بعد 66 عامًا على بنائه.. السد العالي درع مصر المائي في مواجهة تعنت إثيوبيا
تحلّ اليوم ذكرى وطنية فارقة في تاريخ الدولة المصرية، بمرور 66 عامًا على وضع حجر الأساس لمشروع السد العالي، أحد أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين، والذي لم يكن مجرد إنجاز تنموي، بل تحول إلى صمام أمان استراتيجي حمى مصر من تقلبات الطبيعة وأطماع السياسة.
ففي 9 يناير 1960، وضع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حجر الأساس لمشروع غيّر وجه مصر، وأسّس لمرحلة جديدة من التحكم في موارد نهر النيل، ليصبح السد العالي منذ ذلك الحين الركيزة الأساسية للأمن المائي المصري.
وأكد هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، أن السد العالي مثّل على مدار عقود حصن الأمان للمصريين، حيث نجح في حماية البلاد من موجات الجفاف والفيضانات، وتنظيم تدفقات مياه النيل، إلى جانب دوره المحوري في توفير المياه اللازمة للزراعة والصناعة، وتوليد الطاقة الكهربائية.
الجيل الثاني.. تحصين استراتيجي للسد العالي
وفي ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة، كشف وزير الري عن دخول منظومة السد العالي ضمن ما يُعرف بـ«الجيل الثاني لمنظومة المياه المصرية – 2.0»، والتي تعتمد على أحدث التقنيات الرقمية العالمية والخبرات الوطنية، بهدف رفع كفاءة التشغيل وضمان الاستدامة في مواجهة أي متغيرات هيدرولوجية مفاجئة.
وتتيح هذه المنظومة المتطورة رصد أدق تفاصيل حركة المياه القادمة من أعالي النيل لحظة بلحظة، بما يمكّن مصر من إدارة الموارد المائية بذكاء غير مسبوق، والتعامل مع أي سيناريوهات ناتجة عن حجز المياه أو فتح البوابات بشكل مفاجئ من جانب إثيوبيا.
وأوضح سويلم أن أعمال التطوير الجارية تضمن الجاهزية الكاملة للسد العالي وخزان أسوان، من خلال المتابعة المستمرة لأعمال التشغيل والرصد على مدار 24 ساعة، بما يشمل مراقبة المناسيب والتصرفات المائية، لضمان أعلى مستويات الأمان والكفاءة.
السد العالي وسد النهضة.. معركة الأمن المائي
وتعتمد مصر بشكل رئيسي على السد العالي في تأمين احتياجاتها المائية، لا سيما في فترات الجفاف، إلى جانب دوره الحيوي في مواجهة التداعيات المحتملة لسد النهضة الإثيوبي، الذي لا يزال يشكل بؤرة توتر رئيسية بين القاهرة وأديس أبابا.
وتخشى مصر من أن يؤدي الملء والتشغيل الأحادي لسد النهضة دون تنسيق أو اتفاق قانوني ملزم، إلى تقليص حصتها التاريخية من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما قد يتسبب في جفاف مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ويؤثر سلبًا على تشغيل توربينات السد العالي.
وتطالب القاهرة، مدعومة بموقف سوداني مماثل، باتفاق قانوني عادل وملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، خاصة خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، حفاظًا على حقوق دولتي المصب.
في المقابل، تصرّ إثيوبيا على اعتبار سد النهضة مشروعًا سياديًا لتوليد الكهرباء، وترفض أي قيود قانونية ملزمة على إدارته، وهو ما أدى إلى تعثر جولات طويلة من المفاوضات برعاية أطراف دولية وإقليمية، دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى عام 2026.
إرث الماضي ورهانات المستقبل
وبينما تستحضر مصر ذكرى السد العالي كأيقونة للإرادة الوطنية، فإنها تؤكد في الوقت ذاته أن معركة الأمن المائي لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تعتمد فيها الدولة على العلم والتكنولوجيا والإدارة الذكية، لحماية شريان الحياة الوحيد للمصريين.
السد العالي، الذي وُلد من رحم التحدي قبل أكثر من ستة عقود، لا يزال حتى اليوم خط الدفاع الأول عن حق مصر في الحياة.



