نهله علي تكتب :حروب كسر الإرادة.. حين يصبح الخراب هو المنتصر الوحيد
الحروب التي تُبنى على كسر الإرادة لا تُحسم بسهولة، لأنها لا تدور فقط حول السلاح والعتاد، بل تتجاوز ذلك إلى معارك أعمق تتعلق بالعقيدة والصبر والنفوذ والسيطرة النفسية. ولهذا تبدو المواجهات الكبرى في عالم اليوم أكثر تعقيداً من مجرد انتصار عسكري أو هزيمة تقليدية، فكل طرف يدخلها وهو مقتنع أن التراجع يعني خسارة المكانة والهيبة وربما المستقبل بأكمله.
المشهد الحالي في المنطقة يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فالمفاوضات مستمرة شكلياً، لكن سقف التفاهم ما زال بعيداً عن أرض الواقع. الجميع يتحدث عن الحلول السياسية، بينما التحركات العسكرية والاستعدادات الاستراتيجية تقول إن كل طرف يضع احتمال المواجهة المقبلة في حساباته. وكأن التفاوض بات وسيلة لشراء الوقت، وليس طريقاً حقيقياً لإنهاء الأزمة.
إيران اليوم تبدو مرهقة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات والصراعات الممتدة، لكنها في الوقت ذاته تراهن على قدرتها على الصمود الطويل واستنزاف خصومها سياسياً ونفسياً. أما الولايات المتحدة، فرغم تفوقها العسكري الهائل، فإنها تدرك أن الحسم الكامل في مثل هذه المواجهات ليس أمراً سهلاً ولا يمكن تحقيقه دون كلفة باهظة، خاصة في منطقة مليئة بالتعقيدات والتحالفات والتوازنات الحساسة.
وفي قلب هذا المشهد، تتحرك إسرائيل وفق حسابات دقيقة تسعى من خلالها لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم أمنها ومصالحها الاستراتيجية، مستفيدة من حالة الاستقطاب الدولي، ومن رغبة بعض القوى الكبرى في إدارة الصراع بما يضمن استمرار النفوذ والسيطرة. وهنا تتراجع الاعتبارات الإنسانية أمام لغة المصالح، فتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
الأخطر في كل ذلك أن منطق “كسر الخصم” غالباً ما يقود إلى نتائج كارثية، لأن الحروب التي تُدار بعقلية الإلغاء الكامل لا تترك مساحة للحلول الوسط، بل تدفع الجميع نحو مزيد من التصعيد. والتاريخ يعلمنا أن الحروب الطويلة قد تُنهك الجميع حتى لو بدا أحد الأطراف أكثر قوة في البداية.
ولهذا فإن الخوف الحقيقي ليس فقط من اندلاع مواجهة جديدة، بل من غياب العقل السياسي القادر على إدراك أن استمرار هذا المسار قد يدفع المنطقة والعالم إلى مرحلة أكثر اضطراباً وفوضى. فحين تتحول الحروب إلى صراع إرادات بلا سقف، يصبح الخراب هو النتيجة الوحيدة التي يتقاسمها الجميع، مهما اختلفت مواقعهم أو قوتهم

-54.jpg)

-34.jpg)
-43.jpg)

