الثلاثاء 19 مايو 2026 | 07:26 م

الحكيم لـ" مصر الآن ":الطلاق الشفهي والاستضافة  نقاط خلاف في قانون الاحوال الشخصية الجديد


 قال الفقيه القانوني والدستوري الدكتور نزيه الحكيم في تصريح لـ " مصر الآن "تُعد قوانين الأحوال الشخصية من أخطر التشريعات أثرًا في بنية المجتمع، لأنها لا تنظم مجرد علاقات قانونية عابرة، بل تمس الأسرة المصرية ذاتها باعتبارها النواة الأولى للدولة والمجتمع. ومن هنا جاءت الحساسية الكبيرة المصاحبة لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي أثار منذ طرحه نقاشًا واسعًا بين رجال القانون والفقهاء والمهتمين بالشأن العام.
فالمشروع لا يقتصر على تعديل بعض الإجراءات، وإنما يسعى إلى إعادة صياغة فلسفة العلاقة الأسرية بالكامل، من الزواج والطلاق، إلى الحضانة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية والنفقة وغيرها من المسائل التي تتصل اتصالًا مباشرًا باستقرار المجتمع المصري.
وأضاف الحكيم أن نص دستور جمهورية مصر العربية  نص في المادة العاشرة على أن الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وهو ما يفرض على المشرع التزامًا دستوريًا بالحفاظ على توازن الأسرة وعدم تحويل التشريع إلى سبب جديد للصراع المجتمعي أو التفكك الأسري.
وفي الوقت ذاته، تقف المادة الثانية من الدستور باعتبارها الضابط الأهم في هذا النوع من التشريعات، إذ قررت أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى؛ لأن قوانين الأحوال الشخصية ترتبط بأحكام شرعية مستقرة لدى جمهور الفقهاء، وهو ما يجعل أي تعديل تشريعي محل فحص دقيق من زاويتين: زاوية التطوير المجتمعي، وزاوية الالتزام بالمرجعية الدستورية للشريعة الإسلامية.
وقال قد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الأحكام الشرعية القطعية ثبوتًا ودلالة لا يجوز للمشرع مخالفتها، بينما يجوز الاجتهاد في المسائل الظنية والتنظيمية وفقًا لمقتضيات المصلحة العامة. ومن ثم فإن معيار دستورية مشروع القانون لن يكون مجرد حداثة النصوص أو ملاءمتها الاجتماعية، وإنما مدى بقائها داخل نطاق الاجتهاد الجائز دون الاصطدام بالأحكام الشرعية المستقرة.
ولعل أكثر المسائل إثارةً للجدل في المشروع هي مسألة الطلاق الشفهي، حيث يتجه المشروع إلى تشديد الارتباط بين الطلاق والتوثيق الرسمي. ورغم أن للمشرع سلطة تنظيم وسائل الإثبات والتوثيق، فإن الإشكال الدستوري يظهر إذا تجاوز التنظيم الإداري إلى إنكار الأثر الشرعي للطلاق المستوفي لأركانه وفق ما استقر عليه جمهور الفقهاء. فهناك فارق دقيق بين تنظيم الحقوق والإجراءات، وبين تعطيل الحكم الشرعي ذاته، وهو فارق بالغ الحساسية دستوريًا وفقهيًا.
كما أثار المشروع جدلًا واسعًا بشأن نظام الاستضافة، الذي يمثل تحولًا من الرؤية التقليدية المحدودة إلى توسيع نطاق تواصل الأب مع أبنائه بعد الانفصال. ورغم أن هذا الاتجاه يستند إلى فكرة المصلحة الفضلى للطفل، وهي فكرة دستورية وإنسانية معتبرة، فإن نجاحها عمليًا يظل مرتبطًا بوجود ضمانات تنفيذ حقيقية تمنع إساءة استخدام الاستضافة أو تحويلها إلى وسيلة جديدة للصراع بين الأبوين.
وأوضح في السياق ذاته، حاول المشروع إعادة تنظيم الولاية التعليمية والصحية للحد من النزاعات المتكررة أمام محاكم الأسرة، وهو اتجاه محمود من حيث الأصل، لكنه يظل بحاجة إلى صياغة دقيقة تضمن عدم الإخلال بالتوازن الطبيعي للولاية الأسرية أو خلق نزاعات دستورية مرتبطة بالمساواة والحقوق الأسرية.
أما مسألة إلغاء إنذار الطاعة، فهي من أكثر القضايا التي كشفت الانقسام المجتمعي حول فلسفة المشروع. فهناك من يرى أن نظام الطاعة بصورته التقليدية لم يعد متوافقًا مع التطور الاجتماعي ومبادئ الكرامة الإنسانية، بينما يرى آخرون أن الإلغاء الكامل قد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن العقدي والمالي الذي يقوم عليه عقد الزواج في الشريعة الإسلامية.
وقال كذلك اتجه المشروع إلى تشديد بعض العقوبات المتعلقة بخطف الصغير أو الامتناع عن تنفيذ أحكام الرؤية والاستضافة، وهو اتجاه يهدف إلى حماية الطفل واستقرار الأحكام القضائية، إلا أن الإفراط في التجريم داخل العلاقات الأسرية قد يؤدي إلى تحويل النزاعات العائلية إلى صراعات جنائية دائمة، بما يهدد فرص الصلح ويزيد من حدة التفكك الأسري.
إن التحدي الحقيقي أمام مشروع قانون الأحوال الشخصية لا يكمن في مجرد إصدار تشريع جديد، بل في القدرة على تحقيق معادلة شديدة التعقيد بين:
حماية الأسرة،
واحترام الشريعة،
وضمان الحقوق،
وتحقيق العدالة،
ومواكبة التطورات الاجتماعية.
فالقوانين الأسرية لا تُقاس فقط بحداثة نصوصها، وإنما بقدرتها على صناعة الاستقرار المجتمعي والحفاظ على التوازن داخل الأسرة المصرية، دون إفراط أو تفريط، ودون الاصطدام بالثوابت الدستورية والشرعية التي تشكل الضمانة الحقيقية لاستمرار المجتمع واستقراره.

استطلاع راى

هل تعتقد أن البيانات والتحذيرات الصادرة عن المنظمات الصحيـــــة العالمية كافية للاستعداد لمواجهة الفيروسات النادرة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6880 جنيه
سعر الدولار 53.24 جنيه مصري
سعر الريال 14.18 جنيه مصري
Slider Image