الأربعاء 8 أبريل 2026 | 07:53 م

د. نورا طارق معروف تكتب :الاستثمار فى الأمن والامان


لا يخفى على أحد حجم الجهود المصرية المستمرة والدؤوبة للحفاظ على مكانة مصر كدولة عريقة ذات حدود راسخة ومعترف بها منذ أقدم العصور. غير أن التحديات الأمنية تصاعدت بشكل ملحوظ عقب ثورات الربيع العربي، حيث شهدت المنطقة اضطرابات كادت أن تهدد كيان الدولة المصرية. إلا أن ثورة 2013 جاءت لتؤكد إرادة الشعب المصري بكل أطيافه في الدفاع عن الوطن، معلنة بوضوح أن مصر لن تفرط في ذرة رمال من أرضها، ومستعدة لدفع الغالي والنفيس حفاظاً على حدودها وسيادتها. ومن هنا بدأت رحلة تثبيت أركان الأمن والأمان، مقرونة بقراءة واعية لمجريات الأحداث الإقليمية والدولية، وإيمان راسخ بدور مصر المحوري كركيزة أساسية للأمن العربي والإسلامي.

انطلقت مصر في تنفيذ مشروعات استراتيجية ذات طابع أمني واقتصادي، اتسمت بالهدوء والسرية وسرعة الإنجاز. هذه المشروعات لم تكن مجرد بنية تحتية، بل أدوات لحماية الثروات الوطنية والعربية في مواجهة احتمالات الحروب والصراعات الإقليمية. فشهدت البلاد بناء الصوامع وتطوير المطارات وإنشاء مناطق وموانئ لوجيستية على حدودها المختلفة، بما يعزز القدرة على مواجهة التحديات ويؤمن احتياجات الدولة في الظروف الاستثنائية.

وقد انعكس ذلك على ثقة الدول المجاورة، إذ وجدت بعض الدول العربية مثل قطر في المطارات المصرية ملاذاً آمناً لطائراتها، بل إن إسرائيل نفسها لجأت إلى مطار شرم الشيخ لحماية طائراتها. هذا يعكس ليس فقط البعد الأمني، بل أيضاً الأهمية الاقتصادية لهذه المشروعات التي تدر عوائد مالية ضخمة تصل إلى ملايين الجنيهات يومياً، بما يوازي – بل يتجاوز – دخل قناة السويس في بعض الحالات.

من أبرز هذه المشروعات ميناء دمياط، الذي يمثل حلقة وصل بين الخليج وأوروبا عبر خط "الدورو" الأخضر، معتمداً على فكرة "الترانزيت غير المباشر" لربط مصر بإيطاليا ومنها إلى أوروبا. ويُتوقع أن تتداول محطة "تحيا مصر" بدمياط ما بين 3 إلى 5 ملايين حاوية سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الدور الاستراتيجي للميناء.

كما يبرز ميناء سفاجا الجديد المطور لاستيعاب السفن العملاقة، ليشكل مع ميناء دمياط شبكة تجارية متكاملة تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتفتح خطوطاً مباشرة إلى أوروبا (ميناء تريستا الإيطالي) والخليج العربي. هذه الرؤية تجعل من مصر طوق نجاة لدول الخليج في ظل التوترات الأمريكية – الإيرانية، وتضعها في موقع المركز الإقليمي والعالمي للنقل واللوجيستيات.

اكتملت هذه الرؤية بإعلان روسيا موافقتها على تحويل مصر إلى مركز لوجيستي للحبوب، وهو ما يعزز مكانتها في منظومة التجارة العالمية. وعلى الصعيد الداخلي، أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع صافي احتياطيات النقد الأجنبي إلى 52,083.2 مليار دولار بنهاية مارس، مقابل 52,074.6 مليار دولار في فبراير، بزيادة بلغت 85 مليون دولار، وهو مؤشر على نجاح السياسات الاقتصادية والأمنية في آن واحد.

يتضح أن الاستثمار في الأمن والأمان ليس مجرد خيار، بل هو استراتيجية شاملة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية واللوجيستية، لتجعل من مصر لاعباً محورياً في الحفاظ على استقرار المنطقة وضمان استمرار حركة التجارة الدولية.

لاقول بكل فخر مصر نموذجًا لدولة تدرك أن الأمن ليس تكلفة بل استثمار طويل الأمد. من خلال مشروعاتها الاستراتيجية، استطاعت أن تتحول من دولة تواجه تحديات وجودية إلى مركز إقليمي ودولي للأمن واللوجيستيات، مما يعزز مكانتها كفاعل رئيسي في الشرق الأوسط والعالم.

استطلاع راى

هل تعتقد أن اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران سيغير خريطة القوى في الشرق الأوسط للأبد؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 7235 جنيه مصري
سعر الدولار 53.65 جنيه مصري
سعر الريال 14.29 جنيه مصري
Slider Image