الأحد 30 نوفمبر 2025 | 08:59 ص

على خطى «واشنطن».. أوروبا تحاصر الإخوان: بداية السقوط الكبير للجماعة الإرهابية

شارك الان

 

في تطور يشبه زلزالا سياسيا يضرب واحدة من أقدم شبكات الإسلام السياسي في الغرب، تتقدم العواصم الأوروبية بخطوات متسارعة نحو تفكيك ما تبقى من نفوذ جماعة الإخوان المسلمين، في مشهد يعكس نهاية مرحلة امتدت لعقود كانت فيها الجماعة تتحرك تحت مظلة الحريات الليبرالية وتستفيد من فلسفة “التسامح المؤسسي” التي منحت التنظيم مساحة واسعة لبناء شبكات مالية، دعوية، ثقافية وإعلامية داخل القارة.

ومع توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام على قرار يمهّد لتصنيف بعض فروع الجماعة باعتبارها منظمات إرهابية أجنبية، بدا أن أوروبا تتحرك في الاتجاه ذاته: تشديد، مصادرة، مراجعة قانونية، وإغلاق تدريجي للمنصات التي استخدمتها الجماعة لتمرير مشروع “الصحوة” بواجهة مدنية، وبرؤية أيديولوجية تهدف لاختراق المجتمعات من الداخل.

اليوم، من باريس إلى برلين وصولًا إلى ستوكهولم، بات واضحًا أن الجماعة تواجه أكبر عملية “تجفيف نفوذ” في تاريخ انتشارها داخل أوربا.

تبدو فرنسا الأكثر حسماً في التعامل مع روافد الجماعة. فباريس، التي لطالما كانت إحدى أهم محطات تمدد التنظيم منذ ثمانينيات القرن الماضي، دخلت مرحلة جديدة من “اليقظة الجمهورية”. هذه السياسة تفرض مراجعة شاملة لجمعيات دينية وثقافية ومراكز تعليمية استخدمت بحسب السلطات واجهات مدنية لترويج خطاب سياسي ديني موازٍ.

ووفق تقرير صحيقة العين الإخبارية، تتحرك السلطات الفرنسية لتفكيك الشبكات التي نسجتها الجماعة عبر عقود، والتي اعتمدت على ازدواجية الخطاب، خطاب علني هادئ للرأي العام، وخطاب تعبوي صلب داخل التنظيم.

وقامت الحكومة بإغلاق مقرات جمعيات مثيرة للجدل، وتجميد أنشطة مراكز ثقافية، وطرد شخصيات ارتبطت بخطاب متشدد، في إطار هدف معلن هو:
إنهاء مرحلة التمكين الإخواني داخل المجتمع الفرنسي بشكل كامل.

ويؤكد مسؤولون فرنسيون أن مشروع “الصحوة” الذي حاول الإخوان إعادة تدويره لم يعد يجد لديه أي حاضنة سياسية أو اجتماعية، لا سيما بعد سلسلة الهجمات الإرهابية التي غيّرت المزاج العام ورفعت درجة الحساسية الأمنية تجاه التنظيمات العابرة للحدود.

وإذا كانت فرنسا تتعامل بنهج تفكيكي مباشر، فإن ألمانيا بدورها دخلت مرحلة “التحوّل العميق”. فقد حظرت الحكومة الألمانية جماعة Muslim Interaktiv قبل أسابيع، وهي خطوة بدت صغيرة في حجمها لكنها عميقة في دلالاتها.

مصادر خاصة لموقع إرم، نقلها موقع حغريات، كشفت أن الجمعيات المرتبطة بالإخوان في ألمانيا تعيش حالة “استنفار داخلي”، وبدأت في مراجعة برامجها وخطابها وشبكاتها المالية المشكوك في آلياتها بهدف تقديم ما يشبه “شهادة حسن السلوك” للسلطات.

لكن الأجهزة الاستخباراتية، كما تؤكد تلك المصادر، لا تنخدع بسهولة؛ فهي ترى أن الإخوان يشكلون تهديدًا قائمًا على “خطاب معادٍ للديمقراطية” حتى من دون تورط مباشر في أعمال عنف، وأن النموذج الإخواني يقوم على بناء مجتمع موازٍ يعمل خارج إطار الدولة، ما يجعله تهديدًا بنيويًا لا يمكن تجاهله.

ولهذا أطلقت الصحافة الألمانية على المرحلة الحالية اسم "الاختبار الألماني"، وهو اختبار ترى الأجهزة الأمنية أن الإخوان لن ينجحوا فيه بسهولة، لأن تغيير خطاب التنظيم “تكتيكياً” لا يعني تغيير بنيته العقائدية أو أهدافه الجوهرية.

أما السويد، التي لطالما اعتُبرت بيئة مرنة تسمح بتعددية واسعة في النشاط المدني، فقد تلقت صدمة كبيرة بعد الكشف عن شبكة إخوانية تورطت في اختلاس ما يقارب نصف مليار جنيه.

هذه الفضيحة لم تزعزع فقط صورة التنظيم أمام الرأي العام، بل دفعت السلطات إلى مراجعة حادة لكافة المؤسسات ذات الصلة بالإخوان، واتخاذ إجراءات وصفت بأنها “الأقسى” منذ دخول التنظيم البلاد قبل نحو أربعة عقود.

وبحسب صحيفة إكسبريس السويدية، فإن الفضيحة كشفت جانبًا من شبكات التمويل التي ظلّت تعمل في الظل، مستفيدة من ثغرات قانونية ومن ثقة الحكومة في الجمعيات الدينية والاجتماعية.

تشير كل هذه التطورات إلى حقيقة واحدة وهي أن الإخوان يفقدون آخر معاقلهم في أوروبا.

فخلال العقد الماضي، كانت الجماعة تراهن على “النفوذ الهادئ”؛ شبكة من الجمعيات والمراكز والمجتمعات المغلقة التي تعتمد على تراكم طويل بدلاً من المواجهة المباشرة. لكن الضغوط المتصاعدة، وقرارات الحظر، والتحقيقات المالية، وتغير المزاج الشعبي والأمني في أوروبا، جعلت هذا النفوذ يتآكل تدريجياً.

وما يزيد من قوة هذا الانحسار أنّه يأتي متزامناً مع تراجع نفوذ الجماعة في الشرق الأوسط، وتفكك قواعدها، وانقسام قياداتها، وصعود خطاب دولي لا يتسامح مع التنظيمات العابرة للحدود التي تستثمر في الدين لتحقيق أهداف سياسية.

اليوم، لا تبدو أوروبا مجرد ساحة ضغط جديدة على الإخوان، بل ساحة تغيير جذري في قواعد اللعبة، فإغلاق الأبواب الأوروبية أمام التنظيم ينهي عملياً مرحلة تاريخية استغل فيها الإخوان القوانين الليبرالية لبناء نفوذ سياسي وثقافي واجتماعي واسع.

ومع تلاشي هذا النفوذ، يدخل التنظيم مرحلة جديدة يمكن وصفها بعصر الانكشاف، حيث تتراجع قدرة الجماعة على التخفي خلف واجهات مدنية، وتتقلص أدواتها في التأثير، بينما تتقدم الحكومات الأوروبية نحو تفكيك مشروعهم بشكله القديم، وقطع الطريق أمام أي محاولة لبعثه من جديد.

بهذا، تبدو الجماعة أمام لحظة فارقة في تاريخها، لحظة سقوط تدريجي، لكنه أعمق وأوسع من أي ضربة تلقتها من قبل.

استطلاع راى

هل تعتبر قرار الهيئة الوطنية للانتخابات بإلغاء نتائج 19 دائرة انتخابية قراراً عادلاً يضمن النزاهة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 5445 جنيهًا
سعر الدولار 47.51 جنيهًا
سعر الريال 12.67 جنيهًا
Slider Image