لواء زغلول يكتب *من فاتورة الكهرباء إلى جلد الإنسان*
*بقلم لواء د. احمد زغلول مهران*
*المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية*
*كيف يضلّ التشريع طريقه عندما يغيب الحسّ العام؟*
في وقت يقع فيه المواطن المصري تحت ضغوط وأعباء اقتصادية غير مسبوقة كان المنتظر من البرلمان أن ينشغل بتشريعات تخفف العبء وتحمي الحقوق وتستعيد الثقة بين الدولة والناس لكن المشهد البرلماني فاجأ الرأي العام بمقترحين متتاليين مختلفين في الشكل متشابهين في الجوهر ويعكسان أزمة حقيقية في تقدير الأولويات وحدود الدور النيابي
*المقترح الأول : المال العام بمنطق الفاتورة*
خرج *النائب علاء عبد النبي وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس الشيوخ* ليتحدث عن مقترح تحصيل 30 جنيهاً عبر فاتورة الكهرباء للمساهمة في مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة
ورغم نفي النائب لاحقاً أن يكون المقترح إلزامياً فإن مجرد طرح فكرة الربط بين خدمة أساسية وسياسة عامة خلافية يفتح باباً خطيراً في التشريع المالي فالدستور المصري واضح :
لا ضرائب ولا رسوم إلا بقانون ولا تحميل للمواطن أعباء جديدة دون عدالة اجتماعية وشفافية وفواتير المرافق ليست صندوق تبرعات ولا أداة سياسات عامة مرتجلة بل علاقة تعاقدية واضحة بين الدولة والمواطن .
*المقترح الثاني : الجسد الإنساني كمورد*
في سياق آخر طرحت *النائبة أميرة صابر عضو مجلس الشيوخ ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي* فكرة التبرع بالجلد والأنسجة البشرية بعد الوفاة عبر إنشاء بنك وطني للأنسجة لاستخدامها في علاج الحروق بدلاً من الاستيراد ورغم أن الفكرة طُرحت من زاوية إنسانية وطبية فإنها اصطدمت فوراً بجدار اجتماعي ودستوري شديد الحساسية هو حرمة الجسد الإنساني بعد الوفاة وحق الإنسان في تقرير مصير جسده وحدود تدخل الدولة في هذا المجال القضية هنا ليست في الطب بل في الصياغة والتوقيت ومنهج التفكير فأي حديث عن الجسد بعد الموت دون تأكيد صارم على الرضا المسبق والإطار الرقابي والضمانات الجنائية لا يُعد نقاشاً صحياً بل مغامرة تشريعية .
*ما الذي يجمع المقترحين؟*
رغم اختلاف الموضوعين إلا أن كليهما يشتركان في ثلاث إشكاليات خطيرة هى :
*١- الاستسهال التشريعي :*
أفكار كبرى تُطرح في العلن دون إعداد مجتمعي أو نقاش متخصص كافٍ .
*٢- تجاهل الحسّ العام*
المواطن المنهك اقتصادياً ونفسياً لا يتلقى هذه الطروحات كحلول بل كاستفزاز .
*٣- الاقتراب من خطوط حمراء*
المال العام من جهة والجسد الإنساني من جهة أخرى وكلاهما من أخطر الملفات دستورياً وأمنياً .
*البعد الأمني الغائب*
الدول لا تتعامل مع قضايا الأجساد أو التحصيل المالي العابر للمرافق باستخفاف وأي غموض في هذه الملفات يفتح الباب للاتى :
• السوق سوداء
• الاستغلال غير مشروع
• الصدام المباشر بين المواطن ومؤسسات الدولة
*وهي مخاطر لا تُدار بالنيات الحسنة بل بالتشريعات المحكمة فقط .*
*الدور الحقيقي للنائب*
النائب ليس صانع صدمة ولا مختبر أفكار ولا صاحب بالون اختبار .
دوره يتلخص فى الاتى :
• يعبّر عن أولويات الناس
• يصيغ تشريعاً يحمي لا يُربك
• يحسب أثر الكلمة قبل أن ينطق بها
*القضايا الحساسة لا تُدار بالعناوين اللافتة ( اللقطه ) بل بالعقل الفطن والمسؤولية .*
*فى النهايه ••* المشكلة لم تكن يوماً في الكلاب الضالة ولا في علاج الحروق بل في عقلية ترى المواطن وسيلة لا غاية وترى البرلمان منبراً للتجريب لا مؤسسة للتشريع الرصين حين يتحوّل الجسد إلى مورد وتتحوّل الفاتورة إلى أداة سياسة فالمشكلة ليست في الاقتراح بل في منطق الحكم نفسه البرلمان وُجد ليحمي كرامة الناس
لا ليضعها محل نقاش عابر ولا ليختبر صبرهم الذى اقترب ان ينفُذ من صاحبى الأفكار البارده .





