الجمعة 9 يناير 2026 | 05:00 م

د٠ محسن ل " مصر الآن "خامنئي لم يصعد المنبر وتردي الأوضاع الاقتصادية والفساد وراء ما يحدث في إيران


قال الدكتور محمد محسن أبو النور الباحث في الشؤون الإيرانية في تصريحات ل " مصر الآن "أن حقيقة مايحدث في إيران يندرج في عدة خطوات وهي :


1ــ على غرار المتوقع، ولأن الحدث جلل، لم يصعد المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، إلى منبر الجمعة يوم 9 يناير 2026م، للحديث حول الاحتجاجات الإيرانية، بل جاء خطابه من داخل قاعة مغلقة ومحصنة أمنيا مع عدد من عناصر الباسيج ورجال وسيدات النخبة في النظام السياسي للبلاد، وقد تحدث خامنئي كثيرا وملخص الحديث أن بلاده لن تتراجع عن مواقفها المناهضة لأمريكا قيد أنملة، وأن التخريب الراهن هو بفعل فاعل لم يحدث إلا إرضاء لترامب، وأن المخربين انطلقوا من المحافظات الحدودية إلى المحافظات المركزية للتخريب والترويع وأن نظامه سيتصدى لهم.

Image

2ــ على المنوال نفسه تحدث المجلس الأعلى للأمن القومي وقال إن الأحداث الأخيرة تحولت إلى مسرح لانعدام الأمن في البلاد بتوجيه من العدو الصهيوني وتدبيره، وأن كيان الاحتلال يواصل ممارسة الظلم بحق الإيرانيين من خلال المعارك المركبة، وأن كيان الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب الـ12 يوماً لم يتخلَّ عن رغبته في محاربة الشعب الإيراني.

3ــ في غضون ذلك لا تزال موجة الاحتجاجات التي اندلعت صباح الأحد 28 ديسمبر 2025م، من قلب بازار طهران الكبير، مستمرة لليوم الثالث عشر على التوالي، مدفوعة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية، في ظل مناخ داخلي وإقليمي ودولي شديد التعقيد، ما يجعلها مختلفة من حيث السياق عن معظم موجات الاحتجاج السابقة.

Image

4ــ وحتى صباح الخميس 8 يناير 2026م، كان أي مراقب منصف ومحايد يعتقد أن شح المعلومات والبيانات الدقيقة حول تلك الاحتجاجات يجب أن يتزامن مع الصبر التحليلي، بحيث يتفاعل المحلل مع سلوك النظام السياسي، فطالما أن الدولة لم تنشر الحرس الثوري ولم تقطع الإنترنت فإن تقديرها للموقف يقوم على أن المظاهرات في طور محدود وأنه يمكن احتواؤها.

5ــ ثم تصاعدت الأحداث بوتيرة متسارعة للغاية، ومنذ مساء الخميس 8 يناير لم أتمكن شخصيا من التواصل مع أصدقائي الإيرانيين ولا مع مصادري الموثوقين في البلاد، كما لم أتمكن صباح الجمعة 9 يناير 2026م، من الدخول إلى أي موقع إخباري إيراني بداخل البلاد.

6ــ بالتالي فإن المصدر الوحيد للمعلومات هو مواقع التواصل الاجتماعية الإيرانية التي يستخدم روادها خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية "ستارلينك" تلك التي أتاحها إيلون ماسك مجانا للإيرانيين، إلى جانب المواقع الإخبارية الغربية والممولة غربيا وهي مناهضة للنظام السياسي في البلاد وهي تعمل على تضخيم الموقف وتأجيج الأوضاع الداخلية في إيران.

7ــ غير أن التطور الأبرز هذه المرة أن المظاهرات الداخلية تتزامن مع احتقان إقليمي ودولي وتدخل معلن من جانب الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية في ظل حديث أمريكي عن أن "ترامب ليس أوباما"، فقد كان أوباما (2009 ــ 2017م) يرفض التدخل في أي عمل احتجاجي إيراني أو حتى في عمل عسكري ضد إيران، مخافة أن يعمل التدخل الخارجي على توحيد المجتمع الإيراني "الممزق" خلف النظام السياسي في البلاد.

8ــ والمجتمع الإيراني ممزق حقا بفعل طبقات العقوبات الأمريكية والدولية المركبة والمعقدة التي حالت دون حصول المواطن البسيط على أبسط احتياجاته من الدواء والطعام والتطور الطبيعي الذي من المفترض أن تحظى به أمة كبرى مثل الأمة الإيرانية.

Image

9ــ ولقد ساعدت سياسات النظام الإيراني في السنوات السبع والأربعين الماضية على مساعدة العقوبات على فعل أفاعيلها في هذه الأمة الإيرانية من حيث استشراء الفساد المحمي سياسيا واختيار ذوي الثقة وليس ذوي الكفاءة للحكم في المواقع التنفيذية العليا وإقصاء كل من لا ينتمي إلى المذهب الشيعي، مع قليل جدا من الاستثناءات في عهد بزشكيان حيث تم تعيين محافظ سني كردي في كردستان، ومحافظ سني بلوشي في سيستان بلوشستان، وتعيين  الأميرال شهرام إيراني قائدا عاما للقوات البحرية للجيش الإيرانين في عهد إبراهيم رئيسي عام 2021م.

10ــ نعود مرة أخرى إلى الفارق بين أوباما وترامب، فترامب، رئيس له قناعات على العكس من قناعات أوباما كما أن إدارته والرجال الذين هم حوله ليسوا مثل الرجال الذين كانوا حول أوباما، والظرف الدولي الراهن، ليس هو الظرف الدولي الذي أحاط بقرارات أوباما الإستراتيجية، وبالتالي فترامب يؤمن بالتدخل العنيف في البلدان المختلفة وهو ما رأيناه في إيران يونيو 2025 وفنزويلا 2026م، وغيرهما.

11ـ على الجانب الآخر من المشهد تمثل خطاب السلطة في دعوة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلى التفريق بين "الاحتجاج" و"الشغب"، وقد اعتبر الرجل الذي يحكم البلاد فعليا منذ 1989م، أن الاحتجاج أمر صائب ويمكن الحوار بشأنه، في حين لا جدوى من التحدث مع من يلجأ إلى التخريب، وهي رسالة مزدوجة تجمع بين محاولة الاحتواء السياسي والتمسك بالردع الأمني.

12ــ في السياق نفسه، شدد الخطاب الرسمي على أن "البازار" وأصحابه من أكثر الفئات ولاء للنظام، وأنه لا يمكن استخدام اسم التجار والبازار لمواجهة الجمهورية الإسلامية، مع تحميل "العدو" (أي: أمريكا وأوروبا، ووكيلتهما: إسرائيل) مسؤولية ارتفاع سعر العملة، التي وصلت إلى أن يكون كل دولار أمريكي واحد يضاهي مليون ونصف المليون ريال إيراني، في مقابل إقرار لافت من الرئيس مسعود بزشكيان بأن الحكومة والبرلمان يتحملان معا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع.

13ــ ولتوضيح موضوع العملة الإيرانية: تخيل مثلا كمواطن مصري يقرأ هذا أن يصل سعر كل دولار أمريكي إلى مليون ونصف المليون جنيه مصري.. هل شعرت الآن بالمواطن الإيراني؟!

14ــ أما مجتمع الخبراء في إيران فيرى بوضوح أن النظام يواجه هذه المرة موجة احتجاجية ذات طبيعة مختلفة، بفعل تزامن الأزمة الاقتصادية الخانقة مع تصاعد التهديدات الخارجية، سواء من جانب الولايات المتحدة في عهد ترامب أو محاولات إسرائيل استغلال الوضع الداخلي، إضافة إلى العقوبات وتقليص هامش حركة وكلاء إيران في الإقليم، في ظل أحاديث عن هجمة إسرائيلية موسعة تستهدف القضاء التام على حزب الله في جنوبي لبنان.

15ــ ومن الواجب في هذا الصدد التأكيد على أن الغضب الشعبي الإيراني حقيقي وغير مصطنع، ولا يرتبط فقط بالمعيشة، بل تغذيه أيضا ملفات فساد تتعلق بكبار المسؤولين وعائلاتهم، وترسخ قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة جدا من المجتمع بأن أجزاء من السلطة تنتفع من الأزمة عبر الالتفاف على العقوبات والسيطرة على التجارة وتحويل العائدات إلى الخارج وغسل الأموال، ما عرف في الأوساط الإيرانية وخاصة الإصلاحية بطبقة "تجار العقوبات".

16ــ وقد ذاع في السنوات والأشهر الأخيرة قضيتا "چاي دبش" و"بابك زنجاني"، وهما قضيتا فساد كشف القضاء الإيراني أنهما أديتا إلى خسائر بمليارات الدولارات من أموال الشعب الإيراني وحوكم في إحدى القضيتين وزيرين في الحكومة وأدينا بالفعل، ويقول المجتمع الإيراني إن مثل هذه القضايا لم تكن لتحدث لولا أن هناك غطاء سياسيا أعلى في البلاد يحمي مثل هؤلاء الفسدة.

17ــ صحيفة "اعتماد" الإصلاحية سلطت الضوء على أوجه الخلاف بين الاحتجاجات الراهنة واحتجاجات السنوات السابقة، وطرحت تساؤلا مركزيا: كيف انتقل المجتمع من حالة تضامن نسبي بعد الحرب الإسرائيلية في الأيام الإثني عشر إلى موجة احتجاج جديدة؟ وما الذي تغير في المزاج العام بهذه السرعة؟! وكانب الإجابة: إخفاق الحكومة في معالجة المشاكل الهيكلية الاقتصادية وعدم وجود حلول جذرية لتداعيات الاقتصاد المتردي على الحياتين الاجتماعية والمعيشية.

18ــ ويرى مجتمع الخبراء في إيران أن جميع الاحتجاجات في إيران تمتلك قابلية التحول إلى احتجاجات سياسية، بسبب غياب القنوات القانونية للاحتجاج، من بين من يرى بذلك المحلل السياسي عباس عبدي، الذي يعتبر أن النظام لم يستثمر لحظة الوحدة الوطنية بعد الحرب لإجراء إصلاحات حقيقية، ما أدى إلى عودة المزاج الشعبي الغاضب سريعا إلى ما قبلها.

19ــ بالتالي يمكن القول إن الاحتجاجات الحالية كانت متوقعة من حيث المبدأ، لكنها فاقت التوقعات من حيث الحجم والانتشار، إذ بدأت بمطالب اقتصادية، غير أن طبيعة الشعارات وأساليب الاحتجاج توحي بطابع سياسي، لكن تصعيد العنف والقمع من جانب النظام ــ خاصة ضد الشبان السلميين من أبناء الطبقات الوسطى ــ قد يقلب المشهد رأسا على عقب.

20ــ شخصيا أرى أن هذه الاحتجاجات تتميز بخصائص لافتة، أبرزها انتشارها في مدن صغيرة، والصمت النسبي لكبار المشاهير، وغموض المطالب المرفوعة، وعدم وجود قيادة واحدة عليا تتحدث باسم الناس؛ ما يعكس تعقيدا اجتماعيا لا يسمح بتحليل تقليدي أو اختزال الظاهرة في سبب واحد، كما أنها ترفع للمرة الأولى في بعض المدن مطلب عودة الأسرة البهلوية المشهود لها بالفساد العميق، والتي ثار عليها آباء المتظاهرين الحاليين وأجدادهم.

21ــ كما أن مشهد الملثمين في مقاطع الفيديو الموجودة على منصات التواصل الاجتماعية الذين أضرموا النار في عناصر قوى الأمن الداخلي وانتشار مشاهد إحراق السيارات والمتاجر، معناه ببساطة أن هناك عناصر مأجورة من جانب أجهزة استخبارات إسرائيلية وغربية تعمل على تحويل المظاهرات من طابعها السلمي المخملي والياسميني، إلى الطابع العنيف لإجبار النظام على التدخل العنيف وبالتالي يستتبع ذلك تدخلا أمريكا عسكريا.

22ــ عالم الاجتماع الإيراني الشهير، سعيد معيد فر، حذر في مقابلة مع صحيفة "دنياي اقتصاد" الإصلاحية، من أن انخفاض الأمل الاجتماعي وتآكل الثقة بالمستقبل وضرب الانسجام المجتمعي عوامل ترفع احتمالات العنف، مؤكدًا أن المجتمعات التي لا ترى أفقا ولا قنوات تعبير سلمية قد تنزلق تدريجيا إلى الصدام، خاصة حين تلجأ السلطة إلى القوة كخيار وحيد للحفاظ على السيطرة.

23ــ كما أن اندلاع احتجاجات في مدن صغيرة على غرار أزنا في محافظة لرستان ولردغان في تشارمحال وبختياري وملكشاهي في محافظة إيلام وني ريز في محافظة فارس يكتسب أهمية اجتماعية لأن المدن الصغيرة تتمتع عادة بصلات اجتماعية أوثق وصلات قرابة أكبر وطاقة أقل للعمل الاحتجاجي، كما يعني أن هناك كبتا في طول البلاد وعرضها جرى تفجيره في وجه النظام السياسي.

24ــ وهناك نقطة في منتهى الأهمية لفت إليها الكاتب المعارض في صحيفة هم‌ميهن الإصلاحية، أحمد زيد آبادي، وهي أن الحكومة لم تحدد قانونا يتيح الاحتجاج السلمي ويشرعنه، كما أن التلفزيون الرسمي لا يسمح لأصوات الناس بالوصول إلى المسؤولين، فضلا عن أداء بعض المسؤولين ومنهم وزير الخارجية عباس عراقجي الذي حمل أمريكا وحدها مسؤولية تدهور الأوضاع داخليا، وبالتالي كان الحل الوحيد أمام المجتمع هو النزول إلى الشوارع طالما أنه لا يتمكن من التعبير عن رأيه وأنه لا يجد في الحكومة من يعبر عن همومه بصدق. 

25ــ الخلاصة أن الاحتجاجات الراهنة لا يمكن فهمها باعتبارها موجة مطلبية عابرة أو مؤامرة خارجية مكتملة الأركان، بل هي نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع والضغوط الدولية، في لحظة دقيقة يمر بها النظام والمجتمع الإيراني معا، وكما جرت العادة في الحالة الإيرانية، يبقى الثابت الوحيد هو صعوبة التنبؤ بالمسارات النهائية، في ظل قابلية المشهد للتحول السريع، صعودا أو احتواء، وفق طريقة إدارة السلطة للأزمة وحدود صبر المجتمع، مع ميل تحليلي إلى قدرة النظام على احتواء تلك الاحتجاجات بإجراءات سياسية وأمنية معا.

استطلاع راى

هل تؤيد تقنين حضور المصورين للجنازات؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 5780 جنيهًا
سعر الدولار 47.59 جنيهًا
سعر الريال 12.69 جنيهًا
Slider Image