لواء أحمد زغلول يكتب:محطات في حياتي ٠٠المحطة الثامنة عشر
ليست كل محطات الحياة مرتبطة بزمن أو مكان، فبعضها يرتبط بأشخاص يتركون في الروح أثرًا لا يزول، ويُشكّلون وعينا، ويُعيدون صياغة مفاهيمنا عن القوة والالتزام والنجاح، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانًا بحق.
وفي محطتي الثامنة عشرة، أتوقف طويلًا أمام شخصية ليست عابرة في حياتي، بل كانت ولا تزال أحد أعمدتها الأساسية؛ شخصية شقيقي الأصغر أمجد زغلول مهران، الذي يصغرني بثلاث سنوات، لكنه سبقني في كثير من المواقف حكمةً، ورجاحةَ عقل، وصفاءَ رؤية.
منذ سنوات الطفولة الأولى، لم تكن علاقتنا مجرد علاقة أخوين جمعتهما صلة الدم، بل علاقة أقرب إلى الصداقة المتينة، ثم تطورت مع الزمن إلى علاقة اقتداء واحترام متبادل، حتى وجدتني دون تردد أعتبره قدوة حقيقية في حياتي، لا لأن الكمال صفة بشرية، ولكن لأن فيه من الخصال والصفات ما يجعل الاقتداء به أمرًا طبيعيًا، بل وواجبًا.
الالتزام الديني •• جوهر الشخصية
أول ما يلفت النظر في شخصية أمجد هو التزامه الديني الصادق غير المتكلف، البعيد عن الادعاء؛ التزام نابع من فهم عميق للدين بوصفه سلوكًا قبل أن يكون شعائر، وإن كانت الشعائر لديه حاضرة بانتظام ودقة: صلاة في وقتها، صيام يؤديه بإيمان، زكاة لا يؤخرها، وإحساس دائم بالمسؤولية تجاه الفقير واليتيم والمحتاج.
لم يكن الدين عنده يومًا مظهرًا، بل كان دائمًا جوهرًا ومحركًا للسلوك، ومن هذا المنطلق جاءت مبادرته بتأسيس كيان اجتماعي خيري هدفه تقديم خدمات حقيقية لأهلنا الأكثر احتياجًا، من كفالة أيتام، والمساهمة في إجراء عمليات جراحية، وتوفير كسوة الشتاء، والمشاركة في مصروفات المدارس، والوقوف بجانب كل من يحتاج دعمًا؛ إيمانًا منه بأننا كمواطنين لنا دور ديني واجتماعي لا يقل أهمية عن أي دور آخر.
لقد جسّد أمجد المعنى الحقيقي لفكرة “العمل الصالح”، ليس في نطاق ضيق، بل في إطار مؤسسي منظم يضمن الاستمرارية، ويحقق الأثر، ويحفظ كرامة الإنسان.
ثقافة واسعة تتجاوز التخصص
ورغم أن مجاله الأكاديمي والمهني ينتمي إلى الرياضة، كونه خريج كلية التربية الرياضية وحاصلًا على دراسات متقدمة في هذا المجال، فإن ثقافته تجاوزت حدود تخصصه بشكل لافت؛ فقد امتلك اطلاعًا واسعًا في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية، جعلت منه عقلًا تحليليًا قادرًا على الربط بين القضايا واستيعاب المشهد العام بصورة شاملة.
وقد تجلت هذه الثقافة غير العادية عندما كان له دور رئيسي في إعداد دراسة وافية عن أسلوب تطوير الرياضة في مصر، دراسة علمية منهجية تم نشرها في مركز رع للدراسات الاستراتيجية.
وأشهد للتاريخ أنه كان مرجعي الأساسي في هذه الدراسة؛ فقد ساعدني بشكل مباشر في بلورة الأفكار، ووضع المقترحات، وصياغة الرؤى، حتى خرجت بالشكل الذي كنا نأمل أن يستفيد منه المختصون.
(ويُعد هو المحرر الفعلي لهذه الدراسة، التي أثنى عليها الكثير من المتخصصين في مجال الرياضة داخل مصر وخارجها، وقد تم نشرها مؤخرًا، وهي متواجدة على موقع مركز رع للدراسات، وكذلك على صفحتي على موقع فيسبوك، وسأقوم بإعادة نشرها مرة أخرى).
ورغم أن هذه الدراسة أُرسلت إلى الجهات المعنية لتكون مرجعًا يمكن البناء عليه، إلا أنه – وللأسف الشديد – لم يتم حتى النظر إليها، ومع ذلك لم يُثنه هذا عن إيمانه بالفكرة أو عن استمراره في العطاء، وهي سمة نادرة لا يمتلكها إلا من يعمل بإخلاص ولا ينتظر مقابلًا.
الحكمة والهدوء رغم صغر السن
ومن الصفات اللافتة في شخصية أمجد – رغم أنه الأصغر سنًا – الحكمة الشديدة في اتخاذ القرار؛ فهو هادئ الطباع إلى أبعد حد، لا يتعجل، لا ينفعل، يدرس المشكلات والموضوعات بتأنٍ منقطع النظير، ويوازن بين المعطيات قبل أن يقرر.
ولذلك كانت أغلب قراراته، إن لم تكن كلها، صائبة، أو على الأقل مدروسة بما يكفي لتحمّل نتائجها. كم من مرة وجدته ملاذًا للعقل، وميزانًا للرأي، ومرشدًا في مواقف معقدة، حتى شعرت أحيانًا أنه يؤدي دور الأب لا الأخ الأصغر.
تجربة إدارية ناجحة •• تشهد لها المؤسسات
وقد تجلت قدراته الإدارية والتنفيذية بوضوح عندما تولى منصب مدير مركز شباب الجزيرة، أحد أكبر وأهم المتنفسات الرياضية في مصر. وخلال فترة توليه، شهد المركز طفرة حقيقية؛ حيث أُثريَت خزينته، وارتفع المستوى الفني داخله، وتضاعفت موارده، وتم تطوير الأداء بشكل ملحوظ.
واللافت في الأمر أنه لم يحدثني يومًا عن هذه الإنجازات، ولم يتفاخر بها، بل علمت بتفاصيلها من مسؤولين بوزارة الشباب والرياضة، الذين أكدوا لي أنه كان من أفضل من تولوا إدارة هذا الصرح الكبير، وهو ما يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج.
منذ الطفولة.. قدوة مبكرة
وعلى المستوى الشخصي، أعود بذاكرتي إلى طفولتنا فأجده دائمًا قدوة في تعامله مع أقرانه؛ رياضيًا، مهذبًا، متعاونًا. كان متميزًا في رياضتي السباحة وكرة القدم، وموهوبًا بالفطرة.
ولا أنسى أنه، وهو طفل في المرحلة الإعدادية، حصل على لقب التلميذ المثالي على مستوى مديرية القاهرة التعليمية، وأذكر بابتسامة لا تخلو من غيرة بريئة أنني كنت حزينًا لأنه تم تكريمه في صمت برحلة مصيف داخلية دون ضجيج إعلامي، وهو ما اعتدناه منه طوال حياته: إنجاز بلا استعراض.
الموقف الفاصل •• عند المرض والشدائد
لكن تبقى أهم محطة في علاقتي به هي تلك اللحظة الإنسانية الفارقة عندما كانت والدتنا – رحمها الله – على فراش المرض. حينها لم يتردد أمجد لحظة واحدة في التضحية بعمله، سواء داخل مصر أو خارجها، بل ورفض عقد عمل خارجي مغرٍ للغاية، فقط ليكون بجوار والدتنا، التي كانت تعاني من جلطة في المخ ومن مرض الزهايمر، نتيجة الاعتداء الغاشم الذي تعرض له منزلي أثناء فض اعتصام رابعة عام 2013، وهو الاعتداء الذي طال أسرتي وأصاب والدتي بهذا المرض العضال.
في تلك المرحلة، أثبت أمجد أن القيم لا تُختبر إلا في الشدائد، وأن الرجولة موقف، وأن البر ليس كلمات بل تضحيات حقيقية.
(وكانت ظروف عملي حائلًا كبيرًا دون تحمّل المسؤولية بجانبه، وليس لنا أشقاء أو شقيقات أخريات يمكنهن الوقوف بجوار والدتي المريضة التي كانت تحتاج إلى رعاية خاصة).
السند الدائم •• في المرض والحياة
لم يتوقف دعمه عند هذا الحد، بل ظل سندًا وظهرًا لي في كل شيء. وقف بجانبي أثناء مرضي بفيروس كورونا، ولم يبخل يومًا بنصيحة، أو دعم، أو كلمة صادقة، كانت ولا تزال منارة لطريقي في الحياة.
ولهذا أقولها بصدق لا مجاملة فيه: لقد اعتبرته والدي في بعض الأحيان، لما وجدته فيه من حكمة واحتواء وشعور عميق بالمسؤولية.
توصيات عامة
إن المجتمعات التي تبحث عن النهوض الحقيقي لا تحتاج إلى شعارات بقدر حاجتها إلى نماذج حقيقية تُجسّد القيم في الواقع، ومن هنا تبرز أهمية الآتي:
١- ترسيخ ثقافة القدوة العملية في التعليم والإعلام.
٢- إبراز النماذج التي تجمع بين الأخلاق والكفاءة.
٣- دعم العمل المؤسسي القائم على الإخلاص لا الاستعراض.
٤- إعادة الاعتبار لقيم البر والتضحية والمسؤولية الاجتماعية.
كلمة شكر لا تكفي
في هذه المحطة الثامنة عشرة من محطات حياتي، لا أكتب مجرد كلمات، بل أسجل شهادة حق في رجل، وأخ، ورمز إنساني حقيقي. أشكر شقيقي أمجد زغلول مهران على ما قدمه لأسرتنا، ولمجتمعه، ولوطنه، وعلى ما قدمه لي شخصيًا من دعم لا يُقدَّر بثمن.
وإن كانت الحياة قد منحتني محطات كثيرة، فإن هذه المحطة ستظل من أكثرها إشراقًا؛ لأنها ارتبطت بإنسان آمن بأن العطاء واجب، وبأن النجاح الحقيقي هو أن تترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس قبل أن تترك اسمك في المناصب.
وفي النهاية •• لا أكتب عن أخ، ولا أدوّن مجرد سيرة شخصية، بل أضع أمام القارئ نموذجًا إنسانيًا مكتمل الأركان، يصلح مرجعًا أخلاقيًا وعلميًا واجتماعيًا وثقافيًا، في زمن تراجعت فيه المعايير.
هذه شخصية أثبتت أن القيم ليست خطابًا بل ممارسة، وأن البر ليس عاطفة بل تضحية، وأن النجاح الحقيقي هو ذاك الذي يُبنى في صمت، ويُقاس بعمق الأثر لا بسطوع الظهور.
لقد كان في علمه عقلًا واعيًا، وفي عمله إداريًا كفؤًا، وفي مجتمعه عنصر بناء وتوازن، وفي أسرته ابنًا بارًا بلغ من البر حد الفداء.
شخصية تُعلّمنا أن القدوة لا تُصنع بالكلام، بل تُنحت بالصبر والتجرد وتحمل المسؤولية حتى النهاية. ولهذا ستظل هذه المحطة من أكثر محطات حياتي صدقًا ونورًا؛ لأنها ارتبطت بإنسان عاش القيم حتى آخرها، وترك أثرًا أخلاقيًا وإنسانيًا سيبقى مهما تغيرت الأزمنة.



-9.jpg)
-11.jpg)
-5.jpg)
