الاثنين 26 أكتوبر 2026 | 02:37 م

من يتحدث باسم الشارع العربي؟


لم يعد السؤال اليوم هو ماذا يحدث في الشارع العربي، بقدر ما أصبح: من يملك حق الحديث باسمه؟ ومن يحدد ما يريده المواطن العربي، وما يشغله، وما يطمح إليه في مستقبل يبدو محمّلًا بالكثير من التحديات والتحولات؟

في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل فيه السياسة بالإعلام، وتتصدّر فيه منصات التواصل الاجتماعي مشهد تشكيل الرأي العام، أصبح من السهل أن تتحول وجهة نظر فردية إلى قضية عامة، أو أن يُقدَّم اتجاه محدود باعتباره تعبيرًا عن ملايين المواطنين. وهنا تكمن الإشكالية؛ فليس كل ما يتصدر المشهد يعكس بالضرورة حقيقة ما يدور في عقول الناس ووجدانهم.

الشارع العربي ليس كتلة واحدة، ولا يتحرك وفق إيقاع موحد. فبين مواطن يبحث عن الاستقرار وفرصة عمل، وشاب يتطلع إلى مستقبل أكثر اتساعًا، وأسرة تواجه ضغوط الحياة اليومية، ومواطن يتابع أزمات المنطقة بقلق على مصيرها، تتعدد الأولويات وتختلف زوايا النظر. لكن هذا التنوع لا ينفي وجود قواسم مشتركة، في مقدمتها الرغبة في حياة كريمة، ومستقبل أكثر أمانًا، وشعور حقيقي بأن صوت المواطن مسموع وله تأثير.

المشكلة تبدأ عندما تتعامل بعض الخطابات الإعلامية والسياسية مع الشارع باعتباره صوتًا واحدًا، يمكن اختزاله في مشهد عابر أو وسم متداول أو موجة من التفاعلات الرقمية. فوسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من قدرتها على كشف اتجاهات ومشاعر حقيقية، لا تمثل وحدها مقياسًا دقيقًا للرأي العام؛ إذ إن الأكثر حضورًا على الشاشات ليس بالضرورة الأكثر تمثيلًا للمجتمع، والأعلى صوتًا ليس بالضرورة معبرًا عن الأغلبية.

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول هذه الحقيقة إلى مبرر لتجاهل الأصوات التي تعبّر عن غضب أو قلق أو اختلاف. فالتعامل الجاد مع الرأي العام يبدأ من الاعتراف بتنوعه، واحترام حق المواطنين في التعبير عن مواقفهم، والتمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات التضليل المتعمدة، دون الخلط بينهما.

وتزداد أهمية هذا الأمر في العالم العربي، حيث تتشابك التحولات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية والتطورات الإقليمية. ففهم الشارع لم يعد رفاهية إعلامية، بل ضرورة لصناعة سياسات أكثر استجابة، وخطاب عام أكثر مصداقية، وعلاقة أكثر توازنًا بين المؤسسات والمجتمعات.

إن الاستماع إلى المواطنين لا يتحقق بمجرد رصد ما يتداولونه على المنصات الرقمية، بل يحتاج إلى أدوات حقيقية لفهم احتياجاتهم، وقياس اتجاهاتهم بصورة علمية، وفتح مساحات للحوار المجتمعي، وإتاحة المعلومات التي تساعد على تكوين مواقف واعية. كما يحتاج إلى إعلام يدرك أن مهمته ليست فقط نقل الضجيج، وإنما البحث عما وراءه، والتمييز بين الانطباع والحقيقة، وبين التعبير الفردي والاتجاه العام.

فالشارع العربي لا يحتاج إلى من يدّعي امتلاك صوته، بقدر ما يحتاج إلى من يحسن الاستماع إليه، وينقل تنوعه بأمانة، ويفهم مطالبه بعيدًا عن المزايدات والاستقطاب.

وفي النهاية، ربما لا تكون القضية الحقيقية هي البحث عن شخص يتحدث باسم الشارع العربي، بل بناء بيئة تسمح لهذا الشارع بأن يعبّر عن نفسه، وأن يجد صوته طريقًا إلى النقاش العام وصناعة القرار. فالشعوب لا تُختزل في منشور، ولا تُقاس إرادتها بعدد المشاهدات، ولا يمكن اختصار تطلعاتها في خطاب واحد.

إن أول الطريق إلى فهم الشارع العربي هو التوقف عن افتراض أننا نعرف ما يريد، والبدء في الاستماع إليه كما هو، لا كما نريد له أن يكون.

استطلاع راى

هل تعتقد أن تشديد الرقابة الحكومية على الأسواق كافٍ وحده لضبط الأسعار الحالية؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6279 جنيه مصري
سعر الدولار الأمريكي 55.08 جنيه مصري
سعر الريال السعودي 14.68 جنيه مصري
Slider Image