الجمعة 6 مارس 2026 | 01:40 م

لواء زغلول يكتب :قراءة سياسية في حال مصر والأمة العربية والشرق الأوسط


بقلم لواء د. أحمد زغلول مهران
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

ليست كل الأزمات نهايات وليست كل الآلام انكسارات فالتاريخ يعلمنا أن بعض الأوجاع رغم قسوتها تكون بمثابة جرس إنذار يوقظ الأمم من غفوتها هناك لحظات في حياة الدول تشبه لحظة الألم في جسد الإنسان قد تكون موجعة لكنها في الوقت نفسه تحمل رسالة بضرورة الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات ومراجعة المسارات ومن هذا المنطلق يمكن قراءة ما يمر به العالم العربي والشرق الأوسط اليوم حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في صورة تبدو للوهلة الأولى قاسية لكنها قد تكون بداية لمرحلة وعي استراتيجي جديد يعيد تعريف الأولويات ويعيد رسم خرائط القوة في المنطقة .

تشهد المنطقة تحولات متسارعة وغير مسبوقة في طبيعتها وعمقها. فالصراعات العسكرية الممتدة والتوترات الإقليمية المتزايدة وعودة التنافس بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ كلها عوامل تضغط بقوة على دول الشرق الأوسط وفي القلب منها مصر هذه الضغوط لا تقتصر على البعد العسكري فقط بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية ما يجعل المنطقة جزءاً من معادلة دولية أوسع تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى مع الحسابات الإقليمية للدول الفاعلة .

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح الأزمات على قسوتها محفزاً لإعادة التفكير في السياسات العامة للدول فالدول التي تدرك طبيعة التحولات الجارية لا تنظر إلى الأزمات باعتبارها عبئاً دائماً بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء القدرات وتعزيز عناصر القوة الوطنية وهذا ما يفسر أن كثيراً من الدول في المنطقة بدأت بالفعل في مراجعة سياساتها الاقتصادية والعسكرية وتوسيع دوائر تحالفاتها والبحث عن أدوات جديدة للتأثير في محيطها الإقليمي والدولي .

لقد مرت مصر عبر تاريخها الحديث بمحطات صعبة من الحروب الإقليمية إلى الأزمات الاقتصادية والضغوط السياسية والدولية ومع ذلك أثبتت التجربة التاريخية أن الدولة المصرية تمتلك قدرة خاصة على التكيف مع الأزمات وتحويلها إلى فرص لإعادة البناء فالمجتمع الذي واجه تحديات كبرى عبر تاريخه الطويل اكتسب خبرة تراكمية في إدارة الأزمات والتعامل مع التحولات الإقليمية المعقدة ومن هنا فإن الألم الذي يعيشه المجتمع أحياناً ليس سوى انعكاس لمرحلة انتقالية تتطلب الصبر والعمل والتخطيط بعيد المدى .

وفي ظل ما يشهده الشرق الأوسط من اضطرابات تبرز أهمية مفهوم الدولة الوطنية القوية بوصفه حجر الأساس في معادلة الاستقرار فالتجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي أثبتت أن انهيار مؤسسات الدولة يؤدي بالضرورة إلى فراغ أمني وسياسي تستغله التنظيمات المتطرفة أو القوى الإقليمية والدولية الساعية إلى توسيع نفوذها لذلك أصبح الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الأزمات مسألة تتعلق مباشرة بالأمن القومي للدول والشعوب .

إن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد سلسلة من الأزمات المتفرقة بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية فالقوى الدولية الكبرى تعيد النظر في أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة، والتحالفات التقليدية تشهد تغيرات ملحوظة كما أن أدوات القوة لم تعد عسكرية فقط بل أصبحت تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والإعلام وفي هذا السياق تبرز أهمية القدرة على بناء اقتصاد قوي قادر على الصمود وتطوير بنية تكنولوجية متقدمة وتعزيز أدوات التأثير الإعلامي والثقافي .

أما الأمة العربية فهي تعيش بدورها مرحلة مراجعة عميقة وربما مؤلمة فسنوات طويلة من الصراعات والانقسامات السياسية تركت آثاراً واضحة في بنية النظام الإقليمي العربي غير أن هذه التجارب القاسية بدأت تدفع بعض الدول إلى إدراك أن استمرار حالة الانقسام لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة ولذلك بدأت تظهر محاولات لإعادة بناء مسارات التعاون العربي سواء في المجالات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية .

لقد أصبح واضحاً أن مفهوم الأمن القومي العربي لم يعد شأناً محلياً لكل دولة على حدة بل منظومة مترابطة تتأثر فيها كل دولة بما يحدث في محيطها فالأزمات في دولة ما قد تمتد آثارها بسرعة إلى دول الجوار سواء عبر موجات الهجرة أو التوترات الأمنية أو التأثيرات الاقتصادية ومن هنا تأتي أهمية تعزيز آليات التنسيق والتعاون بين الدول العربية بما يسمح بتشكيل شبكة إقليمية من المصالح المشتركة القادرة على مواجهة التحديات الكبرى .

وفي قلب هذه المعادلة المعقدة تقف مصر بوصفها أحد أهم مراكز الثقل في المنطقة فموقعها الجغرافي الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا وسيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم إضافة إلى ثقلها السكاني والتاريخي والثقافي يجعلها لاعباً محورياً في معادلات الاستقرار الإقليمي ولذلك فإن قدرة مصر على الحفاظ على استقرارها الداخلي وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية تمثل عاملاً أساسياً في استقرار المنطقة بأكملها .

إن الضغوط التي تواجهها مصر اليوم ليست منفصلة عن السياق الإقليمي والدولي بل هي جزء من موجة التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي وفي مثل هذه الظروف يصبح التحدي الحقيقي هو القدرة على تحويل الضغوط إلى فرص من خلال تعزيز الإنتاج الوطني وتطوير البنية التحتية، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة إلى جانب الحفاظ على قوة مؤسسات الدولة وصلابة منظومتها الأمنية .

في النهاية •• قد يبدو المشهد الإقليمي اليوم مليئاً بالأزمات والتوترات لكن قراءة التاريخ تعلمنا أن اللحظات الصعبة كثيراً ما تكون بداية لتحولات كبرى فالأمم التي تدرك معنى الألم قادرة على تحويله إلى طاقة للنهوض وإعادة البناء بينما تظل الأمم التي تستسلم له أسيرة أزماتها .

لهذا يمكن القول إن ما يمر به الشرق الأوسط ومصر في قلبه ليس مجرد مرحلة اضطراب عابرة بل لحظة تاريخية تعيد تشكيل الوعي السياسي والاستراتيجي في المنطقة وقد يكون هذا الوجع رغم قسوته هو ما يدفع الجميع إلى إدراك حقيقة بسيطة لكنها عميقة •• أن الاستقرار لا يصنع بالشعارات بل ببناء الدولة القوية القادرة على حماية مصالحها والتفاعل بواقعية مع تحولات العالم .

وفي نهاية المطاف قد تكسر بعض الأوجاع الضعفاء لكنها توقظ الأقوياء والتاريخ يثبت دائماً أن الأمم التي تتعلم من ألمها هي وحدها القادرة على كتابة مستقبلها بيديها .

استطلاع راى

هل تعتقد أن الربط بين المناهج وسوق العمل الذي تناقشه لجان البرلمان حالياً سيمثل حلًا جذريًا لأزمة البطالة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6755 جنيهًا
سعر الدولار 47.24 جنيهًا
سعر الريال 12.64 جنيهًا
Slider Image