الخرطوم تستعيد نبضها.. إعادة الحقوق وتكثيف الجهود لفرض الأمن وعودة الحياة
تدخل العاصمة السودانية الخرطوم مرحلة جديدة من استعادة الاستقرار، بعد سنوات ثقيلة من الحرب والفوضى، مع شروع السلطات المحلية في خطوات عملية لإعادة الحقوق لأصحابها، وفرض مظاهر الأمن، وتهيئة المناخ لعودة المواطنين إلى ممارسة حياتهم الطبيعية. تحركات تعكس رغبة رسمية واضحة في طي صفحة الاضطراب، وفتح أفق جديد عنوانه إعادة الإعمار وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأعلنت إدارة محلية الخرطوم بدء ترتيبات منظمة لتجميع وتسليم المسروقات التي تم استردادها عقب تحرير العاصمة، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا عمليًا على عودة سيادة القانون، وإعادة الاعتبار لممتلكات المواطنين التي نُهبت خلال فترات الانفلات الأمني. ووفقًا لوكالة السودان للأنباء «سونا»، فقد جرى اعتماد عدد من المقار داخل أقسام الشرطة لتجميع المنهوبات، تمهيدًا لعرضها على المواطنين للتعرّف عليها واستلامها وفق إجراءات قانونية تضمن الشفافية وحفظ الحقوق.
وأكد الاجتماع الدوري للإيرادات بمحلية الخرطوم، برئاسة المدير التنفيذي للمحلية بالإنابة كمال عوض الكريم مصطفى، أن هذه الخطوة تأتي تنفيذًا مباشرًا لتوجيهات ولاية الخرطوم، التي شددت على ضرورة تنظيم عملية التسليم ومنع أي تجاوزات، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويدعم مسار الاستقرار المجتمعي.
وفي إطار متصل بإعادة الحياة الاقتصادية، قررت السلطات منح الأسواق العاملة داخل محلية الخرطوم أولوية في توزيع محولات الكهرباء الجديدة، إلى جانب المواقع الاستراتيجية، ضمن خطة متكاملة لإعادة التيار الكهربائي، ودعم النشاط التجاري، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي الذي تضرر بشدة جراء الحرب.
كما وجهت المحلية بتنفيذ زيارات ميدانية موسعة للأسواق المستهدفة بالتنظيم والتأهيل، لوضع تصور نهائي لعمليات التطوير، بالتوازي مع حملات مكثفة لإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب، ومعالجة العشوائيات، وتنظيم المظهر العام، في مسعى لإعادة الخرطوم إلى صورتها الحضارية.
وعلى صعيد التعليم، كشفت السلطات عن اكتمال تشكيل اللجنة العليا واللجان الفرعية المختصة بإعادة إعمار المدارس المتضررة، مع التأكيد على تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل خلال فترة لا تتجاوز شهرين، للحاق ببداية العام الدراسي الجديد، إدراكًا لأهمية التعليم كركيزة أساسية للاستقرار وبناء المستقبل.
وشملت الجهود أيضًا إزالة مظاهر العمل غير المنظم، وإغلاق مواقع تعاطي الشيشة والكافيهات العشوائية وبائعات الشاي في الشوارع الرئيسية، إلى جانب تأهيل الحدائق العامة، وتحسين البيئة العامة، في إطار خطة شاملة لتهيئة العاصمة لعودة سكانها.
وتزامن ذلك مع متابعة دقيقة لملف الإيرادات المتأخرة لعام 2025، والإشادة بما تحقق من تحصيل عبر هيئة النظافة والوحدات الإدارية، مع توجيهات بمضاعفة الجهود خلال تنفيذ موازنة 2026، بما يضمن توجيه الموارد لتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين.
ما تشهده الخرطوم اليوم لا يقتصر على إجراءات إدارية أو أمنية عابرة، بل يمثل محاولة جادة لإعادة بناء الدولة من القاعدة، واستعادة ثقة الشارع، وترسيخ معادلة بسيطة مفادها أن الأمن، وإعادة الحقوق، وتحسين الخدمات، هي الطريق الوحيد لعودة الحياة إلى طبيعتها. وبين ركام الحرب، تلوح ملامح عاصمة تحاول أن تنهض من جديد، بإرادة رسمية وشعبية لا تقبل العودة إلى الوراء.






