الاثنين 16 مارس 2026 | 01:21 م

السفير مجاهد :مصر تحتفظ بعدد من عناصر الثقل الاستراتيجى المتراكمة الذي يمنحها حضورها العالمي


قال السفير أحمد مجاهد إنه وفى لحظات التحول الكبرى فى التاريخ الإقليمى، يصبح سؤال الفاعلية السياسية سؤالا مركزيا. 

فحين يختل التوازن القائم أو يترنح أحد أركان النظام الإقليمى مخلفا فراغا استراتيجيا يجب ملؤه، لا يتحدد شكل المرحلة الجديدة فقط بالقوة العسكرية للطرف الرابح، بل أيضا بقدرة بعض الأطراف -دون غيرها، أو أكثر من غيرها- على المبادرة السياسية التى يمكن أن تكون مؤثرة، وعلى لعب أدوار موازِنة تمنع انزلاق الإقليم نحو المزيد من التصعيد، أو المزيد من السيولة أو الاختلالات الأكثر حدة، أو نحو انفراد إحدى القوى التوسعية بملء هذا الفراغ.

وأضاف السفير مجاهد فى هذا السياق تبرز مصر بوصفها حالة إقليمية خاصة.

نعم، لا تملك مصر الموارد المالية الضخمة لدول الخليج، ولا التفوق التكنولوجى الذى تتمتع به بعض القوى الإقليمية الأخرى. لكن وزن الدول وتأثيرها فى النظام الإقليمى لا يقاس بالموارد الاقتصادية وحدها ولا التكنولوجيا فحسب، بل بمجموعة من العناصر الهيكلية التى تتشكل عبر الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا والقدرات العسكرية والخبرة الدبلوماسية.

ومن هذه الزاوية تحتفظ مصر بعدد من عناصر الثقل الاستراتيجى المتراكمة. فهى أكبر الدول العربية سكانا، وتقع عند تقاطع فضاءات جيوسياسية حيوية تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقى. كما أن إشرافها على قناة السويس يضعها عند عنق زحاجة أحد أهم الممرات البحرية فى الاقتصاد العالمى، وهو ما يمنحها حضورا مباشرا فى معادلات أمن التجارة والطاقة الدولية.

وقال إلى جانب ذلك تمتلك مصر أحد أكبر الجيوش فى الشرق الأوسط. وفى بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من الاضطراب و عدم اليقين، تؤدى القوة العسكرية دورا يتجاوز الحروب المباشرة، إذ تمارس أيضا وظيفة ردعية و"استقرارية" تسهم فى منع نشوء اختلالات حادة فى موازين القوة.

لكن العنصر الأكثر تأثيرا فى الوزن المصرى قد يكون فى المجال الدبلوماسى. فالدبلوماسية المصرية تمتلك تقليدا مؤسسيا عريقا وخبرة تراكمت عبر عقود من التعامل مع أزمات إقليمية معقدة. وقد سمح هذا التقليد للقاهرة تاريخيا باكتسابها ميزة "الوجه المقبول" لدى العديد من الدوائر المتناقضة، بما يسمح لها بالقيام بأدوار الوساطة والتوازن فى عدد كبير من الملفات، وفى الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متباينة حتى فى لحظات التوتر الشديد.

نعم، لا يخلو الدور المصرى من قيود موضوعية. فمصر تواجه تحديات اقتصادية معروفة، كما أن البيئة الإقليمية والدولية المعقدة تفرض بطبيعتها حدودا على هامش حركة أى دولة مهما بلغ وزنها الاستراتيجى. لكن الإشارة إلى هذه القيود لا تعنى التقليل من الوزن الاستراتيجى لمصر. وهنا، لا ينبغى فهم الحديث عن دور مصرى -أراه حتميا- باعتباره مجاملة أو انحيازا ساذجا لمصر، لا يدرك ابعاد الصورة بتناقضاتها وإكراهاتها المختلفة. فالأدوار الجيوسياسية لا تُمنح بدافع التعاطف أو الخطاب السياسى، بل تتشكل -كما أشرنا- عبر عناصر موضوعية، مثل الجغرافيا والديموغرافيا والقدرات العسكرية والخبرة الدبلوماسية.

وقال من هذه الزاوية، يمكن فهم ما يمكن تسميته بالدور المصرى الحتمى -بل والضرورى- فى لحظة التحول الراهنة. فهذا الدور لن يتأسس على السعى إلى الهيمنة أو بناء محور جديد فى المنطقة، بل على محاولة الحفاظ على قدر من التوازن داخل الإقليم ومنع انزلاقه نحو ترتيبات تفرض بالكامل من خارج المنطقة.

وقد شهدت البيئة العربية خلال العقدين الأخيرين تحولا فى موازين القوة داخل النظام العربى نفسه. فصعود القدرات الاقتصادية والمالية لدول الخليج وتزايد نفوذها بشكل واضح، وتراجع أدوار عربية تقليدية بفعل الاضطرابات الداخلية والتحديات الاقتصادية، أدى إلى ظهور ما وصفه بعض المحللين فى حينه بـ«لحظة الخليج» فى النظام العربى. وكان هذا التوصيف مفهوما إلى حد كبير فى ضوء التطورات والتحولات الإقليمية خلال تلك المرحلة.

غير أن وقائع الحرب الجارية قد تدفع إلى مراجعة هذا الحكم. فالأزمات الإقليمية الكبرى لا تبرز فيها فقط الدول الأكثر ثراء أو حداثة، بل أيضا الدول ذات الوزن السكانى والعسكرى القادرة بشكل أكبر على تحمل وامتصاص ضغوط الأزمات المفاجئة الجسيمة -لا سيما العسكرية- بقدر أكبر من غيرها، وعلى فتح قنوات الاتصال بين الأطراف المتناوئة. ومن هذه الزاوية، قد تعيد هذه الحرب طرح سؤال التوازن داخل النظام العربى، وما إذا كانت لحظة التحول الراهنة ستقود إلى إعادة توزيع الأدوار بين دوله فى مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.

وأشار فى الوقت نفسه، فإن الحديث عن دور عربى فى صياغة النظام الإقليمى لا يعنى تصور نظام مغلق يقتصر على الدول العربية وحدها. 
فالشرق الأوسط بطبيعته إقليم مركب تتداخل فى تشكيل توازناته قوى إقليمية راسخة الجذور مثل تركيا وإيران، ولا يمكن تجاهل حضورها فى معادلاته الاستراتيجية. ولا يتمثل التحدى الحقيقى فى استبعاد هذه القوى من المعادلة، بل فى امتلاك العرب نواة تفاوضية" قادرة على إدارة العلاقة معها من موقع أكثر توازنا".

أما إسرائيل فتمثل حالة مختلفة. فهى ليست مجرد قوة إقليمية أخرى داخل توازنات تقليدية، بل فاعل نشأ حديثا فى سياق صراع بنيوى أصيل مع محيطه العربى. ولا تزال سياساته الاستيطانية والتوسعية تجاه الأراضى الفلسطينية المحتلة وتجاه أراض عربية أخرى، أحد أبرز مصادر الشعور بالظلم والإهانة وعدم الاستقرار فى الإقليم. ولذلك فإن بناء أى تصور واقعى للأمن الإقليمى لا يمكن أن يقوم على تحويل التفوق الإسرائيلى إلى ركيزة للنظام الإقليمى.

فى ضوء هذه المعطيات يمكن أن يتخذ هذا الدور المصرى عددا من المسارات العملية.

أول هذه المسارات يبدأ من الأزمة الأكثر إلحاحا فى اللحظة الراهنة، وهى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية. فمثل هذه المواجهات لا تعيد فقط رسم موازين القوة، بل تفتح أيضا لحظات نادرة للتدخل الدبلوماسى. ومن هذه الزاوية يمكن لمصر أن تسهم فى فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الأطراف المعنية بهدف احتواء التصعيد وتهيئة ظروف وقف إطلاق النار. فنجاح مثل هذا المسار لن يكون مجرد إنجاز دبلوماسى محدود، بل قد يشكل نقطة انطلاق لإعادة فتح نقاش أوسع حول ترتيبات الأمن الإقليمى، مع ربطه بشكل ما بتطورات القضية الفلسطينية.

أما المسار الثانى فيتعلق بسعى مصر لإعادة بناء حد أدنى من التشاور بين الدول العربية المؤثرة، وهذا يقتضى أولا تضميد الجراح العربية-العربية. فالتجربة التى ظهرت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، حين تَشكَّل قدر من التنسيق العملى بين مصر والسعودية وقطر (وتركيا) فى إدارة جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، تشير إلى إمكانية بناء إطار مرن للتشاور وإدارة الأزمات دون أن يتحول إلى تحالف جامد أو محور إقليمى مغلق. ولا ينبغى النظر إلى مثل هذا التنسيق بوصفه اصطفافا جديدا فى المنطقة، بل باعتباره آلية عملية لإدارة الأزمات يمكن أن تسع أيضا أطرافا عربية أخرى بالغة التأثير، مثل الإمارات. فالتباين فى الرؤى بين الدول العربية أمر طبيعى فى أى نظام إقليمى، لكن تحويل هذه التباينات إلى انقسامات استراتيجية دائمة وجروح غائرة يفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

ويمكن فى هذا السياق أن تعطى هذه "المجموعة العربية المركزية" إشارة التفعيل لجامعة الدول العربية، بحيث تستعيد الجامعة قدرا من دورها المؤسسى -الذى عطله تباعد المواقف العربية- ، وذلك بوصفها الإطار الطبيعى للتشاور السياسى بين الدول العربية. فالجامعة لم تنجح تاريخيا فى التحول إلى نظام أمن جماعى فعال، لكنها تظل المنصة الوحيدة التى تجمع جميع الدول العربية حول طاولة واحدة. والتوافق حول إعادة تفعيل هذا الإطار، ولو فى حدوده الدنيا كآلية للتشاور وتنسيق المواقف فى الأزمات الكبرى، قد يساهم فى تقليص فجوة التنسيق العربى التى اتسعت خلال العقدين الماضيين.

ويتعلق المسار الثالث بالربط بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية فى الإقليم. فملفات مثل أمن الممرات البحرية فى البحر الأحمر وشرق المتوسط، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية أصبحت جزءا متزايدا من بنية الأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط. ويمكن لمصر، بحكم موقعها الجغرافى وشبكة علاقاتها، أن تلعب دورا فى دفع صيغ تعاون إقليمى فى هذه المجالات.

أما المسار الرابع، فيتعلق بدعم استقرار الدول الهشة فى الإقليم، مثل اليمن والسودان وليبيا والصومال. فاستمرار حالة التفكك والمواجهات فى هذه الدول لا يهدد استقرارها الداخلى فقط، بل يفتح المجال أيضا أمام تدخلات إقليمية ودولية متزايدة تعيد تشكيل توازنات المنطقة بأكملها.

فى الوقت نفسه، من المهم عدم رفع سقف الطموح بشكل غير واقعى، وإدراك عدم إمكانية تجاهل أى تحرك عربى -بمبادرة مصرية- لواقع التوازنات الدولية فى الإقليم، أى هيمنة الدور الأمريكى. فستظل العلاقات الاستراتيجية بين عدد من الدول العربية والولايات المتحدة عنصرا رئيسيا فى بنية الأمن الإقليمى، وذلك فى ضوء واقع النظام الدولى الراهن، حتى إشعار آخر. لكن إدارة هذه العلاقات من موقع أكثر تنسيقا بين الدول العربية يمكن أن تمنحها صلابة جماعية أكبر وهامش نفوذ أوسع للتأثير فى الترتيبات الأمنية التى ستتشكل لاحقا فى المنطقة، وفق التوازنات الجديدة والدروس المستفادة التى ستفرضها نتائج الحرب الجارية 

---

السؤال الذى يواجه الدول العربية اليوم ليس فقط كيف يمكن قراءة التحولات الجارية فى الإقليم، بل ما إذا كانت قادرة هذه المرة على  التفكير بمنطق المصلحة الاستراتيجية العليا، وعلى التمييز بين مصادر التهديد الحقيقية من جانب وبين الخلافات التى يمكن إدارتها داخل الإقليم، سواء العربية-العربية او العربية-غير العربية.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تنجح الدول العربية هذه المرة فى تجاوز انقساماتها والتصرف باعتبارها طرفا فاعلا فى صياغة النظام الإقليمى الذى يتشكل، أم تجد نفسها مرة أخرى فى موقع الطرف الذى تُفرض عليه معادلات الإقليم دون أن يكون له فيها أكثر من موطئ قدم على الهامش؟ 

ففى نهاية الأمر، لا تُكتَب قواعد النظم الإقليمية قيد التحول إلا بواسطة الفاعلين الذين يقررون المشاركة فى صياغتها ويسعون لتوسيع مساحتهم. أما تلك الأطراف التى تكتفى بمراقبة التحولات من الخارج، فغالبا ما تجد نفسها تحت سطوة نظام إقليمى جديد مفروض عليه، يُملى عليها شروطه - مرة أخرى-، على الأرجح بشكل أكثر قسوة وضراوة.

Image

استطلاع راى

هل تعتقد أن اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران سيغير خريطة القوى في الشرق الأوسط للأبد؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 7420 جنيه مصري
سعر الدولار 52.21 جنيه مصري
سعر الريال 13.91 جنيه مصري
Slider Image