السفير عمرو حلمي ل " مصر الآن ":حرب إيران اجتاحت تداعياتها الاقتصاد العالمي
فال الخبير الدبلوماسي السفير عمرو حلمي مساعد وزير الخارجية السابق في تصريح لـ "مصر الآن "إنه من السهل إشعال الحروب، لكن من الصعب التنبؤ بكافة تداعياتها أو التحكم في شكل نهاياتها؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت قدراتها التدميرية، لا تكفي وحدها لتحديد مسار صدام ما لم تندرج ضمن استراتيجية متكاملة تستوعب تعقيدات البيئة الجيوسياسية وتداعياتها الاقتصادية ، ويتجلى ذلك بوضوح في الحرب ضد إيران، التي اجتاحت تداعياتها بالفعل الاقتصاد العالمي، حيث استند تصور من شرع في شنها إلى تقدير خاطئ بأنها ستكون عملية خاطفة تستهدف إسقاط النظام عبر تصفية قياداته وإشعال انتفاضة داخلية. غير أن مسار الأحداث انحرف سريعًا عن هذا التقدير، ليتحول النزاع من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع النطاق، تتجاوز انعكاساته حدود الجغرافيا لتطال بنية الاقتصاد العالمي واستقرار النظام الدولي، بما يؤكد أن الحروب كثيرًا ما تنزلق خارج نطاق نواياها الأولية إلى مسارات أكثر تعقيدًا وتشابكًا قد يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.
وأضاف حلمي أنه وقد جاء رد إيران مخالفًا لتوقعات الأطراف التي بادرت بالتصعيد، إذ وسّعت نطاق المواجهة باستهداف منشآت البترول والغاز في دول الخليج، وشرعت في عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان الحيوي لتدفقات الطاقة العالمية. وكان يمر عبر المضيق ما يتراوح بين 20 و21 مليون برميل بترول يوميًا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي، فضلًا عن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولا تعكس هذه الأرقام فقط كثافة تدفقات الطاقة، بل تكشف أيضًا مدى انكشاف الاقتصاد العالمي على نقطة جغرافية ضيقة، ما يجعل المضيق أحد أبرز مصادر المخاطر في الاقتصاد الدولي؛ إذ إن تعطّل هذا الممر، ولو جزئيًا، لا يؤدي فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل يفرض إعادة تسعير واسعة النطاق للعديد من السلع الحيوية، في ظل انتقال آثار الصدمة عبر سلاسل الإمداد إلى مختلف الأسواق العالمية.
وقال مع تصاعد التوتر، برز مشهد غير مسبوق تمثل في تكدس نحو 700 ناقلة بترول وبضائع قرب المضيق، بما يعكس اختناقًا حادًا في أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالميًا، ويهدد باضطراب عميق في سلاسل الإمداد وارتفاع حاد في الأسعار. وزادت التطورات العسكرية من تعقيد المشهد، بعد استهداف إسرائيل لحقل بارس الجنوبي للغاز في إيران، وردّ إيران بقصف مجمع رأس لفان في قطر، وهما من أكبر مراكز إنتاج الغاز الطبيعي في العالم، بما يعزز احتمالات اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة. ويكتسب هذا التصعيد أهمية مضاعفة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن المضيق لم يعد مجرد ممر لنقل البترول والغاز، بل تحول إلى نقطة ارتكاز تتحكم في منظومة مترابطة تشمل الطاقة، والأمن الغذائي، والإنتاج الصناعي، ونفقات النقل، وتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل أي خلل فيه تهديدًا مباشرًا للنظام الاقتصادي العالمي.
وأضح في هذا السياق، حذر فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، من أن العالم يواجه بالفعل أزمة طاقة تتجاوز في آثارها صدمات سبعينات القرن الماضي، ليس فقط من حيث الأسعار، بل من حيث قدرة الأسواق على تلبية الطلب في ظل اضطرابات متزايدة وتراجع مرونة الإمدادات، بما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد الصناعية.
وتعكس التحذيرات الدولية إدراكًا متزايدًا لحجم المخاطر، إذ أشار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، إلى أن الصراع خرج عن نطاق التوقعات، ولم يعد نزاعًا محدودًا، بل بات يحمل أبعادًا اقتصادية وإنسانية عميقة تشمل اضطراب أسواق الطاقة والغذاء وتصاعد الضغوط على مختلف الاقتصاديات ، محذرًا من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها، ومؤكدًا ضرورة التحرك الدبلوماسي العاجل.
وقال تتسق هذه الرؤية مع تقديرات المؤسسات الدولية، حيث يشير تحليل صندوق النقد الدولي ومنظمه التجاره العالميه ومنظمه الامم المتحده للأغذيه والزراعة ووكالتي جولدمان ساكس وبلومبرج إلى أن استمرار الحرب سيدفع أسعار البترول إلى ارتفاعات حادة، بما يغذي موجات تضخمية عالمية ويزيد من احتمالات الركود. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد الزراعية سيقود إلى صعود ملموس في أسعار الحبوب، خاصة القمح والذرة والأرز، وهو ما يفاقم هشاشة الأمن الغذائي، لا سيما في الدول النامية
وتتعمق هذه المخاطر في ضوء الاعتماد الكبير للإنتاج الزراعي العالمي على الأسمدة النيتروجينية، حيث تمثل دول الخليج وإيران نسبة مؤثرة من الإنتاج العالمي لليوريا والأمونيا، وهما من المدخلات الأساسية لصناعة الأسمدة. ومن ثم، فإن أي اضطراب في إنتاج أو شحن هذه المواد نتيجة التوترات حول مضيق هرمز يهدد بارتفاع أسعارها وتراجع الإنتاج الزراعي، بما ينعكس مباشرة على أسواق الغذاء العالمية.
وأشار إلى أنه لا تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تمتد إلى موارد استراتيجية أخرى، مثل الهيليوم، حيث كان يمر عبر هذا المضيق ما يقرب من 30% من احتياجات العالم منه، وهو عنصر حيوي يدخل في صناعة أشباه الموصلات المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة الأداء. كما كان يمر عبره نحو 25% من التجارة العالمية للبتروكيماويات، ونحو 30% من إمدادات الأسمدة، بما يعكس عمق الترابط بين هذا الممر الحيوي ومجموعة واسعة من سلاسل الإمداد العالمية. وفي السياق ذاته، تواجه المعادن الحيوية، ومنها الألومنيوم، ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة وتعطل الشحن، ما يقيد آفاق النمو الصناعي عالميًا ويزيد من حدة الاختناقات في القطاعات الإنتاجية.
وتتضافر هذه العوامل لتشكل بيئة استراتيجية شديدة الهشاشة، حيث تتقاطع أزمة الطاقة مع اضطرابات الأمن الغذائي وتراجع الإنتاج الصناعي، في سياق اقتصادي يتسم بتباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية، بما يعزز احتمالات الدخول في مرحلة من الكساد التضخمي. وفي مثل هذه البيئة، تغدو فعالية خفض أسعار الفائدة محدودة في تحفيز النمو عندما تكون الضغوط مدفوعة بصدمات في جانب العرض لا تستجيب بسهولة لأدوات السياسة النقدية.
وعليه، لم تعد الحرب ضد إيران مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لقدرة النظام الدولي على التكيف مع صدمات مركبة ومتشابكة. ويستدعي هذا الواقع الدفع نحو حلول دبلوماسية تقلل من مخاطر التصعيد، إذ إن العالم لم يعد قادرًا على تحمل صدمات جيوسياسية ممتدة دون كلفة اقتصادية باهظة، فإدارة المخاطر الاستراتيجية اصبحت شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار والنمو، في وقت تشير فيه التطورات الراهنة إلى أن الأطراف التي شرعت في هذه الحرب لم تكن تدرك حجم وأبعاد تداعياتها، وهي تداعيات قد تمتد آثارها لسنوات طويلة تتجاوز عمر الصراع ذاته.






