"أكتوبر الذي لم ينتهِ".. 6 أيام خلف خطوط العدو وذكرى أخٍ وحيد رحل شهيدًا
في حياة بعض الرجال، لا تكون الحرب ذكرى بعيدة يمكن استدعاؤها كلما حلت المناسبة، وإنما تظل حاضرة في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، واسم شخص غاب، ويوم لا ينسى، ورفيق سلاح لم يعد.. هكذا تبدو حرب أكتوبر في ذاكرة العقيد محمد التميمي أحد أبطال الصاعقة إبان حرب أكتوبر المجيدة، والذي التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها أثناء حرب الاستنزاف، قبل أن يخوض بنفسه عددًا من العمليات العسكرية، ويعيش سنوات طويلة من التدريب والقتال انتهت بعبور السادس من أكتوبر، ثم يخرج من الحرب بانتصار كبير، لكنه يحمل معه أيضًا حكاية شخصية لا يمكن أن تنفصل عن ذاكرته وهي استشهاد شقيقه الوحيد، المقدم مهندس محمود التميمي.
يستعيد البطل العقيد محمد التميمي بداياته العسكرية من عام 1967، ويقول إن تخرجه جاء خلال حرب الاستنزاف، وهي المرحلة التي لم تكن بالنسبة إلى أبناء جيله مجرد فترة بين حربين، وإنما كانت معركة يومية لإعادة بناء الثقة والقدرة والاستعداد، حيث شارك خلال تلك السنوات في أكثر من عملية، وكان من بين أبرزها العملية التي عُرفت باسم "السبت الحزين"، والتي وقعت يوم السبت 30 مايو 1970 داخل إسرائيل، وأطلق عليها الإسرائيليون هذا الاسم بسبب الخسائر الكبيرة التي تكبدوها خلالها.
ولم تكن العملية في نظر التميمي منفصلة عن سياق كامل من المواجهة، إذ جاءت ردًا على التصعيد الإسرائيلي، بعدما بدأت إسرائيل في استهداف العمق المصري وتنفيذ عمليات ضد أهداف مدنية، من بينها مدرسة بحر البقر، في وقت كانت فيه البلاد تتحمل تداعيات العدوان وتعمل على إعادة بناء قواتها والاستعداد للمعركة المقبلة.
كانت الأوامر التي وصلت إلى القوات المصرية واضحة: تنفيذ عمل عسكري كبير للرد على هذه الاعتداءات وكبح جماح العدو ووقف استهداف الأهداف المدنية.
شارك التميمي في العملية، وشاهد نتائجها عن قرب، ويقول إن الخسائر التي تكبدتها إسرائيل دفعتها إلى الاستغاثة بالولايات المتحدة، وبعد العملية، أرسلت واشنطن وزير خارجيتها وليام روجرز، وطرحت ما عُرف لاحقًا بمبادرة روجرز للسلام، والتي تضمنت وقف إطلاق النار.
ويرى التميمي أن العملية مثلت تحولًا مهمًا في مسار حرب الاستنزاف، قبل أن يتم وقف إطلاق النار، لتبدأ القوات المسلحة مرحلة جديدة من العمل، تم خلالها بناء حائط الصواريخ ومواصلة التدريب والإعداد للمعركة التي كانت تتشكل في ذهن ووجدان الجيش المصري وهي "حرب أكتوبر".
ولم تكن ذكريات التميمي عن تلك مرحلة "ما قبل نصر أكتوبر" مرتبطة بالعمليات والخرائط وحدها، فقد بقيت لديه صور الأسرى الذين شارك في أسرهم، ولا يزال يحتفظ بصورهم وأسمائهم، حيث يقول إن هؤلاء الأسرى لم يتم تبادلهم إلا بعد حرب أكتوبر، من خلال عملية تبادل تمت تحت إشراف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.. وربما كان احتفاظه بهذه الصور جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة، مرحلة كان فيها الجندي المصري يعرف أن المواجهة المقبلة لن تكون سهلة، وأن ما يجري على الأرض ليس مجرد اشتباكات محدودة، وإنما إعداد طويل لمعركة تحتاج إلى تخطيط وتدريب وصبر وقدرة على تحمل الخسائر.
ثم جاء السادس من أكتوبر 1973، اليوم الذي تغير فيه شكل المنطقة وذاكرة المصريين.. كان التميمي واحدًا من رجال المجموعة 139 صاعقة، التي شاركت في عمليات خلف خطوط العدو، وكانت المهمة التي تدربوا عليها قبل الحرب تتطلب إبرار مجموعات خلف خطوط العدو لمنع قوات النجدة من الوصول إلى النقاط الحصينة في خط بارليف وتقديم الدعم لها، وكان المطلوب من هذه القوات أن تعطل قوات النجدة الإسرائيلية لمدة ست ساعات فقط، وهي مدة اعتبرتها القيادة كافية حتى تتمكن القوات المصرية من تنفيذ مهمتها، لكن ما حدث تجاوز كل التوقعات؛ فبدلًا من ست ساعات، تمكنت القوات من منع قوات العدو من الوصول إلى خط بارليف لمدة ستة أيام كاملة، وهو ما أتاح للقوات الرئيسية من المشاة والمدرعات وباقي الأسلحة إتمام مهمتها في العبور والوصول إلى النقاط الحصينة والسيطرة عليها.
كان السادس من أكتوبر بالنسبة للإسرائيليين، كما يصفه التميمي، بمثابة "زلزال"، خصوصًا أن خط بارليف كان يمثل بالنسبة إليهم منظومة دفاعية هائلة، وضعوا فيها إمكانات عسكرية وهندسية ولوجستية ضخمة، وروجوا لفكرة أن نقاطه الحصينة لا يمكن إسقاطها إلا باستخدام قنبلة ذرية، لكن عند الساعة الثانية ظهرًا، تبدلت الصورة، وعبرت القوات المسلحة القناة، وسقطت أجزاء من خط بارليف، وبدأت القوات الرئيسية في تثبيت مواقعها على الضفة الشرقية، بينما كان رجال الصاعقة يؤدون مهامهم في عمق مناطق العدو، إذ لم يكن الأمر مجرد مفاجأة عسكرية، وإنما انهيار لفكرة ظلت إسرائيل تبني عليها تصورها عن قدرتها على منع الجيش المصري من العبور.
ولهذا، لا يحب التميمي أن يتحدث عن "يوم النصر" باعتباره يومًا واحدًا، فالنصر، من وجهة نظر الرجل الذي عاش الحرب، لم يأتِ دفعة واحدة في لحظة واحدة، وإنما كان يتشكل مع كل مهمة تنجح، وكل نقطة حصينة تسقط، وكل خطوة جديدة تتقدم بها القوات المسلحة شرق القناة.
وبينما كانت المعركة الكبرى تتواصل، كانت هناك معركة أخرى أكثر خصوصية داخل حياة التميمي نفسه، معركة لم تكن لها علاقة بالخرائط أو الأهداف العسكرية، وإنما كانت مرتبطة بأخيه الوحيد، المقدم مهندس محمود التميمي الذي يكبر أخاه "محمد" بثلاث سنوات فقط، وكان يقاتل معه في القطاع نفسه.
لم يكن المقدم محمود التميمي مجرد شقيق بالنسبة له، بل كان أقرب رفيق يمكن أن يحمله معه في تلك الظروف، ولذلك عندما استشهد يوم 19 أكتوبر، لم تكن خسارة بقدر ما كانت فقدًا شخصيًا لا يمكن تعويضه.
يصف العقيد محمد التميمي استشهاد أخيه محمود بأنه كان أكثر قسوة لأن الحرب لم تأخذ من التميمي رفيقًا عسكريًا فحسب، بل أخذت أخاه الوحيد، حيث كان والدهما أيضًا رجلًا من رجال العمل الوطني، ومن فدائيي القناة منذ عام 1954، وقد عاش سنوات طويلة من حياته منشغلًا بالعمل الوطني إلى حد أنه تأخر في الزواج والإنجاب، ولم ينجب أبناءه إلا بعد أن تجاوز الخمسين، وحين جاء الأبناء، تعلق بهم بشدة، وكان يرى فيهم أطفالًا يحتاجون إلى رعايته، لذلك كان وصول خبر استشهاد محمود إلى هذا الأب في يوم عيد الفطر، ضربة أخرى لأسرة كان تاريخها نفسه مرتبطًا بالمقاومة والعمل الوطني والتضحية.
وفي تلك الأسرة، لم يكن محمود مجرد اسم شهيد يُذكر في المناسبات، وإنما أصبح اسمًا مستمرًا في الحياة، فقد أطلق العقيد البطل محمد التميمي اسم شقيقه الشهيد على ابنه، ليبقى محمود حاضرًا في البيت وفي العائلة، وليتحول الاسم من ذكرى مرتبطة بالحرب إلى حياة جديدة تحمل اسم الرجل الذي رحل.
وبعد أكثر من نصف قرن، لا يزال التميمي يستعيد تفاصيل أخيه، وكأن مرور السنوات لم ينجح في محو صورته من ذاكرته، ربما لأن بعض الغياب لا تقوى السنوات على إخفائه، خصوصًا عندما يكون الغائب أخًا وحيدًا، وشهيدًا في الحرب التي شاركا فيها معًا.
وحين يعود التميمي اليوم إلى الحديث عن أكتوبر، فإنه لا يرى أن القصة انتهت عند مشهد العبور أو سقوط خط بارليف، ويقول إن هناك صفحات كثيرة من الحرب لا تزال مطوية ولم تُفتح حتى الآن، وإنه من الضروري أن يعرف الشباب ما جرى، وأن يدرك الجيل الجديد أن ما تحقق لم يكن أمرًا سهلًا أو نتيجة لحظة واحدة، وإنما حصيلة سنوات من الاستعداد والتدريب والقتال والتضحيات.
لكن مهما امتد حديثه عن الاستعداد والصراع والمستقبل، تبقى قصة محمود هي أكثر ما يمنح رواية التميمي عن أكتوبر بعدها الإنساني.. ففي النهاية، الرجل الذي شارك في عمليات حرب الاستنزاف، وخاض عملية "السبت الحزين"، وكان أحد رجال المجموعة 139 صاعقة، وعاش العبور ومنع قوات العدو من الوصول إلى خط بارليف ستة أيام بدلًا من ست ساعات، لا يستعيد الحرب باعتباره بطلًا منفصلًا عن بقية الرجال، وإنما باعتباره واحدًا منهم، يحمل في ذاكرته وجوه الرفاق وأسماء الشهداء، ويحمل فوق ذلك كله وجه شقيقه الوحيد.
ولهذا تبدو حرب أكتوبر في رواية العقيد البطل محمد التميمي أكبر من انتصار عسكري وأطول من يوم في التقويم.. إنها سنوات بدأت بالالتحاق بالكلية الحربية حيث مصنع الرجال، ونضجت في حرب الاستنزاف، وبلغت لحظة العبور، ثم امتدت آثارها إلى البيوت التي استقبلت أبناءها، والبيوت التي انتظرت أبناءها ولم يعودوا.
وبينما يحتفل المصريون كل عام بذكرى النصر، يبقى من عاشوا الحرب من داخلها أكثر الناس إدراكًا أن وراء كل انتصار حكايات لا تظهر في الصور، وأن خلف كل اسم في قوائم الشهداء إنسانًا كان له أب وأم وأخ وبيت ينتظر عودته.
عندها فقط يمكن فهم معنى أن يقول أحد أبطال أكتوبر: "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر". فالحرب بالنسبة لمن عاشها لا تنتهي تمامًا بانتهاء إطلاق النار، لأن بعض المعارك تستمر داخل الذاكرة، وبعض الشهداء لا يغادرون أصحابهم أبدًا.
وعند الاستماع إلى قصة العقيد البطل محمد التميمي عن حرب أكتوبر وذكرياته خلالها يمكن فهم معنى الآية التي ظل يرددها: "فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"، فالحرب بالنسبة لمن عاشها لا تنتهي بانتهاء إطلاق النار، ولا تغلق صفحاتها بمجرد أن تتوقف المدافع؛ إذ تبقى بعض المعارك مستمرة في الذاكرة، وتبقى وجوه الشهداء حاضرة في تفاصيل الحياة.









