رشيد خطابي: الهوية العربية ركيزة للتنمية والاستقرار وتحتاج إلى إدارة واعية للتنوع
افتتح السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الإعلام والاتصال بـ جامعة الدول العربية، أعمال الندوة الفكرية التي تنظمها الأمانة العامة بمقرها في القاهرة، يومي 14 و15 أبريل 2026، تحت عنوان: «انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة متكاملة»، مؤكدًا أهمية هذا الملف في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم العربي.
وخلال كلمته الافتتاحية، رحب خطابي بالحضور من صناع القرار والباحثين وممثلي المؤسسات الفكرية والثقافية، مشددًا على أن قضية الهوية لم تعد مجرد مسألة ثقافية أو فكرية تُناقش في الأوساط الأكاديمية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمسارات التنمية البشرية والاستقرار السياسي والاجتماعي، وبناء مستقبل مستدام للأجيال القادمة.
وأوضح أن معالجة إشكالية الهوية العربية لا يمكن أن تتم من خلال رؤية أحادية، بل تتطلب مقاربة تشاركية شاملة تضم الحكومات، ومراكز الفكر، والجامعات، والمؤسسات الإعلامية والثقافية، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني، بما يضمن صياغة رؤى متكاملة قادرة على التعامل مع التحديات المتزايدة في هذا المجال.
وأشار خطابي إلى أن التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، إلى جانب تأثيرات العولمة وتطور وسائل الاتصال الحديثة، أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مفاهيم الانتماء والمواطنة، لافتًا إلى أن التنوع الهوياتي أصبح عنصرًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي داخل المجتمعات العربية.
وأكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التنوع، باعتباره سمة طبيعية ومصدرًا للثراء الثقافي والحضاري، بل يتمثل في كيفية إدارة هذا التنوع داخل إطار مؤسساتي قادر على تحقيق التوازن بين التعددية والحفاظ على التماسك المجتمعي. كما حذر من بعض الممارسات المرتبطة بالفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، التي قد تُسهم في نشر نزعات متشددة أو شوفينية تهدد الوحدة الوطنية والقيم المشتركة.
وشدد الأمين العام المساعد على أن الهوية العربية لم تكن يومًا كيانًا جامدًا أو مغلقًا، بل ظلت عبر التاريخ إطارًا حضاريًا مرنًا ومنفتحًا على التفاعل الثقافي والتعايش العرقي واللغوي، ما يجعلها نموذجًا حيًا للتكامل والتعددية. وأوضح أن هذا الواقع يستدعي إعادة النظر في مفهوم الهوية العربية وتطوير دلالاتها بما يتناسب مع متطلبات العصر، بعيدًا عن الأفكار النمطية أو السلوكيات الإقصائية.
وأضاف أن الهوية العربية الحديثة يجب أن تستند إلى احترام الحقوق الثقافية والتنوع، وأن تكون هوية جامعة تستوعب مختلف المكونات الثقافية والاجتماعية، مع قدرتها على مواجهة مظاهر التغريب أو التقليل من قيمة الخصوصية الثقافية، وفي الوقت نفسه الانخراط بقوة في عصر المعرفة والثورة الرقمية والتكنولوجية، في إطار مفهوم "الوحدة في التنوع".
كما أكد خطابي أهمية الدور الذي تقوم به مراكز الفكر العربية، باعتبارها حلقة وصل بين البحث الأكاديمي وصناعة القرار، موضحًا أن الدراسات العلمية والرصد التحليلي يمكن أن يساهما في تحويل النقاش حول الهوية من مجرد أطروحات نظرية إلى سياسات عملية تعزز ثقافة المواطنة والانتماء الوطني.
وأعرب عن تطلعه إلى أن تمثل هذه الندوة منصة حوارية فاعلة تسهم في تعميق فهم قضايا التنوع في السياق العربي، وتحليل العلاقة بين الدولة الوطنية وإدارة التنوع الثقافي، إضافة إلى دراسة تأثير وسائل الإعلام في تشكيل الوعي الهوياتي، وصولًا إلى بلورة توصيات عملية تدعم الاستقرار وتعزز التماسك الاجتماعي.
واختتم خطابي كلمته باستحضار مقولة للشاعر الفلسطيني محمود درويش حول مفهوم الهوية، مؤكدًا أن الهوية ليست مجرد إرث يُتناقل، بل عملية بناء مستمرة تتطلب الابتكار والتجدد بما يتوافق مع تطورات المجتمعات واحتياجاتها.




