اسماء كامل تكتب : التربية بين الماضي والحاضر… صراع الأجيال ومساحة التوازن
لم تكن التربية في الماضي معقّدة كما هي اليوم؛ كانت تقوم في أغلبها على الأوامر المباشرة والالتزام، دون مساحة كبيرة للنقاش أو التفاوض. كلمة واحدة من الأب أو الأم كانت كافية للحسم، وكان الأبناء ينفّذون دون سؤال أو اعتراض، في إطار تحكمه العادات والتقاليد وحدود واضحة للجميع.
اليوم تغيّرت الصورة تمامًا. التربية الحديثة تقوم على الحوار والإقناع ومراعاة نفسية الطفل، وأصبح من الطبيعي أن يُسأل الطفل عن رأيه، وأن يُشرح له سبب كل قرار. هذا التحوّل، رغم إيجابياته، وضع الأهل أمام تحديات وضغوط لم يعتادوا عليها، خاصة الأجيال التي نشأت على أسلوب مختلف تمامًا.
جيل الثمانينات تحديدًا يعيش حالة من الصراع الداخلي؛ فهو يدرك أن بعض أساليب التربية القديمة كانت قاسية وتفتقر للاحتواء، لكنه في الوقت نفسه لا يشعر بالارتياح الكامل تجاه التربية الحديثة التي تتطلب صبرًا وطاقة ومرونة نفسية مستمرة. هذا الجيل وجد نفسه فجأة مطالبًا بأن يكون مربيًا، ومستمعًا، ومفاوضًا، وداعمًا نفسيًا في آنٍ واحد.
في الماضي، كان دور الأهل واضحًا وحدودهم ثابتة، أما اليوم فأصبح كل قرار محل نقاش، من مواعيد النوم إلى استخدام الأجهزة الإلكترونية. صحيح أن ذلك يساهم في بناء شخصية مستقلة وقادرة على التفكير، لكنه في المقابل يُشكّل عبئًا نفسيًا على الأهل، الذين يشعرون أحيانًا بأن سلطتهم التربوية أصبحت محل اختبار دائم.
التربية الحديثة، رغم نواياها الإيجابية، تطلب من الأهل جهدًا مضاعفًا؛ عليهم أن يشرحوا ويبرروا ويتحكموا في انفعالاتهم باستمرار، حتى في لحظات الإرهاق. هذا الاستنزاف العاطفي قد يدفع بعضهم للشعور بالعجز أو التقصير، رغم أنهم يبذلون أقصى ما لديهم.
المشكلة لا تكمن في الماضي وحده ولا في الحاضر وحده، بل في محاولة تطبيق أي أسلوب بشكل مطلق. التربية القديمة كانت تفتقر أحيانًا للحوار، بينما التربية الحديثة قد تفتقر للحسم. لذلك، فإن التوازن هو الحل الأكثر واقعية؛ مساحة للتعبير عن الرأي، يقابلها حدود واضحة لا تخضع للنقاش في كل وقت.
من المهم أن يتعلم الأبناء أن الحوار لا يعني غياب القواعد، وأن احترام رأي الطفل لا يلغي دور الأهل في اتخاذ القرار. وفي المقابل، يحتاج الأهل إلى الاعتراف بأن الزمن تغيّر، وأن أدوات التربية لا بد أن تتطوّر دون أن تفقد جوهرها.
في النهاية، التربية ليست معركة بين الماضي والحاضر، ولا اختبارًا دائمًا للأهل، بل رحلة مشتركة مليئة بالتحديات. النجاح فيها لا يعني الكمال، بل القدرة على التعلّم والتعديل المستمر، والبحث عن أسلوب يراعي احتياجات الأبناء دون أن يستنزف طاقة الأهل أو يُفقدهم ثقتهم بأنفسهم.


-6.jpg)



