
وحين تنعدم المنافسة وتختفي البدائل، يصبح الشكل انتخابًا لكن المضمون لا يعكس فلسفة الانتخاب الدستوري، بل يقترب من «التزكية الشاملة» التي تُفرغ النصوص الدستورية من غايتها.
واخيرآ
إن الدستور أعطى المشرّع مساحة واسعة لاختيار النظام الانتخابي الذي يناسب المرحلة، إلا أن ممارسة هذا الحق يجب أن تلتزم «روح النص»، لا شكله فحسب.
فالانتخابات التي تُجرى دون منافسة حقيقية تفقد أحد أهم شروطها الدستورية: وجود تعددية تسمح للناخب بالاختيار الحر الواعي.
وإذا كان الدستور قد أجاز القوائم، فإنه لم يقصد أن تتحول القائمة إلى أداة «تزكية»، بل أراد لها أن تكون وسيلة لتعزيز التمثيل وتكافؤ الفرص.
ومن ثم، فإن نزول قائمة واحدة دون منافس، وإن كان لا يخالف القانون من حيث الشكل، إلا أنه يطرح تساؤلات جادة حول مدى اتساقه مع المفهوم الدستوري للانتخابات، ويجعل المشهد أقرب إلى الاستفتاء منه إلى الاختيار الحر الذي هو جوهر العملية الانتخابية.

