على حدود غزة تُكتب حكايات لا تُروى… أبطال مصريون مجهولون يقودون قوافل الحياة
بين رفح وغزة، وعلى طرق محفوفة بالمخاطر والانتظار الطويل، يتحرك أبطال لا تظهر أسماؤهم في العناوين، لكن بصماتهم حاضرة في كل كيس غذاء وعلبة دواء وخيمة إيواء تصل إلى أهالي القطاع. هم جنود العمل الإنساني المجهولون، الذين يجسدون في صمت معدن المصريين الحقيقي وقت الشدائد.
من شمال سيناء إلى القاهرة والدلتا والصعيد، توافد متطوعون وسائقون ومسؤولون عن التنظيم والتجهيز، يعملون ليلًا ونهارًا لإيصال المساعدات إلى الفلسطينيين المتضررين من الحرب والحصار، في ملحمة إنسانية متواصلة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات على الحدود المصرية – الفلسطينية.
متطوعون: الدافع إنساني قبل أي شيء
يقول عمار صلاح، مسؤول المتطوعين بمؤسسة «مصر الخير» في شمال سيناء، إن أبناء المحافظة كانوا في مقدمة الصفوف منذ اللحظة الأولى، بحكم قربهم الجغرافي والإنساني من قطاع غزة.
وأوضح أن الفرق التطوعية بدأت العمل فور السماح بالتواجد في معبر رفح، منذ 14 أكتوبر 2023، للمشاركة في تنظيم وتجهيز المساعدات بالتنسيق مع الجهات المعنية، مؤكدًا أن ما يدفع الجميع هو الإحساس المباشر بالمأساة الإنسانية على الجانب الآخر من الحدود.
وأضاف أن العمل لم يقتصر على إدخال المساعدات، بل امتد إلى استقبال المصابين الفلسطينيين ومرافقيهم، وتوفير الإعاشة اليومية لهم، مشددًا على أن التطوع في هذه الظروف مسؤولية مستمرة لا ترتبط بمدة زمنية.
عبارات على الأجولة… ورسائل أمل
من جانبها، شاركت أسماء محمد، إخصائية اجتماعية بجمعية «الباقيات الصالحات»، في تجهيز القوافل، مؤكدة أن أكثر اللحظات تأثيرًا كانت كتابة العبارات الداعمة على أجولة المساعدات، ورسم علم فلسطين، في محاولة لنقل رسالة تضامن تتجاوز حدود الكلمات.
وأوضحت أن التجربة غيّرت نظرتها للحياة، وجعلتها تدرك الفارق الكبير بين متابعة الأزمات من خلف الشاشات، والاقتراب الحقيقي من معاناة البشر على الأرض.
أما محمد ريشة، خريج نظم ومعلومات إدارية من القاهرة، فيصف مشاركته في قوافل غزة بأنها التجربة الأصعب والأكثر تأثيرًا، نظرًا لكونها موجهة لأشخاص يعيشون بلا مأوى أو غذاء أو مياه نظيفة منذ أكثر من عامين.
وأشار إلى أن تجهيز القوافل يتطلب مجهودًا شاقًا يمتد لساعات طويلة أو أيام كاملة، خاصة عند التعامل مع شحنات ضخمة، لافتًا إلى مشاركته في قافلة بلغ حجمها 150 طنًا من المساعدات.
الهلال الأحمر: فحص وتجهيز يومي بلا توقف
وأكد أحمد عزت، مدير فرقة الطوارئ بالهلال الأحمر المصري، أن فرق الجمعية تعمل بشكل متواصل منذ اندلاع الحرب في 2023، لتقديم الدعم الإغاثي لسكان غزة، بالتنسيق الكامل مع الهلال الأحمر الفلسطيني.
وأوضح أن دخول فصل الشتاء زاد من أهمية التنسيق لتحديد الاحتياجات العاجلة، وعلى رأسها الغذاء، والخيام، ومشمعات الأمطار، والمستلزمات الأساسية.
وأضاف أن جميع المواد تخضع لفحص دقيق يومي لضمان صلاحيتها قبل التعبئة والإرسال، مشددًا على أن أي عائق أو تأخير يتم التعامل معه فورًا للحفاظ على استمرارية العمليات الإغاثية.
وأشار إلى أن المساعدات تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: مواد غذائية، ومستلزمات إيواء ونظافة شخصية، ومستلزمات طبية تشمل الأدوية والمعدات المعتمدة.
السائقون… طريق محفوف بالصبر
وعلى الطرق المؤدية إلى المعابر، يقود السائقون شاحناتهم بصبر وإصرار. يقول محمد منصور، سائق من محافظة الشرقية، إن عمله في قوافل غزة منحه شعورًا خاصًا بالمسؤولية، رغم المخاطر والتفتيش المتكرر وتأجيل الدخول في كثير من الأحيان.
وأكد أنه لم يشعر بالخوف، حتى مع تعرض بعض السيارات لأضرار، مشيرًا إلى أن لحظة وصول المساعدات تجعل كل التعب يزول.
أما إبراهيم البلتاجي، سائق من كفر الشيخ، فأكد أن أكثر ما أثر فيه هو صبر الفلسطينيين وإيمانهم العميق، رغم الفقد والدمار، معتبرًا أنهم يقدمون درسًا حقيقيًا في الصبر والتحمل.
رسالة إنسانية لا تنقطع
وسط هذا الجهد المتواصل، تتشكل صورة واضحة: مصر لا تكتفي بالمواقف السياسية، بل تترجم دعمها لغزة على الأرض، عبر متطوعين وسائقين ومسعفين ومنظمين يعملون بصمت، ليؤكدوا أن العطاء المصري لا يعرف حدودًا، وأن الإنسانية تظل حاضرة مهما اشتدت الأزمات.
