عزام لـ " مصر الآن" البحر الأحمر يحتدم السعودية تستعيد "زمام المبادرة" في مواجهة الإمارات
قال الكاتب الصحفي حسن عزام في تصريح لـ " مصر الآن" تبدو المملكة العربية السعودية أكثر إصراراً من أي وقت مضى على التحرك على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، وهي منطقة تعتبرها ملاذاً حيوياً لأمنها القومي في مواجهة منافستها الإمارات العربية المتحدة، ورافعة رئيسية لتنميتها الاقتصادية. هذا الإصرار يتجلى في صحوة دبلوماسية سعودية واسعة في القرن الأفريقي، تأتي متزامنة مع تصاعد التنافس الخليجي في اليمن الذي بات يتجاوز حدوده الإقليمية ليشهد مواجهة مكشوفة ومتعددة الجبهات. ففي الأيام الأخيرة من عام 2025، شهدت المنطقة نقطة تحول حاسمة في العلاقات السعودية-الإماراتية، حيث تفجر التنافس المكتوم على مدى سنوات إلى صدام علني في اليمن، مما كشف عن أجندات إقليمية متعارضة وضعت البلدين في مسار تصادمي يمتد من شواطئ اليمن إلى موانئ القرن الأفريقي.
وأضاف عزام أن الصراع اليمني، الذي انطلق التدخل العسكري المشترك فيه عام 2015 ضد الحوثيين المدعومين من إيران، بات اليوم ساحة للمواجهة المباشرة بين الرياض وأبوظبي. ففي 30 ديسمبر 2025، نفذت السعودية غارات جوية على ميناء المكلا استهدفت شحنات أسلحة قالت إن الإمارات سلمتها لمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، وهو المجموعة التي تسعى لاستقلال جنوب اليمن. وجاء الرد السعودي حاسماً ومفاجئاً، حيث وصفت وزارة الخارجية السعودية هذا التحرك بأنه تهديد مباشر للأمن القومي السعودي و”خط أحمر” لن تتردد الرياض في مواجهته. وفي خطوة غير مسبوقة، أصدر رئيس المجلس الرئاسي اليمني رشاد العليمي، المدعوم سعودياً، مرسوماً بإلغاء اتفاقية الدفاع المشتركة مع الإمارات وطالب بسحب القوات الإماراتية خلال 24 ساعة. وعلى الرغم من رفض أبوظبي الاتهامات وإعلانها إكمال انسحاب قواتها في 3 يناير 2026، فإن الواقع يشير إلى أن الخلاف قد تجاوز مرحلة التغطية الإعلامية إلى صدام جيوستراتيجي صريح.
وأشار إلى أن ما يميز هذا التصعيد أنه لم يكن مجرد خلاف عابر، بل نتيجة لتراكمات استراتيجية عميقة. فالإمارات، بعد تقليص وجودها العسكري المباشر في اليمن عام 2019، تحولت إلى نموذج الاشتباك غير المباشر عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد شكل هذا المجلس، الذي تأسست عام 2017، أداة رئيسية لتحقيق الرؤية الإماراتية البحرية الواسعة عبر البحر الأحمر وقرن أفريقيا. فقد سعت أبوظبي إلى ضمان الموانئ وعقد اللوجستيات للسيطرة على طرق التجارة الحيوية وترسيخ مكانتها كمحور تجاري وأمني عالمي. وفي اليمن، أقامت السيطرة على موانئ بحرية وجزر استراتيجية، وطورت البنية التحتية للمطارات واللوجستيات في البحر الأحمر وخليج عدن. وقد تمكنت من ذلك جزئياً لأن الرياض كانت قد تراجعت تدريجياً عن اليمن تحت ضغوط أمنية واقتصادية وسياسية متزامنة.
وأضاف الكاتب إلا أن السعودية كانت تدرك أن التوسع الإماراتي في المهرة وحضرموت يمثل أكثر من مجرد نفوذ إقليمي. فالمنطقتان تمثلان العمق الاستراتيجي للمملكة في شرق اليمن، إذ تشكل المهرة بوابة الرياض المباشرة إلى المحيط الهندي، بينما يشترك الحدود مع حضرموت الممتدة 700 كيلومتراً. وقد سعت السعودية لسنوات لتطوير خط أنابيب نفط من المنطقة الشرقية عبر المهرة إلى الساحل، وهو مشروع يقلل من اعتماد المملكة على مضيق هرمز، ويحد من قدرة إيران على ممارسة نفوذ على الصادرات النفطية السعودية. وعندما رفض المجلس الانتقالي مطالب سعودية بالانسحاب من المنطقتين وتسليم مواقعه لقوات الدرع الوطني المدعومة سعودياً، قررت الرياض التدخل عسكرياً مباشراً لأول مرة لإزاحته من شرق اليمن.
وقال أن هذا التدخل السعودي الحاسم أعاد رسم المشهد السياسي بسرعة مذهلة. فقد تحركت قوات الدرع الوطني بغطاء جوي سعودي وأعادت فرض السيطرة على حضرموت والمهرة بمقاومة ضئيلة. ونظراً لطبيعة الفاعلين اليمنيين البراغماتية، انضم أعضاء من المجلس الرئاسي المدعومين إماراتياً إلى دعوة السعودية لحوار جنوبي-جنوبي في الرياض، كما أيد المجلس الانتقالي نفسه هذه المبادرة. وهذا يؤكد حقيقة مركزية: رغم أن الإمارات بنت نفوذاً عميقاً عبر شركاء محليين، إلا أن السعودية تظل الفاعل الخارجي الحاسم في اليمن.
وأوضح أن صحوة الرياض الدبلوماسية لم تتوقف عند حدود اليمن. فبعد الإعلان عن سحب الإمارات من اليمن في 30 ديسمبر 2025، التقى وزراء خارجية السعودية وعُمان في الرياض لمناقشة الموقف في اليمن وسبل خفض التصعيد. كما عقدت السعودية وإيران والصين اجتماعاً ثلاثياً عبرت فيه عن دعمها لحل سياسي “شامل” في اليمن. وهذه التحركات تعكس إعادة تموضع إقليمية تتجاوز الإمارات، حيث تجمعت دول مثل قطر ومصر وتركيا ودول القرن الأفريقي حول دعم وحدة اليمن وسيادته.
الانقسام السعودي-الإماراتي في اليمن يعكس صراعاً أوسع على النفوذ في القرن الأفريقي وعلى أهم الممرات البحرية الحرجة. فالرياض تفرض نفسها بشكل متزايد عبر الدبلوماسية والنفوذ المالي والتعاون الإقليمي، حيث أطار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان السلطة السعودية حول خفض التصعيد وبناء التحالفات مع اعتبار البحر الأحمر جزءاً أساسياً من تنفيذ أجندة رؤية 2030 الطموحة. على النقيض من ذلك، اعتمدت الإمارات نهجاً أكثر أمنية عبر شبكات مسلحة والسيطرة على الموانئ الاستراتيجية والوكلاء المحليين لتشكيل النتائج على الأرض، وهو النموذج الذي يتجاوز السلطات المركزية ويتصادم بشكل متزايد مع أولويات السعودية القائمة على العمل عبر الحكومات المركزية والتنسيق الدبلوماسي.
هذا التباين يتجلى بشكل حاد في السودان، حيث دعمت الإمارات قوات الدعم السريع ضد القوات المسلحة السودانية في الحرب الأهلية المتفجرة منذ أبريل 2023، بينما كثفت السعودية جهودها الدبلوماسية لتشكيل نتيجة الصراع. فخلال زيارته إلى واشنطن في نوفمبر 2025، عرض ولي العهد السعودي على الرئيس ترامب ضرورة التوصل إلى تسوية في السودان، ما أثار استياء أبوظبي. وبعد أسبوعين من تلك الزيارة، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي حملته شرقاً، فيما يرى بعض المراقبين أنه رد إماراتي على تحركات السعودية في السودان.
وأشار إلى أن العامل الإضافي الذي عجل بالموقف السعودي الحاسم كان اعتراف إسرائيل بصوماليلاند في نهاية ديسمبر 2025. وقد كانت الإمارات أول دولة عربية توطن العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقات أبراهام، وكانت العضو العربي الوحيد في جامعة الدول العربية الذي لم يصوت ضد هذا الاعتراف. ردت السعودية ببيان شديد اللهجة يرفض التطبيع مع “كيانات موازية” تقوّض سيادة الدول ووحدتها، معربة عن قلقها من أن يسمح هذا السابقة بتشجيع حركات انفصالية مماثلة، بما في ذلك على حدودها الجنوبية.
عبر البحر الأحمر، تعمل السعودية على بناء محور إقليمي جديد يضم مصر وتركيا والقرن الأفريقي. فقد عقد ولي العهد السعودي لقاءات منفصلة مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي وقائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان في الرياض، وهما من أشد المنتقدين للتدخل الإماراتي في القرن الأفريقي. وتوسعت هذه المبادرات إلى دبلوماسية إقليمية أوسع، حيث التقى وزير الخارجية السعودي مع نظيره المصري لمناقشة اليمن والسودان والصومال، فيما عقد ولي العهد محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أيد سيادة ووحدة اليمن والصومال.
وقال إن المحور الجديد يتجسد في إبرام اتفاقيات ملموسة. ففي الصومال، صدقت حكومة مقديشو على اتفاقية بحرية شاملة مع السلطة السعودية العامة للنقل، تدمج الصومال في إمبراطورية لوجستية سعودية عبر استثمارات في ميناء لاسخوراي في بونتلاند كموازن اتحادي لميناء برطعة الذي تهيمن عليه الإمارات. وتوازياً، عمّقت السعودية علاقاتها مع جيبوتي، حارس المضيق المضيف لقواعد أمريكية وفرنسية وصينية يابانية، من خلال صفقات دبلوماسية مينائية تضمن النفوذ الاقتصادي السعودي لمواجهة النفوذ الإماراتي والصيني. وفي إريتريا، حصلت أسمارا على مساعدات مالية كبيرة من الرياض لموانئها الاستراتيجية كمصوع، مما يعزز المحور الجنوبي للتحالف.
وأشار إلى أن دور تركيا في هذا المحور يمثل نقطة تحول استراتيجية. فعلى الرغم من الخلافات المصرية-التركية حول المناطق الاقتصادية الحصرية في المتوسط وقضايا الإخوان المسلمين، فإن الوساطة السعودية جسّرت هذه الفجوات. وقد تعهد أردوغان خلال مكالمة مع ولي العهد السعودي بتعميق التعاون في “مراقبة التطورات الصومالية” وتسهيل المصالحة اليمنية. وتجلى التصعيد التركي في إنشاء قاعدة في بورتسودان، مما يعزز المحور السوداني ويردع الاضطرابات الحوثية والطموحات البحرية الإماراتية.
التحديات الماثلة أمام هذا المحور لا تقل خطورة. ففي اليمن، قد يسهم التقارب بين السعودية وعُمان وقطر وإيران في تسهيل التوصل إلى تسوية سياسية، لكن دون قيود فعالة على القدرات العسكرية الحوثية، فإن أي تسوية قد تشجع المجموعة على مزيد من التصعيد. وفي القرن الأفريقي، تبرز بوادر محور إقليمي جديد يجمع مصر وتركيا والسودان وإريتريا والصومال حول دعم السيادة الوطنية ومواجهة الديناميات الانفصالية والوكيلة. ومع أن هذا التحالف لا يصل إلى مستوى الحلف الرسمي، إلا أنه يعكس تكاملاً في المصالح المشتركة حول الهشاشة والتدخل الخارجي وتآكل السلطة المركزية.
المخاطر التي تحيط بمضيق باب المندب ومضيق هرمز، حيث تمر نسبة كبيرة من الشحنات النفطية والتجارة العالمية، تزيد من إلحاح هذه التطورات. فأي تصعيد محدود بين السعودية والإمارات، وهما من أكبر مصدري النفط في العالم، سيراقبه سوق الطاقة عن كثب. والأخطر من ذلك أن التنافس قد يؤدي إلى تفاقم النزاعات القائمة ويعمق عدم الاستقرار عبر ممر بحري استراتيجي بالغ التقلب أصلاً.
في النهاية، تكشف هذه التطورات أن السعودية لم تعد ترضى بالدور المساند، بل تسعى لإعادة تعريف قواعد النظام الإقليمي. فهي تتحرك من خلال دبلوماسية نشطة ونفوذ مالي وحشد إقليمي لبناء محور يحمي مصالحها الاستراتيجية ويضمن أمن حدودها ويخدم رؤيتها الاقتصادية الطويلة الأمد. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الرياض قادرة على ترجمة الإشارات الدبلوماسية إلى دعم سياسي واقتصادي وأمني مستدام للمؤسسات الوطنية، أم أن التنافس الخليجي سيستمر في إذكاء نيران الصراعات وتفتيت دول المنطقة. فالمملكة تدرك أن سيطرتها على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر ليست مجرد امتداد استراتيجي، بل ضرورة وجودية لأمنها القومي ورفاهيتها الاقتصادية في العقود المقبلة.






-13.jpg)
