السفير عمرو حلمي يكتب :فتح مضيق هرمز وحدود القوة الأمريكي
في خضم التصاعد الحاد للتوترات الإقليمية، وما يتردد عن احتمالات لجوء الولايات المتحدة إلى عمليات عسكرية برية لتحرير مضيق هرمز من أي سيطرة إيرانية محتملة، يبرز هذا الطرح بوصفه واحداً من أكثر السيناريوهات تعقيداً وكلفةً، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث تداعياته الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية على النظام الدولي بأسره. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر مائي ضيق، بل يعد شرياناً حيوياً تتدفق عبره قرابة خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة ارتكاز مركزية في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، وأي محاولة لفرض السيطرة عليه بالقوة البرية تفتح الباب أمام احتمالات تصعيد غير محسوبة
التقديرات التي تحدثت في مراحل سابقة عن خمسة مواقع محتملة لعمليات إنزال بحري أمريكي عادت لتختزل الخيارات إلى ثلاثة مسارات رئيسية، لكل منها اعتبارات معقدة وقيود حاسمة.
١- فجزيرة خرج،
رغم أهميتها البالغة باعتبارها المنفذ الرئيسي لتصدير ما يقرب من ٩٥ ٪ من البترول الإيراني، إلا أنها تمثل هدفاً ذا طابع اقتصادي عقابي أكثر منه مدخلاً عملياً لفتح المضيق، إذ إن السيطرة عليها، حتى وإن نجحت، لن تضمن إعادة انسياب الملاحة، بل قد تدفع طهران إلى مزيد من التصعيد، وربما إلى توسيع نطاق عملياتها التعطيلية في الممرات البحرية
٢- الجزر الواقعة داخل المضيق ذاته، وهي جزيره قشم Qeshm وجزيره لارك Larak وجزيره هرمز Hormuz
فهي تمثل من الناحية النظرية الخيار الأكثر بإمكانية فتح المضيق، نظراً لما توفره من مواقع متقدمة لنشر أنظمة الصواريخ الساحلية والرادارات ووسائل المراقبة، إلا أن أي محاولة للسيطرة عليها عبر إنزال بحري ستصطدم بواقع عسكري بالغ التعقيد، حيث الطبيعة الجغرافية الصعبة، والتحصينات الدفاعية الكثيفة، والقرب المباشر من البر الإيراني بما يسمح بإمدادات سريعة وتعزيزات مستمرة، وهو ما يجعل تكلفة مثل هذه العملية، بشرياً ومادياً، مرتفعة إلى حد قد يتجاوز حدود المقبول سياسياً داخل الولايات المتحدة
٣- جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى
فرغم ما تمثله من أهمية استراتيجية في سياق التوازنات الإقليمية والسيطرة على بعض الممرات الفرعية، فإن السيطرة عليها لا تترجم بالضرورة إلى قدرة مباشرة على فتح المضيق، بل تبقى ذات تأثير تكتيكي محدود لا يحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في تأمين حرية الملاحة بشكل كامل ومستدام
في ضوء ذلك، تتلاقى معظم التقديرات العسكرية على أن أي عملية برية واسعة النطاق في هذا المسرح لن تكون قصيرة الأمد، بل ستنطوي على انخراط ممتد قد يستمر لأسابيع أو حتى أشهر، مع ما يستتبعه ذلك من خسائر بشرية كبيرة، وتكاليف مالية ضخمة، وضغوط سياسية داخلية متصاعدة، وهو ما يجعل مثل هذا الخيار بالغ الصعوبة من حيث القبول السياسي والاستدامة العملياتية. كما أن طبيعة التهديد الإيراني لا تعتمد في جوهرها على السيطرة التقليدية على الأرض بقدر ما ترتكز على امتلاك أدوات تعطيل منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية، مثل الألغام البحرية، والمسيرات، والصواريخ المضادة للسفن، وهي أدوات لا يمكن تحييدها بالكامل عبر احتلال جغرافي محدود
وعليه، يظل التعويل على حسم عسكري سريع في مضيق هرمز، ولا سيما عبر عمليات برية أمريكية، خياراً مثقلاً بمخاطر استراتيجية كبيرة، في ظل معادلة غير متكافئة تجمع بين قدرة إيرانية منخفضة الكلفة على التعطيل، وكلفة باهظة لتحييد هذه القدرات تتحملها أي قوة مهاجمة، الأمر الذي يجعل هذا السيناريو، رغم تداوله، شديد الخطورة ومحفوفاً بتداعيات غير محسوبة٠






