المرسي ل " مصر الآن " :تكشف تداعيات إغلاق هرمز على موازين الدول
قالت الخبيرة والباحثة في الشأن الإيراني الدكتورة شيماء المرسي في تصريح لـ " مصر الآن " أن مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) ذكرت أن إغلاق مضيق هرمز في أوائل مارس الماضي تسبب في واحدة من أكبر صدمات الطاقة خلال العقد الأخير، وهذا كشف عن التبعية الشديدة لكثير من الدول لمسارات نقل النفط والغاز الحيوية.
ومع انسداد هذا الممر الإستراتيجي الذي يعبر من خلاله نحو 20% من النفط والغاز المسال في العالم، ارتفعت أسعار الطاقة بسرعة فائقة، ما أدى إلى دفع الحكومات لاتخاذ إجراءات طارئة، بدءا من إعلان حالة الطوارئ في قطاع الطاقة في الفلبين والتعليق المؤقت لضرائب الوقود في زامبيا، وصولا إلى تقنين توزيع الوقود في سلوفينيا.
وأضافت المرسي وفي شرق آسيا، كانت اليابان وكوريا الجنوبية الأكثر تضررا نظرا لتأمين الجزء الأكبر من احتياجاتهما من الخليج العربي، حيث قفزت تكلفة واردات الطاقة اليابانية بنسبة 45%، واضطرت سيول للسحب من احتياطياتها الاستراتيجية. ولم تكن الولايات المتحدة، رغم زيادة إنتاجها من النفط الصخري، بمنأى عن هذه الموجة من الغلاء، إذ سجلت أسعار البنزين فيها أعلى مستوياتها منذ سبع سنوات، وحطم العجز في ميزانها التجاري أرقاما قياسية بسبب قفزة تكاليف استيراد المشتقات النفطية.
وقالت علاوة على ذلك، أدى الاضطراب في سلاسل التوريد العالمية إلى مواجهة صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى أوروبا صعوبات مؤقتة، وانخفضت إيرادات شركات الطاقة الأمريكية في الأسواق الدولية بمليارات الدولارات. وفي المقابل، كانت الدول التي توجهت نحو الطاقة المتجددة خلال السنوات الأخيرة أقل تضررا، حيث وجدت الهند، بتقليل اعتمادها على الواردات، وإسبانيا والبرازيل، بفضل حصصهما العالية من الكهرباء النظيفة، أنفسها في وضع أكثر استقرارا.
وفي خضم ذلك، برزت الصين كأحد الرابحين الرئيسيين من الأزمة، إذ شهدت شركاتها العاملة في مجال الطاقة النظيفة نموا ملحوظا، وتعززت مكانة بكين في السلسلة العالمية لتكنولوجيا الطاقة أكثر من ذي قبل، وهو الحدث الذي أكد مرة أخرى مقولة إن استقلال الطاقة يمكن أن يعني الاستقلال السياسي والاقتصادي للدول.
بينما حملت انعكاسات هذه الأزمة على إيران طبيعة مزدوجة ومعقدة، فهي تتأرجح بين المكاسب الجيوسياسية والخسائر الاقتصادية واللوجستية الحادة المتمثلة في خنق شريانها التصديري.
خاصة وأن الموانئ الإيرانية الرئيسية في الخليج تعتمد كليا على هذا الممر، وأي إغلاق طويل سيؤدي بالضرورة إلى تكدس الناقلات وتوقف التدفقات النقدية من مبيعات النفط، وبالتالي تفاقم أزمة العملة الصعبة للداخل الإيراني.
وأوضحت زد على ذلك، تأثر الداخل الإيراني بارتفاع تكاليف الاستيراد، فالمضيق ليس فقط لتصدير النفط، بل هو ممر حيوي للسلع الأساسية والحبوب والمواد الأولية التي تحتاجها الصناعة الإيرانية، وهذا تسبب في موجات تضخمية إضافية أثقلت كاهل الاقتصاد المحلي.
في المحصلة، برغم التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز، ترى طهران في أزمة تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وتعثر التوافقات لإنهاء الحرب، فرصة لتأكيد قدرتها على صياغة معادلات الطاقة العالمية وفرض قواعد اشتباك جديدة.
ورغم أن هذا المسار يقابله تصاعد في الضغوط الدولية والمطالبات بتأمين الممرات المائية، وبالتالي رفع كلفة التأمين والشحن للموانئ الإيرانية، إلا أن إيران استبقت ذلك بتسريع نقل منصات التصدير نحو ميناء جاسك الواقع خارج المضيق على بحر عمان، رغبة منها في فك الارتباط العضوي بهرمز وتأمين صادراتها ضد أي سيناريوهات إغلاق مستقبلية.
وبموازاة ذلك، تدرك طهران جيدا أن اقتصادات دول الخليج العربية بنيت تاريخيا تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وتراهن على أن انحسار هذه الهيمنة مقابل ديمومة السيادة الإيرانية على المضيق، سيجبر تلك الدول حتما على البحث عن صيغ توافقية معها.
ولن تقتصر هذه الضرورة على القوى الإقليمية فحسب، بل ستمتد لتشمل كافة الدول المعتمدة على طاقة الخليج، والتي ستجد نفسها مضطرة لوضع ترتيبات خاصة تضمن مصالحها.
وأشارت إلى أنه وإذا استمرت التهديدات الأمريكية باللجوء إلى الخيار العسكري، فإن الواقع الميداني قد كشف للعالم كيف أن أسابيع قليلة من المواجهة مع قوة من الدرجة الثانية كانت كفيلة باستنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية إلى مستويات خطيرة دون وجود حلول سريعة في الأفق، وهو وضع يضع مصداقية واشنطن وجديتها في خوض صراع كبير آخر محل تساؤل حقيقي، ويعزز في المقابل من أوراق القوة التي تلاعب بها إيران المجتمع الدولي.



