الأحد 18 يناير 2026 | 06:28 م

فاروق حسني.. حين يُنصف التكريم ذاكرة الثقافة

شارك الان

لم تكن لحظة صعود الفنان الكبير فاروق حسني لتسلُّم جائزة «الإنجاز مدى الحياة» في حفل «جوي أوورد» مجرد مشهد احتفالي عابر، بل كانت استدعاءً كثيف الدلالة لذاكرة ثقافية كاملة، واعترافًا متأخرًا لكنه بالغ الأهمية بتجربة استثنائية صنعت فرقًا حقيقيًا في تاريخ الثقافة المصرية والعربية.
فبعض التكريمات لا تُقاس ببريق الأضواء ولا بعدد التصفيقات، بل بما تحمله من معنى، وبما تفتحه من نقاش حول قيمة ما أنجزه المُكرَّم في زمن كان للفعل الثقافي وزن وتأثير. وتكريم فاروق حسني ينتمي إلى هذه الفئة النادرة، لأنه لا يخص شخصًا بقدر ما يخص مشروعًا متكاملًا ورؤية ممتدة.
فاروق حسني لم يكن وزير ثقافة تقليديًا يجلس خلف مكتب ويُدير ملفًا إداريًا، بل كان صاحب تصور واضح لدور الثقافة كقوة ناعمة قادرة على تجاوز الحدود، وتعزيز مكانة مصر عربيًا ودوليًا. في عهده، تحوّل معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى منصة عربية كبرى، واكتسبت المعارض الفنية المصرية حضورًا لافتًا في العواصم العربية، وامتدت جسور التعاون الثقافي مع العالم العربي عبر مهرجانات ومشروعات نوعية.
ويظل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أحد أبرز شواهد تلك المرحلة، حين أصبح ملتقى عالميًا للتجارب الجريئة والأفكار المختلفة، ووضع القاهرة على خريطة المسرح الدولي بوصفها مركزًا للحوار الفني والفكري، لا مجرد ساحة عرض.
والحديث عن فاروق حسني لا ينفصل عن دوره المحوري في ملف الآثار، حيث قاد أكبر حركة تنقيب وترميم وإنشاء متاحف في تاريخ مصر الحديث. من ترميم تمثال أبي الهول وأهرامات الجيزة ودهشور، إلى تطوير وادي الملوك ومعابد الأقصر والكرنك، وانتشال الآثار الغارقة بسواحل الإسكندرية، وصولًا إلى مشروعات كبرى مثل المتحف المصري الكبير ومتحف الحضارة ومشروع القاهرة التاريخية.
هذه الإنجازات لم تكن نتاج قرارات عشوائية، بل ثمرة رؤية طويلة المدى، واستقرار إداري مكّنه من التخطيط والبناء دون ارتباك أو استعجال. فالثقافة، بطبيعتها، مشروع تراكمي لا يُقاس بمنطق السنوات القليلة، ولا يزدهر مع تغييرات متعجلة تهدم ما سبق قبل أن يكتمل.
ومن الإنصاف الاعتراف بأن ما تحقق في تلك المرحلة يصعب تكراره بذات الصيغة، لا انتقاصًا ممن جاؤوا بعدها، بل لاختلاف الظروف والسياقات. غير أن الدرس الأهم يظل حاضرًا: حين تُدار الثقافة بعقل الدولة، وتُمنح الوقت والمساحة، فإن أثرها يتجاوز الأشخاص والمناصب، ويصمد أمام الزمن.
تكريم فاروق حسني اليوم هو تكريم لفكرة، ولمرحلة، ولمشروع آمن بأن الثقافة ليست ترفًا ولا زينة، بل أحد أعمدة بناء الدولة الحديثة. وهو تذكير بأن الذاكرة الثقافية لا تموت، وأن ما يُبنى بالوعي والرؤية يظل حاضرًا، حتى وإن تأخر الاعتراف به.

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6120 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image