أسماء كامل تكتب: عبلة كامل والحنان المفقود
في مشهدٍ لم يتجاوز ثوانٍ معدودة، عادت الفنانة المصرية عبلة كامل إلى الشاشة، فعاد معها شيء أعمق من مجرد حضور فني؛ عاد الإحساس بالأم، بالدفء، وبالزمن الذي كانت فيه العلاقات أبسط وأصدق. لم يكن الإعلان حدثًا فنيًا عابرًا، بل تحوّل إلى حالة شعورية جماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر كثيرون عن إحساسهم بالحنين والراحة لمجرد رؤيتها.
لكن لماذا أحدث هذا الظهور القصير كل هذا الأثر؟ ولماذا بدت عبلة كامل، رغم ابتعادها النسبي عن الساحة، قادرة على تحريك مشاعر جمهورٍ واسع بهذه القوة؟
* القضية تتجاوز الفن: الحاجة إلى نموذج أمومي مطمئن!
القضية هنا لا تتعلق بنجمة أو إعلان، بل بحاجة مجتمعية ملحّة إلى نموذج أمومي حقيقي في زمنٍ تتصاعد فيه وتيرة المنافسة، والضغوط الاقتصادية، وصراعات الحياة اليومية.
في خضم هذا الإيقاع المتسارع، تراجعت مساحات الدفء العائلي لصالح الانشغال الدائم، وأصبحت صورة الأم في بعض الأعمال الفنية إما مثالية حدّ المبالغة، أو قاسية ومهمّشة، أو مستهلكة دراميًا بلا روح.
ظهور عبلة كامل أعاد التوازن إلى هذه الصورة؛ فقد قدمت عبر سنوات طويلة نموذجًا للأم القريبة من الناس، التي تشبه البيوت المصرية والعربية، بملامحها البسيطة، ونبرة صوتها الصادقة، وانفعالاتها الطبيعية غير المتكلّفة.
لم تكن عبلة كامل يومًا الأكثر استعراضًا أو الأكثر حضورًا إعلاميًا، لكنها كانت دائمًا الأكثر صدقًا.
السر في تأثيرها لا يكمن في ألقاب أو بطولات مطلقة، بل في قدرتها على تجسيد المرأة العادية التي تحمل هموم أسرتها، وتخفي ضعفها خلف قوة ناعمة، وتُغلّف قلقها بابتسامة مطمئنة.
هذا الصدق الفني انعكس على صورتها في الوعي الجمعي؛ فالجمهور لا يراها كممثلة تؤدي دورًا، بل كأم حقيقية تمثل ذاكرته الشخصية: أمًّا سهرت، وضحّت، واحتوت.
لا يمكن قراءة هذه الحالة بمعزل عن التحولات التي طرأت على مفهوم الأمومة اليوم.
الأم المعاصرة تواجه تحديات مضاعفة: مسؤوليات اقتصادية، ضغوط نفسية، ومتطلبات اجتماعية متزايدة. وفي خضم هذه التحديات، تشعر كثير من النساء بأن صورة “الأم المثالية” المفروضة عليهن أكبر من طاقتهن.
هنا تحديدًا يبرز مغزى ظهور عبلة كامل؛ فهو يذكّر بأن الأمومة ليست استعراضًا للكمال، بل فعل احتواء صادق. ليست الأم تلك التي لا تخطئ، بل التي تمنح الأمان حتى وهي خائفة، وتمنح الطمأنينة حتى وهي متعبة.
* الحنين كاحتياج نفسي..
الحنين الذي أثاره ظهورها ليس مجرد nostalgia عابرة، بل تعبير عن احتياج نفسي عميق للأمان والانتماء.
في عالمٍ يتغير بسرعة، يبحث الإنسان عن رموز ثابتة تطمئنه بأن بعض القيم لا تزال قائمة: الحنية، البساطة، التضامن الأسري.
عبلة كامل تمثل هذا الثبات الرمزي. حضورها يذكّرنا بجدّات كنّ يجلسن في صحن البيت، وأمهات كنّ يفتحن أبوابهن للجيران قبل الأبناء، وبيوت كانت تمتلئ بالدفء لا بالضجيج.
* لماذا كل هذا الاحتياج لمثل هذه النماذج؟!
من وجهة نظر اجتماعية، نحن في حاجة لإعادة الاعتبار لنماذج المرأة الدافئة الواقعية، بعيدًا عن التنميط أو التجميل الزائف.
المجتمع لا يحتاج فقط إلى بطلات خارقات أو صور براقة، بل يحتاج إلى استعادة قيمة الأم الحقيقية التي تحتضن، تسمع، وتربّي دون ضجيج.
ظهور عبلة كامل، ولو لثوانٍ، كشف فجوة في المشهد الفني والإعلامي؛ فجوة بين صورة المرأة كما تُسوَّق أحيانًا، وصورة المرأة كما يعرفها الناس في بيوتهم.
ختامًا.. لم تكن المسألة إعلانًا عابرًا، بل لحظة تذكير جماعي بأن الدفء ما زال ممكنًا، وأن صورة الأم لا تزال قادرة على تحريك القلوب حين تُقدَّم بصدق.
عبلة كامل ليست فقط فنانة أعادت إلينا الذكريات، بل رمز لزمنٍ كانت فيه العلاقات أكثر بساطة، والمشاعر أكثر وضوحًا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، كانت تلك الثواني القليلة كافية لتفتح بابًا واسعًا من الحنين… ولتقول لنا إن الأمومة، بكل دفئها واحتوائها، لا تزال القيمة الأهم التي نحتاج أن نحافظ عليها في وجه صخب هذا العصر.
