مجدي عبد الحليم يكتب : حين يتحول الأشقاء إلى خصوم
لم تكن أزمات المنطقة يومًا كاشفة لخلل بوصلة الإعلام العربي كما هي اليوم، حيث يتكرر المشهد ذاته: كلما اشتدت التحديات، اتجهت بعض المنصات إلى الداخل العربي، تصنع خصومًا من الأشقاء، وتُلقي عليهم أوزار الفشل والعجز، بدلًا من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات.
دفعت دول خليجية تريليونات الدولارات في صفقات وتحالفات، وفتحت أراضيها للقواعد الأجنبية، معتقدة أن الحماية تُشترى، وأن الأمن يمكن استيراده. لكن التجربة أثبتت أن تلك القواعد لم تكن درعًا بقدر ما كانت مدخلًا لاختراق السيادة، حتى أصبحت الأراضي والأجواء مسرحًا لصراعات تُدار دون إرادة أصحابها، وبما يخدم مصالح القوى الكبرى لا مصالح المنطقة.
ولم يكن هذا المسار وليد اللحظة؛ فمن قبل، شاركت بعض هذه الدول في عزل العراق وإضعافه، حتى خرج من معادلة التوازن العربي، في سابقة كشفت كيف يمكن أن تتحول الخلافات إلى أدوات لهدم القوة العربية بدلًا من بنائها.
واليوم، وقبل أن تنقشع غبار المواجهة مع إيران، وقبل أن تتضح مآلات التهدئة أو المفاوضات، تتجه بعض المنصات الإعلامية في الكويت والإمارات إلى فتح جبهة جديدة ضد مصر، عبر حملات منظمة تتجاوز النقد إلى التحريض، وتصل إلى حد دعم أطراف إقليمية تمس الأمن المائي المصري بشكل مباشر، في سلوك يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأولويات ومنطق التحالفات.
المفارقة أن هذه الحملات تأتي في وقت تكشّف فيه بوضوح أن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تتعامل مع المنطقة كشريك، بل كساحة نفوذ، تُستخدم فيها الأراضي والقواعد لتحقيق أهداف استراتيجية، من تأمين الطاقة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، دون اكتراث حقيقي بسيادة الدول أو استقرارها.
وفي خضم ذلك، تم دفع بعض الدول إلى حافة مواجهة مباشرة مع إيران، لتجد نفسها في مرمى الصواريخ والطائرات المسيرة، دون أن تمتلك قرار الحرب أو أدوات الردع الكافية. ومع ذلك، لم تُطرح الأسئلة الحقيقية: من أدخل المنطقة في هذا المسار؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الانكشاف الاستراتيجي؟
بدلًا من ذلك، يجري تصدير الأزمة نحو مصر، وكأن المطلوب منها أن تخوض حروبًا لا تخصها، أو أن تدفع أثمان خيارات لم تكن طرفًا فيها. بينما الحقيقة أن مصر اختارت مسار التحذير المبكر من الانزلاق إلى صراعات كبرى، انطلاقًا من قراءة ترى أن استنزاف الخليج هو تمهيد لإعادة تشكيل المنطقة بالكامل، وأن الدور سيأتي تباعًا على قوى إقليمية أخرى.
إن دول الخليج اليوم تقف بالفعل بين نارين: بقاء إيران بما تمثله من تهديد تقليدي، أو صعود إسرائيل كقوة مهيمنة بلا توازن، بما يفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة قد تعيد إنتاج لحظة شبيهة بـ”سايكس بيكو”، ولكن بأدوات أكثر حداثة ونفوذًا أعمق.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في هذين الخيارين فقط، بل في استمرار اختلال البوصلة: حين يُستبدل العدو الحقيقي بخصومة مع الأشقاء، وحين تتحول المعارك الإعلامية إلى سلاح هدم داخلي، يسبق أي تهديد خارجي.
فالدرس الأهم ليس فيمن انتصر ومن خسر، بل في أن أمة تُخطئ تعريف عدوها… تُهزم قبل أن تبدأ المعركة.






