الداخلية في مواجهة الإرهاب .. ضربات استباقية تفكك “حسم” وتجفف منابع التمويل وسط إشادات دولية
منذ تولي اللواء محمود توفيق مسؤولية وزارة الداخلية في يونيو 2018، دخلت المواجهة المصرية مع الإرهاب مرحلة أكثر اعتمادا على الضربات الاستباقية، والعمل المعلوماتي الدقيق، وتفكيك الشبكات التنظيمية والمالية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ؛ وذلك تنفيذا لتوجيهات القيادة السياسية بالعمل دائما من خلال المبادأة.
وخلال هذه السنوات، أعادت وزارة الداخلية رسم خريطة التحرك الأمني عبر الدمج بين الرصد المبكر، والانتشار الوقائي، وملاحقة العناصر الهاربة، وضرب البؤر الإرهابية، إلى جانب تجفيف منابع التمويل التي اعتمدت عليها التنظيمات المتطرفة في إعادة بناء هياكلها.
وهذا التحول لم يكن مجرد تطوير في الأداء، بل مثل انتقالا واضحا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، وهو ما انعكس في تراجع معدلات النشاط الإرهابي، وتوسيع نطاق السيطرة الأمنية، وتسجيل نجاحات متتالية في إحباط مخططات نوعية كانت تستهدف منشآت الدولة ومقدراتها.
(استراتيجية أمنية قائمة على الاستباق لا الانتظار)
ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، أكد اللواء محمود توفيق أن الحرب على الإرهاب لا تحتمل الاكتفاء بردود الأفعال، وأن المطلوب هو المراجعة والتطوير المستمر للاستراتيجية الأمنية، وتكثيف الضربات الاستباقية، وتعزيز قدرات جمع المعلومات وتحليلها، والتنسيق الكامل بين أجهزة الدولة لتفكيك الشبكات الإرهابية ومنع إعادة تشكيلها.
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الرؤية هي العنوان الأبرز لتحركات الوزارة؛ حيث اتسع الاعتماد على الرصد التقني، والمتابعة الدقيقة لتحركات العناصر الهاربة، وملاحقة الخلايا قبل تشكلها، مع استمرار التنسيق الوثيق مع القوات المسلحة الباسلة، خصوصا في مسار المواجهة الممتدة ضد التنظيمات الإرهابية في سيناء وغيرها من المناطق.
(أرقام تكشف اتساع المواجهة)
والأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة، تعكس حجم المعركة واتساعها، ففي كلمة وزير الداخلية خلال احتفال عيد الشرطة في يناير 2024، أعلن نجاح الأجهزة الأمنية في إجهاض 129 محاولة لتكوين بؤر إرهابية خلال عام واحد، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية ضد كيانات تمويلية دعمت جماعة الإخوان بقيمة بلغت 3.6 مليار جنيه.
وفي الملف المالي، أكد وزير الداخلية كذلك ضبط جرائم غسل أموال في مجال تمويل الارهاب بقيمة 253 مليون جنيه، بما يعكس أن المواجهة لم تعد مقتصرة على العناصر المسلحة، بل امتدت إلى شبكات التمويل والتمويه الاقتصادي التي تمثل شريان الحياة للتنظيمات المتطرفة.
وفي يناير 2026، عادت الوزارة لتؤكد استمرار هذا المسار، مع الإعلان عن ضرب هياكل تمويلية وإعلامية وتجارية، استخدمت كواجهات داعمة للجماعة الإرهابية، بقيمة تقارب 2.9 مليار جنيه، في إطار ما وصفته الوزارة بمواجهة متكاملة تستهدف التنظيم، والجناح المسلح، والذراع المالية، والمنصة التحريضية في وقت واحد.
(“حسم” في مرمى الضربات الأمنية)
وضمن أبرز العمليات الأمنية الناجحة التي كشفت عن جاهزية الأجهزة وقدرتها على المواجهة الاستباقية، جاءت الضربة التي أعلنتها وزارة الداخلية في يوليو 2025 ضد مخطط إرهابي لحركة “حسم”، الجناح المسلح المرتبط بتنظيم الإخوان الارهابي.
ووفق ما أعلنته الوزارة، فقد توافرت معلومات عن إعداد قيادات الحركة الموجودة في الخارج لمخطط يستهدف إعادة إحياء النشاط المسلح للتنظيم، عبر تنفيذ عمليات عدائية ضد منشآت أمنية واقتصادية داخل البلاد، وأسفرت أعمال الرصد والمتابعة عن تتبع أحد العناصر شديدة الخطورة، وهو أحمد محمد عبد الرازق أحمد غنيم، الذي تسلل إلى البلاد عبر الدروب الصحراوية بعد تلقيه تدريبات عسكرية متقدمة.
وخلال مداهمة وكر اختبائه في بولاق الدكرور بمحافظة الجيزة، جرى تبادل لإطلاق النار أسفر عن مصرعه ومعه العنصر الإرهابي إيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر، بعد أن بادرا بإطلاق الأعيرة النارية تجاه القوات، كما أصيب أحد الضباط خلال المواجهة، واستشهد مواطن تصادف وجوده في محيط الاشتباك.
(العملية كشفت البنية التنظيمية للمخطط الإرهابي)
ولم تتوقف أهمية هذه العملية الأمنية الناجحة عند إسقاط عنصرين شديدي الخطورة فقط، بل امتدت إلى كشف البنية القيادية للمخطط بالكامل، فقد أشارت وزارة الداخلية إلى تورط عدد من قيادات “حسم” المقيمة بالخارج في إدارة هذا التحرك، من بينهم العناصر الإرهابية يحيى موسى، ومحمد رفيق مناع، وعلاء السماحي، ومحمد عبد الحفيظ، وعلي محمود عبد الونيس.
وأكد هذا الكشف أن التنظيم لم يكن يتحرك بشكل عشوائي، وإنما عبر غرفة إدارة خارجية سعت إلى إعادة تشغيل الأذرع المسلحة، وتوفير عناصر مدربة، وتوجيه الضربات نحو منشآت الدولة ومقدراتها الاقتصادية، وهو ما أحبطته الأجهزة الأمنية قبل دخول المخطط مرحلة التنفيذ الفعلي.
(علي عبد الونيس.. أبرز عنصر إرهابي تم ضبطه مؤخرا)
وفي واحدة من أبرز الضربات الأمنية الحديثة، أعلنت وزارة الداخلية أمس القبض على القيادي بحركة “حسم” الإرهابية، علي محمود محمد عبد الونيس، بعد تتبع تحركاته وإعادته من احدى الدول الإفريقية.
وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل التنظيمي والإجرامي لهذا العنصر الارهابي، كونه مرتبطا بعدد من القضايا الإرهابية الكبرى، وصدور أحكام قضائية بحقه، بينها السجن المؤبد في قضية محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، و15 عاما في قضية “كتائب حلوان”، و10 سنوات في قضية “حسم 2” و”لواء الثورة”.
كما اعترف بتورطه في سلسلة من العمليات الخطيرة، من بينها محاولة اغتيال المستشار ناجي شحاتة، واغتيال اللواء عادل رجائي، واغتيال المقدم ماجد عبد الرازق، والهجوم على كمين العجيزي، وتفجير مركز تدريب الشرطة بطنطا، والتورط في حادث السيارة المفخخة أمام المعهد القومي للأورام.
ومثل ضبط هذا العنصر ضربة نوعية للحركة، ليس فقط بسبب سجله الدموي، بل لأنه كان واحدا من أبرز الوجوه القادرة على الربط بين القيادة الخارجية والعناصر التنفيذية في الداخل.
(ضبط عناصر عائدة من الخارج قبل التنفيذ)
وفي السياق نفسه، كشفت وزارة الداخلية أن علي عبد الونيس كان قد كلف عنصرين موجودين خارج البلاد، وهما محمود شحتة علي الجد، ومصطفى أحمد محمد عبد الوهاب، بالعودة إلى مصر لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أن الأجهزة الأمنية كانت ترصد تحركاتهما ونجحت في ضبطهما قبل الشروع في التنفيذ.
وعكست هذه الواقعة بوضوح، أن وزارة الداخلية لم تعد تنتظر وقوع الهجوم أو العملية الإرهابية، بل تتعامل مع الخطر منذ لحظة التكوين الأولى، سواء في دوائر التمويل أو التدريب أو التحرك الميداني، وهو ما جعل كثيرا من المخططات يسقط قبل أن يتحول إلى عملية إرهابية مكتملة.
(غسيل الأموال.. المعركة الصامتة في تمويل الإرهاب)
وواحد من أهم ملامح المواجهة في عهد اللواء محمود توفيق، تمثل في نقل ملف مكافحة الإرهاب من ساحات الاشتباك المسلح فقط، إلى ساحات التمويل والغطاء التجاري والإعلامي، فالتنظيمات المتطرفة لم تعد تعتمد فقط على الدعم التقليدي، بل توسعت في استخدام الشركات والواجهات التجارية واللجان الإعلامية ومنصات التضليل كأدوات لتمويل نشاطها وإعادة إنتاج خطابها.
وفي هذا السياق، برزت عدة ملفات كبرى، من أهمها اتخاذ إجراءات قانونية ضد كيانات تمويلية بقيمة 3.6 مليار جنيه دعمت تنظيم الإخوان الإرهابي، ثم التحرك ضد واجهات تمويلية وإعلامية وتجارية قدرت قيمتها بنحو 2.9 مليار جنيه، بما يؤكد أن المواجهة الأمنية باتت تشمل المال المشبوه بقدر ما تشمل السلاح.
وتكشف هذه الأرقام، أن الحرب على الإرهاب لم تعد تدار فقط عند نقاط المداهمة والاشتباك، بل أيضا داخل الشبكات المالية، والحسابات، والكيانات الاقتصادية التي تستخدم كغطاء لتمرير الدعم، وتثبيت البنية التنظيمية، وإعادة تدوير الموارد لصالح الجماعات المتطرفة.
(إشادات دولية بجهود مصر الأمنية)
ولم تمر النجاحات الأمنية المصرية دون رصد دولي، فقد أشارت تقارير دولية إلى تراجع النشاط الإرهابي في مصر بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مقارنة بسنوات الذروة، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في عدد الهجمات واتساع قدرة الدولة على الردع والمنع.
كما لفتت تقارير غربية إلى أن سيناء شهدت تراجعا كبيرا في معدلات العنف مقارنة بما كانت عليه في سنوات سابقة، وأن الدولة المصرية واصلت الجمع بين المواجهة الأمنية وبرامج التنمية والاستقرار، في مسار متكامل لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
وفي ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حصلت مصر كذلك على إشادة دولية مهمة من مجموعة العمل المالي، التي أبرزت التجربة المصرية ضمن أفضل الممارسات الدولية في تحقيق التوازن بين الشمول المالي والالتزام الصارم بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما أكدت المجموعة حدوث تقدم في مستويات الامتثال الفني المصرية في عدد من التوصيات الرئيسية، وهو ما يعكس تطورا واضحا في بنية المواجهة الرقابية والمالية.
(بين الأمن والتنمية.. مقاربة أشمل)
اللافت في التجربة المصرية خلال هذه المرحلة، أن ملف مكافحة الإرهاب لم يعد يدار كملف أمني ضيق، بل كجزء من مقاربة أوسع تشمل المواجهة الفكرية، والتنمية، وتجفيف المنابع، ورفع الوعي، والتعامل مع الشائعات ومنصات التحريض الإلكتروني، خاصة مع تنامي ما بات يوصف بحروب الأجيال الجديدة التي تستهدف الدول من الداخل.
ولهذا، جاء خطاب وزارة الداخلية في أكثر من مناسبة، مؤكدا أن الإرهاب لم يعد مجرد عبوة ناسفة أو خلية مسلحة، بل أصبح منظومة ممتدة تضم التمويل، والتحريض، والتجنيد، والتضليل، ومحاولات ضرب الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما استدعى توسيع نطاق المواجهة ليشمل كل هذه الدوائر دفعة واحدة.
(خلاصة المشهد)
في المحصلة، تكشف سنوات تولي اللواء محمود توفيق وزارة الداخلية عن مرحلة اتسمت بتطوير الأدوات، وتوسيع نطاق الاستهداف، والاعتماد على الضربات الاستباقية، والتعامل مع الإرهاب باعتباره شبكة مركبة لا مجرد عناصر مسلحة معزولة.
فمن إجهاض محاولات تشكيل البؤر الإرهابية، إلى إسقاط مخططات “حسم”، إلى القبض على قيادات بارزة مثل علي عبد الونيس، إلى ضرب الواجهات التمويلية التي تقدر قيمتها المليارات، تبدو الصورة العامة واضحة: وزارة الداخلية لم تكتف بمطاردة الإرهاب في الميدان، بل لاحقته في المال، والتنظيم، والإعلام، والحدود، والفضاء الإلكتروني.
وهكذا، فإن المشهد الأمني المصري خلال هذه الفترة يبرز كمرحلة عنوانها الأساسي أن المواجهة لم تعد فقط لمنع الهجوم، بل لمنع ولادة الهجوم من الأصل.






