بين فقدان الثقة وتصاعد التوتر: هل ما زال الرهان على التفاهم مع إيران ممكناً؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتكرار الأزمات، تعود مسألة الثقة في السياسات الإيرانية إلى واجهة النقاش السياسي العربي. التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أنور قرقاش تعكس موقفاً متزايد الحدة، مفاده أن التعويل على ترتيبات أحادية الجانب من قبل طهران لم يعد خياراً واقعياً في ضوء ما يصفه كثيرون بسلوك توسعي وعدواني تجاه دول الجوار.
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية محطات متعددة من التوتر المرتبط بالدور الإيراني، بدءاً من التدخلات غير المباشرة عبر وكلاء إقليميين، وصولاً إلى أزمات مباشرة مست أمن واستقرار عدد من الدول. هذه السياسات، سواء اتفق معها البعض أو عارضها، خلقت فجوة عميقة في الثقة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على صعيد الشعوب التي باتت ترى في هذا النهج تهديداً دائماً للاستقرار.
من جهة أخرى، تحاول إيران في كثير من الأحيان تقديم نفسها كشريك إقليمي قادر على المساهمة في استقرار المنطقة، عبر مبادرات أو دعوات للحوار. إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في التناقض بين الخطاب والممارسة، وهو ما أشار إليه قرقاش ضمنياً، حيث لا يمكن بناء منظومة أمن إقليمي متماسكة على أساس تعهدات لا تجد طريقها إلى التطبيق العملي.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري: هل يمكن إعادة بناء الثقة؟ الإجابة ليست بسيطة. فإعادة الثقة تتطلب أولاً تغييراً ملموساً في السياسات، وليس مجرد تصريحات دبلوماسية. كما تستدعي التزاماً واضحاً بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي مبادئ لطالما شكلت حجر الأساس لأي نظام إقليمي مستقر.
في المقابل، لا يمكن إغفال أهمية الحوار كخيار استراتيجي لتفادي مزيد من التصعيد. غير أن هذا الحوار، كي يكون مجدياً، يجب أن يقوم على أسس متكافئة، وضمانات حقيقية، وآليات واضحة للمساءلة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تفتقر إلى هذه العناصر سرعان ما تتحول إلى مجرد أوراق بلا تأثير.
ختاماً، تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الشكوك والصراعات، أو السعي الجاد نحو إعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أسس جديدة أكثر شفافية واحتراماً للسيادة. وبين هذين الخيارين، تبقى مسألة الثقة هي العامل الحاسم، وهي أيضاً التحدي الأكبر.

.jpg)




.jpg)