قصة الـ500 مليون الضائعة.. شهادة ميرفت التلاوي تفتح أخطر ملفات أموال المعاشات
في واحدة من أكثر الشهادات جرأة ووضوحًا، أعادت السفيرة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية الأسبق، فتح ملف شائك ظل لسنوات طويلة حبيس الكواليس، كاشفة تفاصيل صادمة عن ضياع 500 مليون جنيه من أموال أصحاب المعاشات، في واقعة تطرح تساؤلات عميقة حول كيفية إدارة أموال المصريين الأكثر احتياجًا للحماية والرعاية.
التلاوي، خلال حديث متداول عبر مقطع فيديو، سردت وقائع ما جرى داخل أروقة الحكومة في فترة حساسة، حين طُرح مقترح توجيه أموال التأمينات إلى البورصة، ليس باعتبارها استثمارًا مدروسًا يحقق عائدًا آمنًا لأصحاب المعاشات، ولكن – بحسب روايتها – بهدف تحسين صورة المؤشرات الاقتصادية أمام القيادة السياسية.
وأكدت وزيرة التأمينات الأسبق أنها رفضت هذا التوجه منذ اللحظة الأولى، مشددة على أن أموال المعاشات لا يجب أن تكون أداة لإنعاش البورصة، بل يجب توجيهها إلى مشروعات إنتاجية حقيقية تدر عائدًا مستدامًا يضمن كرامة الملايين من أصحاب المعاشات. إلا أن هذا الرفض لم يمنع – وفقًا لشهادتها – تمرير القرار، ليتم سحب 500 مليون جنيه من أموال التأمينات، ومنحها لمستثمر واحد في البورصة، لتنتهي القصة بخسارة المبلغ بالكامل.
وتروي التلاوي أنه مع عودة الدكتور كمال الجنزوري لرئاسة الحكومة لاحقًا، طُرح الطلب مجددًا لضخ أموال جديدة في البورصة، لكنها وضعت شرطًا حاسمًا: أن تتولى بنفسها إدارة عملية التوزيع، وبآلية رقابية صارمة. وبالفعل، جرى توزيع الأموال على 12 شركة مسجلة في البورصة، مع الاستعانة بوزير مالية سابق لمتابعة حركة الأسهم وضمان عدم تكرار سيناريو الخسارة.
ولم تتوقف الخلافات عند هذا الحد، إذ كشفت التلاوي عن صدام آخر يتعلق ببرنامج الخصخصة، مؤكدة أنها كانت قد استثمرت جزءًا من أموال التأمينات في شركات رابحة مثل الاتصالات، ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، وحديد الدخيلة. وعندما تقرر طرح هذه الكيانات للبيع، طالبت بأن تشتريها هيئة التأمينات لصالح أصحاب المعاشات، معتبرة أن عوائد هذه الشركات كانت كفيلة بنقل الملايين من أصحاب المعاشات إلى مستوى معيشي أفضل.
وتضيف التلاوي بلهجة لا تخلو من مرارة: “قلت لهم بدل ما الأرباح الضخمة دي تروح لفرد واحد، خلوا 8 ملايين صاحب معاش هما المستفيدين الحقيقيين”، لكن المقترح قوبل بالرفض، بدعوى أنه قد يشجع المواطنين على ترك العمل والتوجه المبكر للمعاش.
شهادة ميرفت التلاوي لا تكشف فقط عن واقعة مالية بعينها، بل تفتح نقاشًا أوسع حول فلسفة إدارة أموال التأمينات، وحدود المخاطرة المقبولة حين يكون أصحاب المعاشات هم الطرف الأضعف. كما تعيد طرح سؤال لا يزال مطروحًا بقوة: هل كانت أموال المعاشات تُدار بعقلية استثمارية تحمي حقوق أصحابها، أم خضعت في بعض اللحظات لحسابات سياسية واقتصادية ضيقة؟
ما قالته وزيرة التأمينات الأسبق يظل وثيقة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، تستدعي قراءة متأنية، ليس فقط لاستحضار الماضي، ولكن لاستخلاص الدروس، حتى لا تتكرر خسارة جديدة يدفع ثمنها من أفنوا أعمارهم في العمل، وينتظرون شيخوخة آمنة تحفظ لهم ما تبقى من كرامة.
