بركات لـ " مصر الآن ": دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التحولات في ظل حرب إيران
في تصريح ل "مصر الآن" قال الخبير الاقتصادي الدكتور وائل بركات يبدو العالم وكأنه يقف على مفترق طرق، حيث تتغير الموازين القديمة وتتشكل ملامح مرحلة جديدة لم تتضح حدودها بعد. واليوم يعيش الاقتصاد العالمي واحدة من هذه اللحظات الدقيقة؛ فالتقلبات المالية، والتوترات الجيوسياسية، والتغيرات المتسارعة في موازين القوى الاقتصادية تجعل كثيرين يتساءلون بقلق مشروع: هل يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوز هذه المرحلة الصعبة أم أننا مقبلون على فترة طويلة من الاضطراب؟
وأضاف بركات أنه لفهم هذه الصورة المعقدة يجب أولًا أن ندرك أن الاقتصاد العالمي لم يعد يتحرك داخل نظام بسيط تقوده قوة واحدة أو مجموعة محدودة من الدول كما كان الحال في العقود الماضية. بل إن العالم يشهد اليوم تحولًا تدريجيًا نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية، تتنافس فيه قوى اقتصادية كبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ودول آسيوية صاعدة، إضافة إلى دول ناشئة بدأت تلعب أدوارًا أكبر في التجارة والاستثمار والطاقة.
هذا التحول في موازين القوى لا يحدث فجأة، بل يتطور ببطء عبر سنوات طويلة من التغيرات في الإنتاج والتكنولوجيا والتجارة العالمية. لكنه في بعض المراحل يصبح أكثر وضوحًا عندما تتقاطع معه أزمات سياسية أو اقتصادية عالمية، وهو ما يحدث اليوم بالفعل. فالتوترات الجيوسياسية، والتنافس التجاري بين القوى الكبرى، والتحولات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية كلها عوامل تضيف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي.
وقال لكن رغم هذا التعقيد، فإن الاقتصاد العالمي يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع التغيرات. فالتاريخ الاقتصادي مليء بمراحل صعبة واجه فيها العالم أزمات كبرى، مثل الأزمات المالية أو الحروب أو الركود الاقتصادي، ومع ذلك استطاع الاقتصاد العالمي في نهاية المطاف أن يعيد تنظيم نفسه ويستعيد مسار النمو. والسبب في ذلك أن الاقتصاد ليس مجرد نظام جامد، بل شبكة واسعة من المصالح والابتكارات والقدرات البشرية التي تسعى دائمًا إلى إيجاد حلول جديدة.
إحدى أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم هي التضخم الذي ارتفع في كثير من الدول خلال السنوات الأخيرة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية. وقد اضطرت البنوك المركزية في العديد من الاقتصادات الكبرى إلى رفع أسعار الفائدة في محاولة للسيطرة على التضخم، وهو إجراء ضروري لكنه يحمل في الوقت نفسه آثارًا جانبية مثل تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وأشار الخبير الاقتصادي إنه وفي الوقت ذاته يواجه العالم تحديات مرتبطة بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية. فبعد عقود من الاعتماد على نظام إنتاج عالمي شديد الترابط، بدأت بعض الدول والشركات تعيد التفكير في مواقع الإنتاج ومصادر التوريد لتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات السياسية أو الصحية أو الاقتصادية. هذا التحول قد يؤدي إلى تغييرات في خريطة التجارة العالمية، لكنه لا يعني بالضرورة تراجع الاقتصاد العالمي، بل قد يفتح الباب أمام مراكز إنتاج جديدة وفرص اقتصادية مختلفة.
وقال من ناحية أخرى تلعب التكنولوجيا دورًا متزايد الأهمية في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. فالتحولات الرقمية والابتكارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتقنيات المالية تخلق قطاعات اقتصادية جديدة وتغير طبيعة العمل والإنتاج. ورغم أن هذه التحولات قد تثير بعض المخاوف في المدى القصير، فإنها غالبًا ما تساهم في تعزيز الإنتاجية وخلق فرص نمو جديدة على المدى الطويل.
وأضاف ربما يكون العامل الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية هو التغير في التوازنات الجيوسياسية. فالتنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى لم يعد يقتصر على التجارة أو التكنولوجيا، بل يمتد إلى النفوذ السياسي والاقتصادي في مناطق مختلفة من العالم. وهذا التنافس قد يؤدي أحيانًا إلى توترات أو سياسات اقتصادية أكثر حذرًا، لكنه في الوقت نفسه يدفع الدول إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والاستثمار في الابتكار والبنية التحتية.
ومن منظور أوسع يمكن القول إن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة انتقالية أكثر منه أزمة نهائية. فالنظام الاقتصادي الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة يتغير تدريجيًا ليعكس واقعًا عالميًا جديدًا تتوزع فيه القوة الاقتصادية على عدد أكبر من الدول والمناطق. وهذه المرحلة الانتقالية قد تكون مصحوبة بالتقلبات وعدم اليقين، لكنها أيضًا قد تمهد لظهور نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وتنوعًا.
وقال بالنسبة للمواطن العادي الذي يتابع هذه التحولات قد تبدو الصورة معقدة أو مقلقة في بعض الأحيان، خاصة عندما تنعكس التقلبات العالمية على أسعار السلع والطاقة أو على فرص العمل والاستثمار. لكن من المهم إدراك أن الاقتصاد العالمي بطبيعته يمر بدورات من التوسع والتباطؤ، وأن فترات التغير الكبرى غالبًا ما تسبق مراحل جديدة من النمو.
وفي نهاية المطاف لا يعتمد مستقبل الاقتصاد العالمي على قوة دولة واحدة أو قطاع واحد، بل على قدرة المجتمعات والاقتصادات على التكيف مع التغيرات واستثمار الفرص الجديدة التي تخلقها التحولات التكنولوجية والاقتصادية. وإذا كان التاريخ الاقتصادي يعلمنا شيئًا، فهو أن الاقتصاد العالمي قد يمر بعواصف قوية، لكنه نادرًا ما يتوقف عن الحركة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاقتصاد العالمي سينجو من التحديات الحالية، بل كيف سيتغير شكله بعد تجاوزها. فالعالم الاقتصادي الذي سيخرج من هذه المرحلة قد لا يكون مطابقًا لما عرفناه في العقود الماضية، لكنه قد يكون أكثر تنوعًا ومرونة، وربما أكثر قدرة على مواجهة التحديات التي يحملها المستقبل٠



