السفير عمرو حلمي يكتب أمن المضايق البحرية الاستراتيجية وأثره الاقتصادي
أكدت التطورات المرتبطة بالحرب ضد إيران أن أمن الممرات البحرية لم يعد مسألة فنية محدودة أو إجراءً عسكرياً عابراً، بل أصبح ركناً أساسياً في معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي. فقد كشفت الأحداث أن المضايق الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز ومضيق باب المندب، لم تعد مجرد ممرات لتنظيم حركة التجارة الدولية، بل تحولت إلى عقد جيوسياسية تتحكم في إيقاع الأسواق العالمية وتؤثر مباشرة في معدلات النمو والاستقرار المالي. وأثبتت التجربة أن أي تهديد لحرية الملاحة في هذه النقاط الحساسة لا يظل محصوراً في نطاقه الإقليمي، بل يمتد سريعاً إلى سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة ومجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية.
ويجدر التذكير بأن القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، يكفل حق المرور غير المعوق unhindered passage عبر المضايق الدولية، إذ لا يجوز للدول المطلة عليها منع حركة السفن أو عرقلتها أو فرض قيود على أنواعها. ومن ثمّ فإن ضمان حرية الملاحة في هذه الممرات لا يُعد مجرد مسؤولية للدول المشاطئة، بل التزاماً دولياً يهم المجتمع الدولي بأسره.
غير أن المخاطر الناجمة عن أي اضطراب في مضيق هرمز لا تقتصر على احتمال تعطّل الإمدادات، بل تتفاقم بفعل الحساسية المفرطة لأسواق الطاقة تجاه التوقعات الجيوسياسية. فهذه الأسواق لا تتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع احتمالاتها أيضاً؛ إذ يكفي تصاعد التوتر أو التلويح بإغلاق المضيق لإطلاق موجات فورية من إعادة تسعير العقود الآجلة. وقد عكست تحركات الأسواق الأخيرة هذه الحساسية بوضوح، مع ارتفاع خام برنت إلى نطاق يتراوح بين 80 و83 دولاراً للبرميل، وقفز أسعار الغاز الطبيعي بنسبة تراوحت بين 40 و50 في المئة، وهي من أعلى الزيادات المسجلة في السنوات الأخيرة. ويعود ذلك إلى تصاعد المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ما يؤكد أن التوتر في هذه الرقعة الجغرافية الضيقة يمكن أن يتحول سريعاً إلى عبء اقتصادي عالمي يغذي التضخم ويضغط على معدلات النمو.
ولا تبقى هذه الصدمات السعرية حبيسة أسواق الطاقة، بل تنتقل مباشرة إلى الاقتصاد الحقيقي. فارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعاً في زيادة تكاليف الوقود والنقل، بما يؤثر في حركة الاستهلاك والإنفاق اليومي ويرفع كلفة الخدمات اللوجستية. كما يؤدي ارتفاع أسعار الغاز إلى تضخم فواتير الكهرباء والتدفئة، لا سيما في الدول التي تعتمد عليه مصدراً رئيسياً لتوليد الطاقة. ومع استمرار الضغوط التضخمية، فإن أي موجة ارتفاع إضافية في أسعار الطاقة قد تؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر وتفاقم الضغوط على الدخل الحقيقي، فضلاً عن تأثيرها السلبي في تنافسية الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ولا يقل مضيق باب المندب أهمية عن مضيق هرمز؛ فهو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس، ومن خلاله تمر نسبة معتبرة من تجارة الحاويات العالمية وشحنات الطاقة المتجهة إلى أوروبا. وقد أظهرت التوترات الأمنية في محيطه أن استهداف السفن أو تهديدها لا يؤدي فقط إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بل يدفع بعض شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح. ويترتب على ذلك إطالة زمن الرحلات البحرية وزيادة استهلاك الوقود وارتفاع الأسعار النهائية للسلع في الأسواق الأوروبية والعالمية. ومن ثمّ فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي يحمل في طياته مخاطر إرباك سلاسل الإمداد العالمية وإعادة إنتاج أزمات اقتصادية واسعة النطاق.
وقد أثبتت التجربة أن ترك مسؤولية تأمين هذه المضايق للدول المشاطئة وحدها لم يعد كافياً في ظل تعقّد التهديدات وتعدد أطرافها. فالممرات البحرية الاستراتيجية باتت تمثل بنية تحتية أساسية للاقتصاد العالمي، لا تقل أهمية عن شبكات الطاقة والاتصالات. ومن ثمّ فإن حمايتها تتطلب مقاربة جماعية تتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة، وتقوم على تعزيز التعاون البحري الدولي، وتكثيف عمليات المراقبة والاستطلاع، وتطوير قدرات الردع السريع في مواجهة أي تهديد لحرية الملاحة.
غير أن المقاربة العسكرية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار المستدام. فالأمن البحري طويل الأمد يرتبط كذلك بمسار دبلوماسي يرسخ مبدأ حرية الملاحة كقاعدة راسخة في القانون الدولي، ويحول دون استخدام المضايق كورقة ضغط سياسية أو أداة ابتزاز جيوسياسي. كما يتطلب الأمر تطوير آليات التنسيق والإنذار المبكر بين الدول المعنية، بما يتيح التحرك السريع لاحتواء أي تصعيد قبل أن يتحول إلى أزمة واسعة النطاق.
إن الدرس الأبرز الذي تفرزه الحرب يتمثل في أن الأسواق لا تنتظر وقوع الإغلاق الفعلي للمضايق كي تتفاعل؛ فمجرد ارتفاع منسوب المخاطر كافٍ لإطلاق موجات من إعادة التسعير، وارتفاع أقساط التأمين، وتزايد تقلبات الأسعار، وتراجع مستويات اليقين لدى المستثمرين. ومع إطالة أمد التوتر، تتزايد احتمالات الدخول في سيناريو الركود التضخمي، حيث تتزامن الضغوط السعرية مع تباطؤ النمو الاقتصادي، وهو وضع يهدد الاقتصادات الصناعية والناشئة على حد سواء.
ومن ثمّ فإن تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز ومضيق باب المندب لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات الاستقرار العالمي. فهذه الممرات ليست مجرد مساحات مائية ضيقة، بل نقاط ارتكاز في بنية النظام الاقتصادي الدولي، وأي إخفاق في حمايتها قد يفتح الباب أمام أزمات طاقة عالمية واضطرابات مالية واسعة النطاق. ومن هنا يصبح الانتقال من ردود الفعل المؤقتة إلى رؤية شاملة ودائمة لأمن الممرات البحرية شرطاً أساسياً للحفاظ على توازن النظام الدولي في مرحلة تتسم بتزايد المخاطر وتراجع اليقين.
وفي المحصلة، لم تعد المضايق البحرية الاستراتيجية مجرد ممرات تعبرها السفن، بل غدت خطوط تماس بين الحرب والاقتصاد، وبين الجغرافيا والسياسة، وبين الاستقرار والفوضى. لقد كشفت الحرب ضد إيران عن هشاشة النظام الدولي أمام نقاط الاختناق الجيوسياسية، حيث يمكن لتهديد في بقعة مائية ضيقة أن يربك أسواقاً عابرة للقارات ويعيد رسم حسابات القوى الكبرى. ومن ثمّ فإن صون حرية الملاحة وتأمين المرور في هذه الممرات لا يمثل دفاعاً عن تجارة عابرة فحسب، بل حماية لأسس الاستقرار العالمي ذاته. فإما أن تُدار هذه الشرايين الحيوية برؤية جماعية مسؤولة توازن بين الردع والدبلوماسية، وإما أن يظل الاقتصاد الدولي رهينة احتمالات التصعيد وتقلبات المخاطر٠






