رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ل " مصر الآن":العلاقات المصرية الكورية تشهد طفرة كبير في عهد الرئيس السيسي
بمناسبة احتفال كوريا الديمقراطية الشعبية هذا الشهر بعيدها الوطني الـ 78 لتأسيسها، نلتقي مع الدكتور يحيى خيرالله رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ورئيس مجلس التعاون العربي الكوري.
دكتور يحيى خيرالله.. نرجو أن يتسع صدركم لنا في هذا الحوار.
لأنه في الحقيقة، المادة الإعلامية المنشورة عن كوريا الشمالية في منطقتنا العربية قليلة، وكثير منها غير دقيق لأنه يستند إلى رواية من طرف واحد يمتلك القدرة الإعلامية الموجهة، مما يجعل الكثير من المعلومات والمفاهيم من الاخبار التي تنشر مغلوطة لدى القارئ، لذلك، نلتقي، لنصحح بكم لنوضح الكثير من الأمور والمفاهيم والاخبار والتحليلات السياسية عن كل ما هو مغلوط عن كوريا الشمالية، من خلال معرفتك العميقة للشأن الكوري.
في هذا الحوار نبدأ أولاً بالعلاقات "المصرية – الكورية" وجذورها التاريخية.
س-من وجهة نظركم.. نود فهم مسار العلاقة بين مصر وكوريا الديمقراطية اليوم في ظل التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية؟
ج- أود في البداية أن أشير إلى أن مصر في الوقت الحالي في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحرص دائماً على التواصل مع جميع دول العالم وتنمية علاقاتها الودية، المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهذا النهج السياسي تنهجه مصر دون النظر إلى التوجهات السياسية للدول أو علاقاتها مع أطراف أخرى.
ولقد كان للعلاقات المميزة بين القيادة السياسية المصرية والكورية أثر بالغ على مسار العلاقات الثنائية بين البلدين منذ خمسينات القرن الماضي، وعلى المستوى الدولي أيضاً، من خلال التنسيق الدائم والتعاون المستمر بين الدولتين في المحافل الدولية.
وخاصة أن الهيئات والمنظمات التي تجمع مصر وكوريا ليست بالقليلة، ومن بينها الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز.
س: هل يمكنكم استعراض محطات تطور هذه العلاقة؟
ج- سأحاول أن أستعرض تلك العلاقة بإيجاز، فالعلاقات الثنائية بين مصر وكوريا الشمالية تبلورت في خمسينات القرن الماضي، وكان ذلك نتاجاً طبيعياً لحقبة تاريخية تميزت بالدور الفاعل للشعوب الداعية إلى التحرر الوطني والكفاح ضد الاحتلال والنضال من أجل الحرية.
وهذا الدور المشترك ساهم ولا يزال يسهم في تحقيق استتباب السلم والأمن الدوليين، وكذلك كان له دور في مؤازرة قضايا التحرر الوطني وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فكانت عاملاً مشتركاً، فمن ناحية مصر تمثل لها واجباً وطنياً لا يتزعزع، ومن ناحية كوريا واجباً إنسانياً لا تحيد عنه أبداً.
ومن جانب مصر، كانت تُثمن دائماً موقف كوريا الداعم للحق العربي العادل بشكل مطلق.
س: وما هي أبرز المحطات الفارقة في مسار هذه العلاقة؟
ج- دعني أقول لك، بأن هناك محطات فارقة في هذه العلاقة، أبرزها خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لا ينكر أحد أن شخصية الرئيس جمال عبد الناصر كان لها ثقل سياسي داخل حركة عدم الانحياز، وحظي قراره بتأميم القناة بدعم كبير من الرئيس كيم إيل سونغ مؤسس كوريا.
وبعد أن نجحت مصر في صد العدوان الثلاثي، بادر الزعيم الكوري بتقديم مساعدات مالية لمصر، مؤيداً لقرار التحدي الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر، في ذلك الوقت، كان لهذا الموقف التاريخي دور كبير في تمهيد الطريق أمام تحالف قوي بين البلدين خلال الستينيات. ففي عام 1961 وصل وفد دبلوماسي كوري شمالي إلى القاهرة بهدف إقامة علاقات قنصلية، حيث بدأ التمثيل الدبلوماسي في عام 1963، كما قدمت كوريا الشمالية دعماً دبلوماسياً لجهود مصر في حرب اليمن ضد الاحتلال البريطاني، تعزيزاً للمواءمة والتنسيق بين البلدين.
س: في ظل التغيرات الدولية الراهنة، كيف ترون مستقبل هذه العلاقة؟
إن مستقبل الدول في علاقاتها يُبنى على المصالح المشتركة، ولا يمكن إغفال أن الإرث التاريخي في العلاقة بين مصر وكوريا سيظل ركيزة جوهرية في تطوير تلك العلاقات. فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بتشابه الأيديولوجيات، بل بقدرتها على تجاوز التغيرات الدولية والتقلبات السياسية، والانطلاق من أرضية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ففي عالم تشتد فيه الاستقطابات الأيديولوجية وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تثبت التجربة المصرية الكورية أن ثبات المبادئ واحترام السيادة هو ما يضمن استمرارية العلاقات، وأن المصالح المشتركة هي التي تصونها من التقلبات.
أما عن التغيرات الدولية المتسارعة اليوم، فإن الأساس التاريخي المتين والاحترام المتبادل والتنسيق في القضايا الدولية، عوامل تجعل مسار الشراكة بين القاهرة وبيونغ يانغ مستمراً وقادراً على التطور بما يخدم مصالح الشعبين.
س: كيف ترون الدور المصري المحوري في قضايا الشرق الأوسط، وما هي أبرز نقاط التلاقي بين السياسة الخارجية للبلدين؟
أعتقد أن مصر بوصفها دولة محورية وركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، لذلك فمصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي تبذل جهوداً حثيثة لحل الأزمات الإقليمية بالوسائل السلمية والدبلوماسية والحوار.
وبصفتي رئيساً لجمعية الصداقة المصرية الكورية أؤكد لكم بأن كوريا تُقدر هذا الدور بعمق، ولمست ذلك من خلال مناقشاتي مع المسؤولين الكوريين سواء في كوريا أو مصر، وخاصة فيما يتعلق بمساعي مصر لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، فالقضية الفلسطينية تحظى بالدعم الكوري المطلق.
وقد جاء ذلك جلياً في كلمة السيد القائم بأعمال سفارة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالقاهرة، بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لكوريا، فقد أعلن ذلك بوضوح، وهذا يدل على ثقة كوريا في القيادة المصرية وسياستها في الشرق الأوسط.
س: ما هي أبرز نقاط التلاقي بين السياسة الخارجية المصرية والكورية؟
أما فيما يتعلق بأبرز نقاط التلاقي بين السياسة الخارجية لمصر وكوريا، ومن خلال التصريحات الرسمية المعلنة للبلدين، فمن وجهة نظري هي عديدة وتاريخية:-
أولاً: الإيمان الراسخ بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومكافحة الاحتلال، وهذا ما تجسد منذ خمسينات القرن الماضي ودفع العلاقات المصرية الكورية إلى الأمام.
ثانياً: الالتزام المشترك بمبادئ حركة عدم الانحياز واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذه عقيدة سياسية تنهجها مصر وكوريا بثبات.
ثالثاً: الدعم المتبادل بين مصر وكوريا في المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، حيث يتم التنسيق في القضايا العادلة، فكلا البلدين لا يحيدان عن الحق من أجل إرساء السلام والأمن الدوليين.
رابعاً: تتفق مصر وكوريا على أن الحلول العسكرية لا تجلب إلا الدمار، وأن السبيل الوحيد لحل القضايا العالقة هو الحوار والتفاوض، وخاصة القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط، والعالم كله يعلم موقف مصر وكوريا في تلك القضية، وأن حلها لابد أن يكون بالوسائل السلمية ليعود الحق للشعب الفلسطيني أصحاب الأرض.
خامساً: تُعد القضية الفلسطينية من أبرز نقاط التلاقي الجوهرية بين السياسة الخارجية المصرية والكورية، إذ تتلاقى الدولتان في موقف مبدئي ثابت يقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة، فمصر من جانبها، تضطلع بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بدور محوري وريادي كشريك رئيسي لا غنى عنه، حاملاً على عاتقه مسؤولية الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، والسعي الدؤوب لوقف العدوان وتحقيق التهدئة وفتح آفاق الحل العادل والشامل.
وفي المقابل، تقف جمهورية كوريا الشمالية بقيادة الرئيس كيم جونغ وون موقفاً صلباً وداعماً بلا مساومة للحق الفلسطيني، رافضةً للهيمنة والاستعمار الجديد، ومنحازةً بشكل واضح لقوى التحرر الوطني في مواجهة السياسات الإمبريالية.
وهكذا يلتقي الزعيمان، الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس كيم جونغ وون، في رؤية مشتركة ترفض تصفية القضية الفلسطينية، وتؤكد أن السلام العادل في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا بالعدالة ورفع الظلم التاريخي عن الشعب الفلسطيني.
وأنت تعلم بأن هذا موقف ثابت لا يتزعزع سواء للقيادة المصرية أو للشعب المصري، لقد ضحت مصر بالكثير من أجل عودة حقوق الشعب الفلسطيني، ومن خلال التصريحات الرسمية الكورية، فإنها تعمل على تعزيز أواصر الصداقة مع مصر ودعمها الكامل للقضية الفلسطينية ، فكوريا لا تعترف بالكيان الصهيوني كدولة ولا تقيم معه أي علاقات دبلوماسية أو غيرها، كما أن موقف حزب العمل الكوري والحكومة الكورية ثابت في إعطاء الأولوية لتطوير العلاقات مع القاهرة ودعم القضية الفلسطينية، باعتبار مصر شريكاً هاماً في التصدي للعدوان وحماية العدل والسلام في العالم، وقد صرح السفير الكوري بالقاهرة بذلك في الاحتفال بالعيد الوطني الكوري، وذلك في حضور ممثل لوزارة الخارجية المصرية ووزارة الدفاع المصرية.
دكتور يحيى : دعنا ننتقل إلى ملف بالغ الأهمية، وهو ما يطلق عليه إعلام الغرب "الأزمة النووية الكورية"، فقد هاجمت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بشدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمس، واصفةً دعواتها المتكررة لنزع ترسانتها النووية بأنها "حماقات معتادة" ومجرد "ضوضاء لا قيمة لها"... ما تعليقك؟
ج- دعني اولاً اشير إلى مختصر البيان الصحفي الصادر عن السيدة كيم يو جونغ، مديرة إدارة اللجنة المركزية لحزب العمال الكوري، بتاريخ 17 سبتمبر، فقد جاء حاسماً وقاطعاً، فقد وصفت ما تردد خلال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول "انتهاك قرارات مجلس الأمن وتهديد السلم الدولي ونزع السلاح النووي الكامل" بأنه مجرد هراء معتاد وضوضاء مكررة لا تحمل أي جديد.
وأكدت أن وضع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية كدولة نووية حقيقة راسخة لا رجعة فيها، ومكرسة فعلياً وقانونياً، وأن صراخ الوكالة والغرب لن يؤثر قيد أنملة على عزم الدولة وقدرتها على اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن مصالحها العليا، مشددةً على أن القوة النووية الكورية هي صمام الأمان لردع الممارسات المارقة وضمان السلم والأمن.
أما عن تحليلي لهذا التصريح أقول: إن تصريح السيدة كيم يو جونغ يعكس ذروة النضج الاستراتيجي في الخطاب السياسي الكوري، فهو ليس مجرد رد انفعالي على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل إعلان سيادي محسوب بدقة، فوصفها لدعوات نزع السلاح النووي بـ "الهراء المعتاد والضوضاء المكررة" يحمل دلالة سياسية عميقة، وهي نزع الشرعية عن أي خطاب غربي يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وترسيخ معادلة جديدة مفادها أن التفاوض - إن حدث - سيكون بين دولتين نوويتين، وليس بين وكالة ومتهم بامتلاك أسلحة نووية.
والأهم في خطابها هو التأكيد على أن الوضع النووي لكوريا "حقيقة راسخة لا رجعة فيها، ومؤكدة فعلياً وقانونياً"، وهذه إشارة مباشرة إلى التعديل الدستوري لعام 2023 الذي حصّن امتلاك السلاح النووي.
وبذلك تُغلق كوريا الشمالية الباب نهائياً أمام أي مساومة حول التخلي عن الردع، وتُحوّل السلاح النووي من ورقة تفاوضية إلى ركيزة وجودية للدولة.
سياسياً، تُجسد تصريحات كيم يو جونغ جوهر سياسة "سونكون" التي سنشرحها في وقتها، فالقوة النووية هنا ليست أداة عدوان، بل صمام أمان لضمان السلم عبر الردع، ورسالة مزدوجة الأهداف، فهي من ناحية طمأنة للداخل، تستهدف رفع الروح المعنوية للجيش والشعب، وتعزيز اصطفافهم والتفافهم الصلب حول القيادة، ومن ناحية أخرى رسالة ردع حاسمة للخارج - وتحديداً لأمريكا - بأن زمن الضغوط والابتزاز قد ولى، وأن أي حوار قادم يجب أن ينطلق من الاعتراف الكامل بكوريا الديمقراطية كدولة نووية ذات سيادة.
ترددت في بعض وسائل التواصل الاجتماعي انباء عن زيارة مرتقبة للرئيس كيم جونغ اون الى مصر، فما تعليقكم على ذلك؟
نحن لا نبني مواقفنا على ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي اصبحت ساحة مفتوحة يتحكم فيها البعض لخدمة اغراض خاصة وبث الشائعات، الرئيس كيم جونغ وون رئيس دولة ذات سيادة، ومن حقه الطبيعي زيارة اي دولة صديقة متى ارتأت الدولتان ذلك وبالتنسيق المشترك بينهما، وهذا عرف دبلوماسي معمول به في كل دول العالم.
وفي هذا السياق نثمن رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي اعطى لمكانة مصر الخارجية اهمية كبرى، حيث انتهجت مصر سياسة خارجية متوازنة ومنفتحة على جميع دول العالم تقوم على تنويع الشراكات وتحقيق المصالح الوطنية، لقد مضى عهد القطب الواحد، وأصبح العالم يتجه نحو التعددية، ومصر بقيادتها الواعية تدرك ذلك جيدا، وتتحرك بثقة لتعزيز علاقاتها مع مختلف القوى الدولية بما يخدم امنها القومي ومصالح شعبها ويدعم السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.
زيارة الرئيس الكوري الاخيرة كانت إلى روسيا، وهي زيارة ذات أهمية في اطار العلاقات الثنائية القوية، واذا رأت مصر وكوريا الشمالية أن هناك حاجة ماسة للقاء سياسي يحقق مصلحة البلدين والشعبين الصديقين فلا مانع اطلاقا، والقرار في النهاية للدولتين وحدهما.
ونؤكد أن ما ينشر عن كوريا يخضع في كثير من الاحيان لحرب دعائية ممنهجة تستهدف تشويه صورتها، ونسأل بموضوعية، هل اعتدت كوريا يوما على دولة؟ هل تدخلت في شؤون دولة اخرى؟ الاجابة معروفة للجميع، بكل تأكيد لا.
كوريا دولة صديقة ومحبة للسلام، وسياستها ثابتة تدعو الى ارساء سلام عادل ودائم في العالم يقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ومن هذا المنطلق، نرجو من حضرتكم أن تشرحوا لنا ما يسميه الغرب بـ" الازمة النووية الكورية" لأن الاعلام الغربي يتهم كوريا برغبتها في افتعال ازمة لتحقيق مكاسب وتحدي المجتمع الدولي.
س- ما هي الأسباب الحقيقية والجذور التاريخية للأزمة النووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة؟ وكيف بدأت هذه الأزمة، وما المسارات والتحولات التي مرت بها حتى تصاعدت إلى مستوى المواجهة المباشرة التي نشهدها اليوم؟
ج- الازمة النووية موضوع يجب أن نُفهمه من جذوره التاريخية وتبعاته السياسية، بعيداً عن فزاعة "القنبلة النووية" و"الصاروخ الباليستي" التي تروج لها الإدارة الامريكية وحلفائها.
أولاً: بداية الأزمة
حتى نستطيع إيضاح أسباب الأزمة النووية الكورية مع أمريكا، علينا أن نتطرق إلى العلاقات بينهما لأن لها بعداً تاريخياً منذ الحرب الكورية في منتصف القرن الماضي، فالجميع يعلم كيف استعانت أمريكا بـ 15 دولة لمواجهة كوريا الشمالية "1950-1953" وذلك لتحقيق أهدافها الخاصة في المنطقة.
مع بداية الحرب الباردة أقامت أمريكا قواعدها العسكرية في اليابان المنهزمة في الحرب العالمية الثانية، ثم بعد هزيمة أمريكا وحلفائها في الحرب الكورية وقعت "اتفاقية هدنة" ولم توقع "معاهدة سلام" مع كوريا الشمالية، وهذا يعني فنياً أن شبه الجزيرة الكورية لا تزال في حالة "لا حرب ولا سلم".
وكان هذا مخططاً أمريكياً لمحو عار الهزيمة في حربها هي وحلفائها مع كوريا الشمالية، وترك المنطقة على صفيح ساخن لتحقيق أغراضها في السيطرة على شبه الجزيرة الكورية كلها، لتظل الشوكة في ظهر الصين وروسيا.
في ظل هذا الوضع، ومع وجود أكثر من 28.500 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية الآن، وترسانة نووية أمريكية موجهة للمنطقة مستهدفة كوريا الشمالية خاصة، رأت القيادة الكورية الشمالية أن أمنها القومي مهدد، فكان القرار الاستراتيجي هو امتلاك "قوة ردع" تضمن عدم تكرار سيناريو العراق وليبيا.
س: معنى هذا أن البرنامج النووي الكوري بدأ عسكرياً، وكيف تطور الأمر؟
أولاً: البرنامج النووي الكوري في البداية كان سلمياً لإنتاج الطاقة، ولم تكن كوريا تفكر في انتاج القنبلة النووية أو الهيدروجينية.
نعم، بدأ سلمياً في الستينيات بمساعدة الاتحاد السوفيتي، ثم تحول تدريجياً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتشديد العقوبات في التسعينيات على كوريا الشمالية، وتأكدت كوريا بأن السياسية الامريكية تجاهها سياسة عدائية، ولأن كوريا لا تأمن مكر أمريكا، اتجهت إلى أسلوب الردع بالتفكير في السلاح النووي، فكانت السياسات الامريكية تجاه كوريا تدفعها دفعاً إلى امتلاك السلاح النووي، لتأمن غدر أمريكا، وقد كان.
ثانياً: مراحل تطور الأزمة
- مرحلة المفاوضات 1994 – 2002: وفيها تم توقيع "اتفاق مبادئ" بين أمريكا وكوريا الشمالية، أدى إلى تجميد برنامج تخصيب اليورانيوم في كوريا الشمالية مقابل أن تزود أمريكا كوريا بالبترول الخام "500,000 طن سنوياً"، تعويضاً لها، وكذلك بناء مفاعل نووي يعمل بالماء الخفيف لإنتاج الطاقة للأغراض السلمية، وهنا، وافقت كوريا وبدأ التنفيذ، لكن في ذلك الوقت كان يسيطر على الكونجرس الأمريكي "الجمهوريون" وتم عرقلة التنفيذ ولم يُنفذ الاتفاق بالكامل، ولم تفِ أمريكا بالتزاماتها، ووضعت العربة أمام الحصان، لتظهر نيتها في الرغبة في عدم حل الأزمة، فأجبرت كوريا الشمالية على اتخاذ إجراءات أدت للانتقال إلى مرحلة جديدة.
- مرحلة الانسحاب والتصعيد 2003 – 2006: رداً على التصرفات الامريكية بإيقاف تنفيذ " اتفاق المباديء"انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة حظر الانتشار النووي، وفي عام 2006 أجرت أول تجربة نووية، وأعلنت امتلاكها لبرنامج نووي.
- مرحلة "المساومة من موقع قوة" 2009 - 2016: قامت كوريا بسلسلة تجارب نووية وصاروخية، والهدف منها كان الوصول إلى قدرة "ردع" حقيقية تجبر أمريكا على الجلوس للتفاوض بندية أو عدم التفكير في الاعتداء على كوريا الشمالية.
- مرحلة الذروة والمواجهة المباشرة 2017: وصل الأمر بين أمريكا وكوريا الشمالية لقمة التوتر، تجارب صواريخ عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوس نووية، ومن خلال ذلك، تأكدت أمريكا من قدرة كوريا الشمالية على ضرب الأراضي الأمريكية، بالإضافة لتجربة نووية "هيدروجينية" هي الأقوى.
قابلها خطاب عُرف إعلامياً بـ "النار والغضب" من الرئيس ترامب، حيث كان العالم على شفا مواجهة عسكرية، فأمريكا لم تجد حلاً إلا أن تشجب وتستنكر وتفرض العقوبات، لكنها لم تجرؤ على توجيه ضربة عسكرية لكوريا الشمالية، لأن كوريا تستطيع توجيه ضربات موجعة لأمريكا لجنودها وحلفائها في الجنوب- لغة القوة- ولأن الصين وروسيا لن تسمحا بأي حرب في المنطقة لوجود اتفاقيات عسكرية مع كوريا الشمالية، فتحولت المنطقة إلى بؤرة ملتهبة.
ثالثاً: لماذا وصلت كوريا لمرحلة الصدام مع أمريكا؟
الصدام كان حتمياً لثلاثة أسباب:-
السبب الأول توسعي أمريكي بامتياز: أمريكا نصبت نفسها شرطياً على العالم من أجل الهيمنة على مقدرات الدول والشعوب، فهي لا تقبل بوجود دولة مستقلة خارج عباءتها وغير خانعة لإرادتها، ولذلك اصطدمت بكوريا الشمالية، وتمارس ضدها كل أشكال الضغوط الممكنة، والمؤسف أنها وظفت الأمم المتحدة ومؤسساتها كأداة لخدمة هذا التوجه التوسعي، سواء ضد كوريا أو ضد غيرها من الدول المستقلة.
السبب الثاني عقائدي: أمريكا ترى أن أي دولة تمتلك سلاحاً نووياً خارج حلفائها هي "تهديد"، وكوريا ترى أن السلاح النووي هو "سلاح ردع وضمانة بقاء" في مواجهة سياسة تغيير الأنظمة الأمريكية.
وهنا سؤال يطرح نفسه، لماذا تنهج أمريكا سياسة ازدواجية المعايير في التعامل مع الملف النووي الكوري مقارنة بصمتها وصمت الدولي تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية؟
س- هل لك أن تجيب على سؤالك، لتتضح الرؤية أكثر؟
ج- لأن المعايير الأمريكية في الملف النووي ليست معايير قانونية أو أخلاقية، بل معايير سياسية انتقائية تخدم مصالحها وحلفاءها، فأمريكا تهاجم كوريا الشمالية وتحاول اتخاذ موقف حاسم ضدها، ليس لأن برنامجها النووي يهدد السلم العالمي كما تدعي زورا وبهتاناً، بل لأنه برنامج سيادي مستقل يكسر احتكار القوة ويمنح دولة غير حليفة لها القدرة على الردع والاستقلال عن الهيمنة الأمريكية.
أما الكيان الصهيوني، فهي تمتلك ترسانة نووية يعرفها العالم كله، وتراها الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الأوروبية، ومع ذلك يغض الجميع الطرف، لأنها الكيان الوظيفي المدلل للغرب في المنطقة، والحليف الذي يُسمح له بما يُحرم على غيره.
إنها سياسة الكيل بمكيالين في أبشع صورها، فنووي الحلفاء "حق مشروع في الدفاع عن النفس"، ونووي الخصوم "تهديد للسلم الدولي يجب استئصاله."
السبب الثالث استراتيجي: كوريا الشمالية فهمت الدرس من خلال خبرتها في التفاوض مع أمريكا وأرادت أن تفرض معادلة جديدة وهي "لا حوار إلا ونحن دولة نووية"، وأمريكا كانت ترفض هذا المبدأ تماماً، وهنا حدث التصادم.
س: دكتور يحيى خيرالله، كيف تم الخروج من هذا الصدام؟
السياسة الأمريكية تحاول دائماً في تعاملها مع كوريا الشمالية أن تحافظ على ماء وجهها، وأن تجعل باباً خلفياً مفتوحاً للعبور منه في حالة تأزم الحوار، والمخرج بدأ فعلياً في 2018، عندما أدركت أمريكا أن كلفة الحرب أكبر من كلفة التفاوض، فكانت قمة سنغافورة بين الرئيس كيم جونغ وون والرئيس ترامب.
وأتذكر أثناء وجودي في بيونغ يانغ في نفس العام، أنني شاركت في قيادة المسيرة الدولية للسلام دعماً لمسار الحوار، وبعد اتصالات ومشاورات مع كوريا وافقت على إجراء الحوار لإثبات للمجتمع الدولي حسن نيتها وكشف ألاعيب أمريكا، وبالفعل انسحبت أمريكا من الحوار بوضعها العربة أمام الحصان.
الخلاصة: الأزمة لم تبدأ بسبب رغبة كوريا في امتلاك القنبلة النووية، بل بدأت بسبب غياب الأمن في شبه الجزيرة الكورية، فأمريكا هي من تفتعل المشاكل عبر مناوراتها العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية ثم انضمت لهما بعد ذلك اليابان، وتهديدها النووي الدائم من خلال تحريك حاملة الطائرات النووية الأمريكية "يو إس إس جورج واشنطن" إلى مياه شبه الجزيرة، والتلويح دائماً بالحرب وتغيير نظام الحكم بالقوة.
ولذلك، أصبح امتلاك كوريا الديمقراطية للسلاح النووي لم يعد خياراً، بل أصبح ضمانة أكيدة لردع أمريكا ومنعها من مجرد التفكير في إشعال فتيل الحرب في المنطقة، لأن الكلفة ستكون فادحة عليها وعلى حلفائها.
س: أشرت في كلامك بأن أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان يقومون بالمناورات العسكرية على أرض كوريا الجنوبية.. ما موقف كوريا الشمالية من تلك المناورات وكيف تواجهها؟
ج: الموقف الكوري واضح، فكوريا الشمالية تنظر إلى المناورات العسكرية المشتركة التي تجريها الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية واليابان في محيط شبه الجزيرة الكورية، بعين الريبة والرفض القاطع، إذ تعتبرها - على خلاف ما يُعلن من طابعها الدفاعي - بروفات عدوانية واستفزازات خطيرة تُهدد أمنها القومي وسيادتها الوطنية.
واعتقد أن من وجهة نظر كوريا الشمالية، لا يمكن وصف مناورات يُستخدم فيها حاملات الطائرات النووية والقاذفات الاستراتيجية والأصول العسكرية المتطورة بأنها "دفاعية"، بل هي محاكاة عملية لسيناريو الحرب والغزو.
وبناءً عليه، فإن موقف كوريا الشمالية يقوم على مبدأ الرد بالمثل والردع الفاعل، حيث تواجه هذه الاستفزازات بإجراءات مضادة مشروعة ومدروسة، تشمل إجراء التجارب الصاروخية الباليستية والفرط الصوتية والمناورات التكتيكية، وذلك في إطار حقها السيادي المشروع في الدفاع عن النفس الذي يكفله ميثاق الأمم المتحدة.
ومن يتابع عن كثب موقف القيادة الكورية، فانه سيجد أن استراتيجيتها ليست هجومية، بل هي استراتيجية "الردع بالردع"، التي تهدف إلى إظهار الجاهزية القتالية العالية لمنع اندلاع الحرب أصلاً، وإيصال رسالة واضحة لا لبس فيها إلى أمريكا وحلفائها، مفادها أن أي مغامرة عسكرية ستُقابل برد حاسم، وأن كلفة أي عدوان ستكون باهظة وغير محتملة، لقد أعذر من أنذر.
وأزيدك من الشعر بيتاً، تلك المناورات يرفضها أيضاً كل من الصين وروسيا لوجود معاهدات واتفاقيات مشتركة مع كوريا للدفاع المشترك، كما أنها تمثل تهديداً مباشراً لأمنهما القومي، بحكم تشاركهما الحدود الجغرافية مع كوريا، كما أنها تكشف النوايا الحقيقية لأمريكا في عسكرة المنطقة وجرها إلى حرب باردة جديدة.
س- تتكلم عن الجيش الشعبي الكوري كقوة ردع لا تقهرـ وانت تعلم جيدا القدرة العسكرية الامريكية، ما الذي يميز الجيش الشعبي الكوري من وجهة نظرك؟
إنني أتحدث في هذا الشأن بعد دراسة أكاديمية متخصصة ومعايشة فعلية للواقع الكوري والعمل لسنوات في هذا الشأن وتولي العديد من المهام محليا ودوليا، إذ حصلت على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم السياسية، وقد كرّست مرحلة التحضير للدكتوراه لدراسة سياسة "سونكون" - والتي تعني إعطاء الأولوية للشؤون العسكرية - دراسة معمقة ودقيقة.
لقد جمعت رسالتي للدكتوراه بين تخصصين متكاملين: العلوم السياسية والعلوم العسكرية، وجاءت بعنوان: "أثر سياسة سونكون في إرساء السلام في العالم"، وقد اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي كمنهج رئيسي، مدعوماً بالمنهج التاريخي لتتبع نشأة وتطور سياسة سونكون منذ جذورها، ومنهج تحليل المضمون لفحص الوثائق والخطابات الرسمية الكورية، وصولاً إلى تحليل نقدي موضوعي يرصد بمنهجية علمية رصينة النجاحات التي حققتها هذه السياسة في المجالات السياسية والدبلوماسية والعسكرية.
ومن خلال المعايشة الفعلية والدراسة الاكاديمية توصلت إلى أن كوريا تؤمن بأن القوة العسكرية هي الضامنة للسيادة والوسيلة الوحيدة لردع الهيمنة الأمريكية، وفرض معادلة سلام قائمة على توازن القوى وليس على التبعية، من خلال تطوير وتقوية القدرة الدفاعية الوطنية، وامتلاك احدث الأسلحة بالاعتماد على الذات.
ومن هذا المنطلق، أقول لكم: إن ما يميز الجيش الشعبي الكوري اليوم أنه جيش عصري متكامل يمتلك الردع الاستراتيجي والقدرة على الحرب الحديثة
- فعلى المستوى الاستراتيجي، تمتلك كوريا الديمقراطية قدرة نووية مؤكدة، وقد أعلنت عن امتلاكها القنبلة الهيدروجينية منذ عام 2017، وهي قوة رادعة تضمن عدم تكرار مأساة الحرب الكورية.
- وعلى مستوى سلاح البحرية، كشفت بيونغ يانغ مؤخراً عن الغواصة النووية التكتيكية "البطل كيم كون أوك" القادرة على إطلاق صواريخ نووية من تحت الماء.
- وعلى مستوى الصواريخ، تمتلك كوريا ترسانة متطورة من الصواريخ الفرط صوتية من طراز "هواسونغ 16ب"التي تفوق سرعتها 5 اضعاف سرعة الصوت ولا يمكن لأي منظومة دفاعية في العالم اعتراضها، بالإضافة إلى صواريخ عابرة للقارات تصل إلى الاراضي الأمريكية.
- وفي مجال الفضاء، نجحت كوريا في إطلاق قمرها العسكري الاستطلاعي "ماليغيونغ-1" الذي يضع كل تحركات العدو تحت المراقبة.
- التسليح الفكري والنفسي للجندي الكوري: يُعد التسليح الفكري والنفسي الركيزة الجوهرية في العقيدة العسكرية لكوريا الشمالية، بل ويتقدم في أهميته على التسليح المادي ذاته، فالجندي الكوري لا يُعدّ مجرد مقاتل يحمل السلاح، بل هو مقاتل عقائدي مسلح أولاً بفكرة "زوتشيه" وسياسة "اسونكون"، ومؤمن إيماناً راسخاً بشرعية قيادته وحتمية الدفاع عن القائد والوطن والحزب كوحدة واحدة لا تتجزأ.
هذا الإيمان العميق حوّل الجيش الشعبي الكوري إلى قوة معنوية صلبة عصية على الاختراق النفسي والحرب الإعلامية، إذ يرى الجندي أن الدفاع عن الوطن هو دفاع عن الكرامة والسيادة والوجود ذاته، وأن التضحية في سبيل القائد الأعلى هي أسمى مراتب الشرف الوطني.
ومن هنا، نجحت فكرة زوتشيه وسياسة سونكون في بناء إنسان عسكري يمتلك إرادة قتالية فولاذية، تجعل من التفوق المعنوي والأيديولوجي معادلاً موضوعياً للتفوق التكنولوجي الذي تملكه القوى المعادية، وهو ما يفسر صمود كوريا الشمالية وثباتها الاستراتيجي رغم عقود من الحصار والضغوط
أما عن القدرة العسكرية الأمريكية، أقول لك: ورغم إدراكنا الكامل لحجم القدرة العسكرية الأمريكية، إلا أن التجربة الكورية تثبت منطق الردع غير المتماثل، فالقنفذ رغم صغر حجمه يعيش في نفس الغابة مع الفيل والأسد، لكنه بفضل أشواكه يفرض احترامه ويحمي وجوده ويجعل لنفسه مكانة لا يستطيع أحد تجاوزها.
وهكذا تتصرف كوريا الشمالية، وإذا كانت الولايات المتحدة تعتمد في أي مواجهة محتملة على حليفيها اليابان وكوريا الجنوبية، فإن كوريا الشمالية لا تقف وحدها في هذه المواجهة، فهي تستند إلى منظومة تحالف استراتيجي مع قوتين نوويتين عظميين هما الصين وروسيا، بموجب معاهدتي الدفاع المشترك، وهو ما يجعل أي صراع في شبه الجزيرة الكورية ليس صراعاً إقليمياً محدوداً، بل مواجهة بتوازنات دولية كبرى.
س: الحديث عن القوة العسكرية يفتح شهيتنا.. لكن نعود إلى الملف الشائك في المنطقة، البعض يرى أن الصين نفسها لا ترغب في حل نهائي للأزمة الكورية.. ما تعليق سيادتكم؟
هنا ابتسم الدكتور يحيى ابتسامة ذات دلالة، ثم قال:
لا شك أن الصين قوة لا يستهان بها عالميا، وسواء ترغب الصين أو لا ترغب فكوريا الديمقراطية دولة مستقلة لها سيادة وقرارها يطابق مصالحها هي أولاً، ولا ننسى أنه "مصائب قوم عند قوم فوائد".
ربما يكون في سؤالك جزء كبير من الواقعية.
أولاً: من مصلحة اي دولة الا يمتلك جيرانها السلاح النووي حفاظا على امنها القومي.
ثانياً: لو تم حل الأزمة النووية بين كوريا الديمقراطية وأمريكا بشكل نهائي وتم توقيع معاهدة سلام، فأول شيء سيحدث هو إعادة تموضع للقوات الأمريكية في المنطقة، وستتجه أنظار أمريكا مباشرة إلى الملف الأخطر بالنسبة للصين وهو ملف "تايوان"، ومن هنا تنظر الصين للأزمة الكورية بمنطق "إدارة الأزمة" وليس "حل الأزمة"، لأن وجود توتر ولو محدود في شبه الجزيرة الكورية يجعل أمريكا مشغولة به، ويمنع تركيزها الكامل على بحر الصين الجنوبي وتايوان.
لكن هذا لا يعني أن الصين مع التصعيد للأزمة، لا، الصين تريد "استقرار" لا "حرب" لإكمال مسيرتها الاقتصادية، كما أنها لا تريد كوريا نووية لأمنها القومي، ولكن أيضاً لا تريد تمركز أمريكا على حدودها، تلك المنطقة مثل رقعة الشطرنج تحتاج إلى مهارة في أي تحرك، ومن يجيد اللعبة سيكون له الغلبة وليس الانتصار الكامل.
الخلاصة: الأزمة الكورية تُدار بحنكة وذكاء من قبل الرئيس كيم جونغ وون، ومن خلفه جيش وشعب يمثلون القوة الضاربة.
س: عفوا للمقاطعة.. كيف تصفون وضع الجيش الشعبي الكوري اليوم ومكانته في المعادلة؟
هنا اعتدل الدكتور يحيى ولمعت عيناه.. قائلا: "سأصف لك ما رأيته بعيني في العرض العسكري الذي حضرته أكثر من مرة في ساحة كيم ايل سونغ، في كل مرة أشاهد تطوراً جديداً في السلاح والتكنولوجيا العسكرية، وعند مرور الصاروخ العابر للقارات في ساحة العرض العسكري، انقطعت انفاس الحضور للحظات من رهبة الموقف، في نفس الوقت كانت الصرامة في ملامح الجنود الكوريين عنواناً للعزة والكبرياء، وهم يوجهون أنظارهم نحو المنصة حيث يقف القائد الأعلى للجيش الشعبي الكوري الرئيس كيم جونغ وون يرد تحية أبنائه في شموخ".
إنها رسالة لمن يهمه الامر لا تحتاج إلى ترجمة: "نحن جاهزون.. الكرامة والسيادة أو الموت"
فالجيش الشعبي الكوري ليس جيش مرتزقة، هذا جيش عقائدي يرى "أن القائد والوطن والعقيدة شيء واحد"، وهذا الالتفاف من الجيش والشعب حول قيادته هو الذي جعل كوريا الشمالية تصمد أكثر من 70 سنة على العقوبات والحصار.
باختصار، دعني اصيغ لك الامر في معادلة رياضية لا تقبل التأويل:
(القوة العسكرية الجبارة +القوة التكنولوجية + الالتفاف حول القيادة = معادلة ردع حقيقية)
وهذا هو ما فرض على أمريكا أن تترك لغة التهديد وتجلس على طاولة الحوار، كوريا تطبق مبدأ " لا يفل الحديد إلا الحديد"
س: هل يمكنني القول: بأن نجاح كوريا الديمقراطية في مواجهة الضغوط الأمريكية وحلفائها سببه حنكة الرئيس كيم جونغ وون ومن خلفه قدرة الجيش الشعبي الكوري؟
بالفعل، هذا صحيح، ما حدث في مراحل التفاوض الكوري - الأمريكي يؤكد أن مفهوم "السيادة" هو أساس لا مساومة عليه، وخاصة بالنسبة لكوريا الشمالية، بداية من الرئيس كيم ايل سونغ ثم القائد كيم جونغ ايل وصولا للرئيس كيم جونغ وون، فالسيادة والاستقلالية مبدأ راسخ لا يتزعزع في فكرة "زوتشيه" التي تمثل العقيدة الأيديولوجية للشعب الكوري، وهي تعني باختصار: "أن الإنسان هو سيد كل شيء ومقرر كل شيء، وأن جماهير الشعب هي صاحبة القرار الحقيقي في الثورة والبناء".
دعني أقول لكم وبصراحة مطلقة: "شجاعة الرئيس كيم جونغ وون في مواجهة أمريكا في الملف النووي ومن خلفه جيش قوي هي التي فرضت معادلة جديدة في الحوار"، الإدارة الأمريكية تعودت على التفاوض مع الدول من موقع "الضغط العالي" وكثير من الدول بلا غطاء عسكري وفكري قوي يستطيع الصمود أمامها، لكن في الحالة الكورية وجدت دولة عندها عقيدة، وجيش، وقرار سيادي، ومشروع ردع.
هذه القوة العسكرية الكورية هي التي نقلت الأزمة من مرحلة "التهديد والوعيد" في 2017 إلى مرحلة "القمم والجلوس على طاولة واحدة للتفاوض" في 2018 في سنغافورة.
س: بشكل مباشر من هي الدول التي تضررت من فشل وصول المفاوضات إلى نتيجة مرضية لكل الأطراف.. ومن الدول المستفيدة؟
ج- الدولما بين مستفيد ومتضرر كل حسب موقعه من الأزمة، فمثلا :-
- أولا أمريكا مستفيدة: بالفعل، بقاء الأزمة دون حل هو في حد ذاته هدف استراتيجي أمريكي، وأينما تجد مشكلة تجد أمريكا تبحث عن الفائدة.
1- اقتصادياً: التوتر الدائم في شبه الجزيرة هو أكبر سوق لتجارة السلاح الأمريكي، فاليابان وكوريا الجنوبية تدفعان المليارات سنوياً مقابل منظومات ثاد وباتريوت وطائرات إف-35، ولولا "الخطر الكوري" المزعوم لما بررت واشنطن هذه الصفقات.
2- استراتيجياً: الأزمة النووية هي الذريعة المثالية لأمريكا لمحاصرة روسيا والصين، فمن خلالها تبرر وجود قواعدها العسكرية في كوريا الجنوبية، والتي تقد بـ "80 قاعدة تقريباً – 28,500 جندي أمريكي"، وقواعدها العسكرية في اليابان وتقدر بـ "23 قاعدة كبرى معلنة - 53,700 جندي أمريكي" 28.500 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية، وتبرر المناورات العسكرية الثلاثية، وتبرر نشر حاملات الطائرات على حدود الصين وروسيا، ففي حالة حل الأزمة لابد من انسحاب قواتها وإنهاء التواجد العسكري بالمنطقة.
لذلك نقول بوضوح: أمريكا لا تريد حل الأزمة، بل تريد إدارتها واستثمارها، لأن حلها يعني انتهاء مبرر وجودها العسكري في شمال شرق آسيا.
بعض الأطراف الإقليمية: نعم، عدم حل الأزمة النووية يخدم أطرافاً إقليمية أيضاً وليس امريكا فقط.
1- كوريا الجنوبية: كوريا الجنوبية هي حالة خاصة جداً، فهي الخاسر الأكبر من عدم حل الأزمة، لكن في نفس الوقت هناك قوى داخلها مستفيدة من بقاء الوضع على ما هو عليه. سياسياً: يوجد تياران تتضارب مصالحهما في هذا الشأن.
1- التيار المحافظ في كوريا الجنوبية: هو المستفيد الأول من عدم حل الأزم، هذا التيار يروج لـ "فزاعة الشمال"، فكلما تصاعد التوتر النووي، ضمن أصوات الناخبين المتخوفين، وبرر قمعه لأي دعوات للتقارب مع الشمال بتهمة الخيانة، وضمن بقاءه في الحكم.
2- التيار التقدمي في كوريا الجنوبية: أي تقارب بين الشمال والجنوب يخدم التيار التقدمي الذي يطرح الوحدة والمصالحة، لذلك بقاء الأزمة هو سلاح سياسي داخلي للمحافظين.
استراتيجياً: المؤسسة العسكرية والأمنية في الجنوب هي ايضا مستفيد رئيسي بالترويج لذريعة الخطر النووي الشمالي، وتبرر كوريا الجنوبية بقاء 28.500 ألف جندي أمريكي على أراضيها، وتبرر وجود القيادة الأمريكية المشتركة التي تتحكم في جيشها وقت الحرب، وتبرر الحصول على المظلة النووية الأمريكية مجاناً، لولا الأزمة، لطالبت الأصوات الوطنية بإخراج القوات الأمريكية واستعادة السيادة العسكرية الكاملة.
اقتصادياً: هنا كوريا الجنوبية هي الخاسر الأكبر وليست مستفيدة، فاقتصادها يدفع ثمن الأزمة يومياً، ميزانية دفاع تتجاوز 50 مليار دولار سنوياً، أي أكثر من 3% من الناتج القومي، وخسارة مشروعات ضخمة للوحدة الاقتصادية مثل مجمع كيسونغ الصناعي مع كوريا الشمالية، وخسارة سكة حديد تربطها بروسيا وأوروبا عبر الشمال، وتوتر علاقتها مع الصين وروسيا.
2- الصين: هي الأخرى لا تريد حل نهائي للازمة النووية على الطريقة الأمريكية، لكن بمنطقها الخاص، لتحقق اعلى المكاسب.
- استراتيجياً: كوريا الشمالية تمثل للصين المنطقة العازلة التاريخية والأهم، فبقاء كوريا قوية ومستقلة نووياً يعني استحالة وصول القوات الأمريكية إلى حدودها، مما يمثل تهديد مباشر للأمن القومي الصيني، وبقاء الأزمة يضمن بقاء هذا الحاجز الاستراتيجي.
- سياسياً:
1- الأزمة تمنح الصين ورقة تفاوضية ذهبية مع أمريكا، فالصين تقدم نفسها دائماً كالطرف الوحيد القادر على التوسط لدى كوريا الشمالية للعلاقات التاريخية بينهما ومصيرهم المشترك، وهذا يجعل أمريكا مضطرة للتفاوض مع الصين واحترام مصالحها، بدلاً من الانفراد بالملف.
2- تستخدم الأزمة النووية الكورية كورقة ضغط في مفاوضاتها مع أمريكا، لذلك الحل النهائي للأزمة سيظل متأخراً، كما أنه في حالة حل الأزمة مع كوريا الشمالية ستنتقل المواجهة لتصبح مع الصين وتشتعل أزمة تايوان، والصين تأجل المواجهة مع أمريكا الآن لأمر في نفس يعقوب.
اقتصادياً: في ظل العقوبات الدولية، استفادت الصين كثيرا من خلال التجارة البينية بينها وبين كوريا الشمالية.
باختصار: الصين لا تريد حرباً نووية على حدودها، لكنها في نفس الوقت لا تريد حلاً أمريكياً يؤثر على قوة كوريا واستقلالها، لأن بقاء كوريا قوية ومستقلة هو الضمانة الأولى لمنع تطويق الصين عسكرياً من قبل التحالف الأمريكي - الياباني - الكوري الجنوبي.
3- اليابان: اليابان هي المستفيد الإقليمي الأول من استمرار الأزمة النووية الكورية، فهي توظفها على ثلاثة مستويات، كالتالي : -
- سياسياً: ابتكرت فزاعة لا وجود لها، وهي "الخطر الكوري" هذه الذريعة الذهبية التي استخدمها الحزب الحاكم المحافظ لتغيير عقيدة اليابان السلمية، مروجا لذريعة صواريخ كوريا الشمالية، نجحت اليابان في إعادة تفسير المادة 9 من الدستور السلمي، وتمرير قوانين تسمح بإرسال قواتها للخارج لأول مرة منذ 1945، وكل ذلك ما كان ليمر لولا الفزاعة التي روجت لها.
- استراتيجياً: استمرار الأزمة هو المبرر الوحيد لبقاء التحالف الأمريكي - الياباني وتوسيعه، فاليابان تستخدم الأزمة لتبرير نشر منظومات الدرع الصاروخي الأمريكي، واستضافة حاملات الطائرات، وتحويل قوات الدفاع الذاتي إلى جيش هجومي يمتلك صواريخ بعيدة المدى، والأهم، أنها تستخدمها كورقة لمحاصرة الصين وكوريا الشمالية معاً، والذي يمثل لها أرث عداء تاريخي.
- اقتصادياً: الأزمة فتحت لليابان أكبر سوق سلاح في تاريخها الحديث، ميزانية الدفاع اليابانية تضاعفت وتجاوزت 50 مليار دولار سنوياً، وكلها تذهب لشراء مقاتلات إف-35 وصواريخ توماهوك من أمريكا، وفي نفس الوقت لإنعاش الصناعة العسكرية اليابانية المحلية التي بدأت تصدّر السلاح لأول مرة، لولا استمرار التوتر، لما وافق الشعب الياباني على هذا الإنفاق العسكري الضخم.
4- روسيا: مستفيدة من عدم حل الأزمة النووية، لكن بشكل مختلف تماماً عن أمريكا واليابان.
- استراتيجياً: بقاء كوريا الديمقراطية قوية نووياً يعني وجود حليف قوي على حدود روسيا الشرقية يمنع تمدد النفوذ الأمريكي إلى محاصرتها، فكوريا الشمالية هي خط الدفاع المتقدم لروسيا في شمال شرق آسيا، وكلما اشتد الضغط الأمريكي على كوريا الشمالية، زاد التقارب الروسي – الكوري الشمالي.
- سياسياً: الأزمة تمنح روسيا ورقة تفاوضية كبرى مع أمريكا، فروسيا تظهر كوسيط لا غنى عنه لحل أي أزمة في شبه الجزيرة، وهذا يعزز مكانتها كقوة عظمى مسؤولة، ويكسر محاولات عزلها دولياً.
- اقتصادياً وعسكرياً: في ظل العقوبات الغربية على روسيا، أصبح التعاون الروسي – الكوري الشمالي بديلاً حيوياً، سواء في مجال العمالة أو التبادل العسكري التقني، وهو ما رأيناه في زيارة الرئيس كيم جونغ وون الأخيرة إلى روسيا ولقائه الرئيس بوتين.
باختصار، روسيا لا تريد انفجار الوضع، لكنها في نفس الوقت لا تريد حلاً أمريكياً على مقاسها ينهي الدور الكوري الشمالي المستقل، لأن بقاء كوريا الشمالية قوية ومستقلة يخدم الأمن القومي الروسي مباشرة.
إذن، استمرار الأزمة يحقق مصلحة مشتركة لهذه الأطراف: أمريكا تبيع السلاح وتبرر وجودها، واليابان تعيد تسليح نفسها، وتيار سياسي في الجنوب يبقى في الحكم على حساب حلم الوحدة الكورية، والصين تبعد الأنظار عن تايوان، وروسيا تحقق مكاسب عسكرية واقتصادية وتعزز دورها العالمي.
س- لا يمكن لأحد ان يغفل دور حزب العمل الكوري وإدارة الأزمة تحت قيادة الأمين العام كيم جونغ وون
ج- دعنا نطلق على شعارا يليق بهذا السؤال، حزب العمل الكوري يصنع المعجزة ، "يحقق التنمية في قلب الحصار".
ثم نتطرق إلى عدة نقاط بإيجاز، لنجسد ما يقوم به حزب العمل الكوري بقيادة الأمين العام المارشال كيم جونغ وون:
- الحزب كقائد ومنظم أعلى للدولة.
- حزب العمل الكوري، بقيادة الأمين العام كيم جونغ وون، ليس مجرد حزب سياسي، بل هو القوة القائدة والموجهة للدولة والمجتمع وفق الدستور، وفي ظل الأزمة النووية، تحول الحزب إلى غرفة عمليات مركزية لإدارة الصراع، حيث اعتمد مبدأ "القيادة الموحدة" لتوحيد الجبهة الداخلية، وتحويل التهديد الخارجي إلى دافع للتعبئة الشاملة.
- الاستراتيجية المزدوجة: الردع والتنمية، شعار يحفظه الكوريين عن ظهر قلب(بيونغجين)
فمن أهم الإنجازات السياسية للرئيس كيم جونغ وون هي تطويره لخط "البيونغجين" الذي أرساه سلفه، أي التطوير المتزامن للقوة النووية والاقتصاد الوطني.
لم يعد السلاح النووي عبئاً، بل تحول في أدبيات الحزب إلى "السيف الثمين" الذي يوفر المظلة الأمنية اللازمة للتركيز على البناء الاقتصادي دون خوف من الغزو.
- المنجزات العسكرية: اكتمال قوة الردع
تحت القيادة المباشرة للأمين العام للحزب، حققت كوريا قفزة نوعية، وهي استكمال الثالوث النووي (صواريخ باليستية عابرة للقارات هواسونغ-17 وهواسونغ-18، وصواريخ تطلق من الغواصات، وقنابل نووية وهيدروجينية)، وإعلان سياسة الاستخدام النووي دستورياً عام 2023، هذا الإنجاز أنهى مرحلة الابتزاز الأمريكي وفرض معادلة ردع متكافئ.
- المنجزات الاقتصادية والتنموية رغم الحصار
لا ينكر عاقل أن أمريكا طبقت أقسى نظام عقوبات في التاريخ الحديث ضد كوريا الشمالية مستغلة المنظمات الدولية في ذلك، فكان المقابل لذلك أن قاد حزب العمل الكوري حملات تنموية كبرى، مثل الاعتماد على الذات (فكرة زوتشيه)، تعظيم الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة لتقليل الاعتماد على الخارج، مشاريع تنموية كبرى مثل بناء مدينة سامجيون الجديدة، وآلاف الشقق السكنية في بيونغ يانغ، ومشروع تنمية الأقاليم "20×10"، وكذلك التقدم في مجال التكنولوجيا والفضاء، بالنجاح في إطلاق القمر الصناعي الاستطلاعي "ماليغيونغ-1"، وتطوير الصناعات العسكرية كقاطرة للصناعة المدنية.
الخلاصة السياسية: نجح حزب العمل الكوري تحت قيادة كيم جونغ وون في تحويل الأزمة النووية والحصار من نقطة ضعف إلى مصدر شرعية وقوة، مثبتاً أن الإرادة السياسية الموحدة والقيادة المركزية الصلبة قادرة على تحقيق التنمية الشاملة وفرض السيادة الوطنية حتى في أحلك الظروف الدولية.
س: اسمح لي في نهاية هذا الحوار، وبعد معايشتك الطويلة للواقع الكوري عن قرب، ما أكثر شيء لفت انتباهك في التجربة الكورية، وما الدرس الذي يمكن أن نستفيده منها عربيا؟
ج: أعتقد أن التجربة الكورية الناجحة تتمثل في "بناء الإنسان" فالمواطن الكوري صاحب مواصفات وطنية استثنائية، صقلتها الشدائد ولم تكسرها، لقد تحمل شظف العيش وقسوة المرحلتين الأولى والثانية من المسيرة الشاقة بصبر المؤمنين بقضيتهم، واستطاع رغم الحصار الدولي الجائر المفروض على بلاده أن يصنع من كوريا دولة ذات عزة وكرامة وسيادة، وأن يجعلها متقدمة تكنولوجيا وعسكريا يُحسب لها ألف حساب.
وما يثير الإعجاب حقا أنه ما زال يواجه صعوبات الحياة اليومية ويتحدى الحصار بإنسان متحضر، مهذب الخلق، رفيع التربية، يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الشخصية، وهذا هو سر التفوق الكوري الحقيقي: إنسانٌ بُني بإتقان فبنى وطنا لا يُقهر.
إن الإنسان هو صانع المعجزات على هذه الأرض، وهو أثمن مخلوق فيها وأهم من كل ثرواتها الظاهرة والباطنة، فالحضارات لا تبنيها الأموال وحدها بل تبنيها العقول والسواعد المؤمنة بقدرتها على التغيير.
وإنني لأتعجب أشد العجب من تلك الدول التي تنظر إلى ثروتها البشرية باعتبارها عبئا على التنمية، بينما هي في حقيقتها أعظم الثروات على الإطلاق، فالإنسان حين يُصقل بالعلم ويُهذب بالأخلاق يتحول من مجرد عدد سكاني إلى طاقة خلاقة تصنع المستحيل.
وعلينا أن نستفيد بعمق من التجربة الكورية، تلك الأمة التي لم تمتلك نفطا ولا غازا، لكنها امتلكت الإنسان، فاستثمرت فيه وجعلته محور نهضتها، ولعب في ذلك الدور الأساسي منظومة الثقافة والحضارة التي غرست في المواطن قيم الانتماء والانضباط والعمل، حتى أضحت كوريا الديمقراطية نموذجا يثبت للعالم أن الإنسان الواعي هو المعجزة الحقيقية، وأن من يملك الإنسان يملك المستقبل.
ويؤكد العلم الحديث اليوم ما أدركته الأمم المتقدمة منذ عقود، وهو أن التنمية الحقيقية تبدأ من سؤال جوهري: كيف نصنع الإنسان ليكون عضوا فاعلا ومنتجا لا عبئا على مجتمعه؟ فلم تعد القوة تُقاس بما تملكه الدول من موارد، بل بما تملكه من عقول قادرة على الابتكار والتطوير.
علينا أن نبني الإنسان قبل الأوطان، فما قيمة الوطن بلا شعب؟ إن الأرض بلا إنسان واعٍ هي مجرد جغرافيا صماء، أما الإنسان المتعلم المثقف المتسلح بالقيم والأخلاق فهو الذي يمنح الوطن روحه ومعناه، وهو الذي يحول التراب إلى وطن، والوطن إلى أمة عظيمة.

-3.jpg)




