المرسي لـ " مصر الآن ": خديعة كرزاي طهران وفشل سياسة الصغط الأقصى أمام صخرة الدولة العميقة الإيراني
قالت الدكتورة شيماء المرسي الخبيرة في الشأن الإيراني في تصريح لـ " مصر الآن "أن صحيفة نيويورك تايمز كشفت يوم الأربعاء 20 مايو 2026، عن دور الحرب في إفشال المساعي الأمريكي لتنصيب أحمدي نجاد زعيما لإيران.
وهذا الطرح يطرح تساؤلا جوهريا حول طبيعة الحسابات الاستراتيجية لكل من واشنطن وتل أبيب، وما إذا كان محمود أحمدي نجاد قد تحول بالفعل إلى خيار براجماتي في بنك الأهداف الغربي، أم أن الغرب بات يبحث عن وجه شعبوي من داخل البنية الهيكلية للنظام نفسه.
الحقيقة أن الإجابة تكمن في منطقة وسطى، فالرجل شهد تحولا جزئيا في سلوكه السياسي، إذ لم يعد ذلك الأصولي المتشدد الذي عرفه العالم عام 2005، بل أعاد تأطير نفسه في السنوات الأخيرة كمعارض من داخل البنية السياسية الإيرانية، مهاجما الفساد، وموجها خطابا يركز على القومية الإيرانية والعدالة الاجتماعية، وهو خطاب بديل للخطاب الأيديولوجي العابر للحدود.
وأضافت المرسي أن هذا الخطاب في تقديري ليس سوى توظيف إيراني لرواية المعارضة الداخلية ومحاولة استقطاب لردود الفعل المؤيدة لهذا الرأي، من أجل صناعة خطاب موازي يسقط خطاب المعارضة بأسلوب ناعم.
ومع ذلك، فإن تزامن تقرير نيويورك تايمز مع التعنت الإيراني في فرض السيادة على مضيق هرمز، والتمسك بالحق في تخصيب اليورانيوم، والمطالبة بالتعويضات المالية، يكشف بوضوح عن فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية ضد إيران، بل ويعكس قوة الدولة العميقة المركبة للنظام.
ويستند هذا التماسك النسبي إلى بنيتين أساسيتين:
أولاهما- أن النظام الإيراني لم يُبنَ كدولة الرجل الواحد، رغم الصلاحيات المطلقة للولي الفقيه، بل يقوم على مؤسسات متداخلة وموازية، وفي حال غياب رأس السلطة، يتحرك مجلس الدفاع الإيراني التابع للمجلس الأعلى للأمن القومي بالتكامل مع المجمع الاقتصادي للقوات المسلحة وممثلي المؤسسات والعتبات الدينية الكبرى، من أجل ضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية في أوقات الأزمات الكبرى.
والبنية الثانية، فهي غريزة البقاء المشترك، حيث تدرك هذه النخبة الحاكمة أن سقوط النظام يعني تصفيتها بالكامل، وهو ما يولد تلاحما غريزيا تختفي معه الخلافات الداخلية فور ظهور أي تهديد وجودي خارجي.
وقالت وبرغم هذا، من الضروري التمعن في توقيت تسريب الرواية الأمريكية بشأن محاولة تحرير نجاد من إقامته الجبرية، لأنها تكشف سيناريو لا يتعدى كونه حرب نفسية واستخباراتية مُسيسة، تتزامن مع مهلة الأيام الثلاثة التي حددها ترمب للوصول إلى اتفاق أو استئناف الحرب.
وتهدف واشنطن من وراء هذه الدعاية إلى تحقيق هدفين:
١- ضرب الثقة الداخلية، عبر صناعة حالة من الشك داخل النخبة السيادية الإيرانية لإشغال أجهزة الاستخبارات بالتشكيك في ولاءاتها ومراقبة الداخل بدلا من التركيز على إدارة ملف التفاوض الراهن.
٢- والهدف الثاني هو إرسال إشارة غير مباشرة لصانع القرار في طهران بأن العمق الأمني الإيراني مكشوف، وأن أوراق الرموز الشعوبية قابلة للتوظيف.
إلا أن هذا الرهان يغفل تماما عن التكاتف المؤسسي الإيراني، الذي تجلى بوضوح في حرب الـ 12 يوما 2025 وفي حرب رمضان 2026، ولما لا، والعقيدة الأمنية الإيرانية تؤمن بأن أي اختراق للجبهة الداخلية وقت الحرب يعني انهيار المعبد على رؤوس الجميع، لذا فإن الرهان الأمريكي على وجود أجنحة مستعدة للتواطؤ في هذا التوقيت هو محض قراءة منفصلة عن الواقع، وتفصلها مسافات عن صرامة المؤسسة الإيرانية وقت الأزمات.
وأشارت إلى أنه ويُتوقع أمام هذه الضغوط متعددة الأبعاد، أن تدير طهران مهلة الأيام الثلاثة الحرجة عبر مسار إبداء الصلابة المؤسسية علنا من خلال استعراض القوة العسكرية في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز والتعنت في شروط التفاوض حول برنامجها النووي، مقابل إثبات عدم الرضوخ لسياسة الإنذارات، وتأمين قنوات التفاوض الخلفية باستخدام الدبلوماسية السرية عبر إسلام أباد، من أجل تقديم مقاربة براجماتية تضمن الحفاظ على الخطوط الحمراء الإيرانية كالسيادة والتعويضات المالية.
في مقابل دلك، هناك تيار يروج لحالة الاختناق الاقتصادي الإيراني وتداعيات الحرب على الظروف المعيشية التي قد تتسبب في انفجار داخلي ضد النظام ما قد يؤثر على كروت إيران التفاوضية.
ومع هذا، يتجاهل هذا التيار أن الطبقة الوسطى والشباب الذين قادوا احتجاجات الحركة الخضراء 2009 واحتجاجات البنزين 2019 واحتجاجات مهسا أميني 2022، واحتجاجات البازار ديسمبر 2025 ويناير 2026، يمتلك وعيا سياسيا حادا وحساسية مفرطة تجاه التدخل الأجنبي وسيناريوهات الاعتداءات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، وبالتالي مهما كانت الدعاية الأمريكية أن الحرب كانت محاولة لإنقاذ الإيرانيين من بطش النظام السياسي، فهو لا يبرر الاعتداءات الأمريكية ولا يبرر تصريحات ترمب بتكرار سيناريو فنزويلا في إيران والاستيلاء على النفط الإيراني.
وأوضحت الخبيرة بالشأن الإيراني ولهذا، فأن أي سيناريو لصعود شخصية سياسية على متن طائرات إسرائيلية أو أمريكية كان سيحوله فورا في نظرهم إلى كرزاي طهران، تشبيها بحامد كرزاي الذي تولى حكم أفغانستان 2001 بالدعم العسكري الأمريكي المباشر وحمايته، وهذا بلا شك سيسقط عنه أي صفة شعبوية أو وطنية، ويضعه أمام رفض مزدوج من التيار العسكري والمتشدد الذي سيراه خائنا، ومن التيار الإصلاحي الذي يشكك بأيديولوجيته أساسا.
بناء على ماسبق، تثبت المؤشرات الواقعية أن واشنطن غير مستعدة وغير راغبة في خوض حرب مفتوحة لاستئصال النفوذ الإيراني بالكامل خشية الوقوع في فخ استنزاف طويل الأمد يبدد طاقاتها العسكرية والاقتصادية بعيدا عن جبهة الصراع الرئيسية مع الصين في بحر الصين الجنوبي، لتبقى المعادلة الراهنة محكومة ببراجماتية متوترة تستغل فيها طهران فترات وقف إطلاق النار لترميم جراحها الصناعية بوتيرة تخيف أمريكا كما كشف تقرير شبكة Cnn أمس، بينما تكتفي واشنطن بتهديدات عودة القصف الجوي كأوراق ضغط سياسي دون الجرأة على تجاوز الخطوط الحمراء نحو المواجهة الشاملة.






