روسيا أمام اختبار المسيرات: حرب استنزاف تُربك العقيدة العسكرية وتُعيد رسم ساحة القتال
تكشف الحرب الروسية في أوكرانيا عن تحوّل جذري في طبيعة الحروب الحديثة، مع تصاعد الدور الحاسم للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي باتت تُكبّد الجيوش خسائر فادحة وتفرض معادلات جديدة في ميدان القتال.
وهذا الواقع أطلق نقاشًا محتدمًا داخل الأوساط العسكرية الروسية حول فعالية التكتيكات المعتمدة، وقدرة العقيدة القتالية التقليدية على مواكبة حرب تُدار من الجو بوسائل بسيطة لكنها شديدة التأثير، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.
وأبرز التقرير مشاهد مصوّرة لدبابة روسية جرى تدريعها بصفائح معدنية بدائية في محاولة لحمايتها من هجمات المسيّرات، حيث صمدت أمام عشرات الضربات قبل تدميرها في النهاية، في مشهد يعكس مفارقة الحرب الحديثة: أسلحة رخيصة تُحيّد معدات باهظة الثمن.
وباتت هذه المسيّرات لاعبًا رئيسيًا في ساحة المعركة، ما دفع محللين وضباطًا روسًا إلى التساؤل عن جدوى الاعتماد على الدبابات والتشكيلات الثقيلة، خاصة في ظل ما يوصف بـ«ساحة المعركة الشفافة»، حيث تستطيع الطائرات المسيّرة رصد أي تحرك تقريبًا واستهدافه بدقة.
وعلى مدار عقود، اعتمدت روسيا على الزحف الكثيف للدبابات والمشاة والمدفعية لاختراق دفاعات الخصوم، إلا أن هذا الأسلوب بات مكلفًا وغير فعّال في أوكرانيا.
ونتيجة لذلك، لجأ الجيش الروسي إلى تكتيكات بديلة، أبرزها نشر مجموعات صغيرة من الجنود لمحاولة التقدم أو التسلل خلف الخطوط الأوكرانية، غير أن هذه الأساليب لم تحقق مكاسب ميدانية حاسمة، وأدت إلى تقدم بطيء مصحوب بخسائر كبيرة.
ويرى محللون عسكريون أن الجدل الدائر داخل روسيا حول إدارة الحرب يعكس أزمة أعمق تتعلق بالتدريب والتنظيم العسكري. فالكثير من الجنود الذين جرى تجنيدهم خلال موجات التعبئة تلقوا تدريبًا محدودًا، ما أثر على قدرتهم على تنفيذ عمليات معقدة أو التنسيق بين وحدات مختلفة، في وقت أصبحت فيه المواجهة مع المسيّرات تتطلب مهارات وتقنيات عالية.
ورغم إدخال تعديلات على بعض المعدات القتالية وتطوير أنظمة لاعتراض الطائرات المسيّرة، تشير دراسات حديثة إلى أن موسكو لم تُجرِ تحولًا جوهريًا في عقيدتها العسكرية، ولا تزال تراهن على حلول تكنولوجية سريعة بدل إعادة التفكير في أساليب القتال بشكل شامل.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار الجمود على الجبهات قد يدفع الجيش الروسي إلى مراجعة أوسع لتكتيكاته وبرامجه التدريبية، في ظل قناعة متزايدة بأن زمن الهيمنة المدرعة التقليدية قد تراجع، وأن الحروب المستقبلية ستُحسم بقدرة الجيوش على التكيف مع تهديدات غير تقليدية تقودها المسيّرات والأنظمة غير المأهولة.
