"اليمن": تحرك رئاسي لوقف التصعيد في الجنوب
لم يكن الاجتماع الطارئ لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مجرد رد فعل على تطورات أمنية عابرة، بل شكّل لحظة فاصلة في مسار الصراع داخل المناطق المحررة، ورسالة سياسية واضحة مفادها أن مرحلة إدارة التناقضات بالسكون قد انتهت، وأن الدولة قررت استعادة زمام المبادرة.
فالقرارات التي خرج بها المجلس، وفي مقدمتها إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وإحالته إلى النائب العام، تمثل أخطر إجراء سياسي وقانوني منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. وهي قرارات تعكس انتقال الشرعية من منطق الاحتواء القلق إلى منطق المحاسبة الصريحة، بعد أن تجاوزت التحركات الأخيرة حدود الخلاف السياسي إلى تهديد مباشر للسلم الأهلي والمركز القانوني للدولة.
من الشراكة القسرية إلى كسر الخط الأحمر
منذ إدماج المجلس الانتقالي الجنوبي في إطار السلطة الشرعية، بدا واضحًا أن الشراكة لم تكن وليدة توافق سياسي، بل نتاج توازنات فرضتها ظروف الحرب وضغوط الواقع الإقليمي. غير أن هذه الشراكة ظلت مشروطة باحترام مرجعيات المرحلة الانتقالية، ووحدة القرار العسكري، وعدم تحويل المدن المحررة إلى ساحات صراع داخلي.
ما حدث أخيرًا كسر هذا الخط الأحمر. فوفق معطيات التحالف وبيانات مجلس القيادة، لم تعد المسألة خلافًا في الرؤى، بل تحركات عسكرية وتوزيع سلاح خارج إطار الدولة، ومحاولات لفرض أمر واقع بالقوة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
القرار العسكري… جوهر الدولة
إصرار مجلس القيادة الرئاسي على توحيد القرار العسكري والأمني ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل جوهر فكرة الدولة ذاتها. فلا دولة يمكن أن تقوم بجيش متعدد الولاءات، أو سلاح منفلت يخضع لحسابات سياسية ضيقة.
ومن هنا، فإن إحالة وزراء ومسؤولين للتحقيق، بالتوازي مع إسقاط عضوية شخصية بحجم الزبيدي، يعكس توجهًا لعدم الاكتفاء بالرمزية السياسية، بل الذهاب نحو تفكيك البنية التي سمحت بتغذية الفوضى، مهما كانت مواقع المتورطين.
السعودية… صمام التهدئة الأخير
في خضم هذا المشهد المعقد، يبرز الدور السعودي بوصفه عنصر الاتزان الأهم في منع الانزلاق إلى صدام داخلي واسع. فجهود الرياض لم تكن منحازة لطرف، بقدر ما كانت موجهة لحماية المدن والمدنيين، ومنع انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة الشرعية.
إشادة مجلس القيادة بهذا الدور ليست بروتوكولية، بل اعتراف بأن الاستقرار اليمني بات معركة سياسية بقدر ما هو معركة أمنية.
إلى أين يتجه المشهد؟
اليمن اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما ترسيخ منطق الدولة الواحدة والقرار الواحد،
أو العودة إلى دوامة الكيانات المسلحة المتصارعة داخل الشرعية نفسها.
القرارات الأخيرة تشير إلى أن مجلس القيادة اختار الطريق الأصعب، لكنه الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من مشروع الدولة. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة هذه القرارات على التحول من بيانات رسمية إلى أفعال ميدانية، تعيد الثقة للمواطن، وتؤكد أن الشرعية لم تعد غطاءً للفوضى، بل أداة لاستعادة النظام.


.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
