الاثنين 2 نوفمبر 2026 | 04:14 م

النجاح لا ينتظر اكتمال الظروف


ليس كل من امتلك أفضل البدايات يصل إلى أفضل النهايات، وليس كل من توفرت له الإمكانيات يمتلك بالضرورة القدرة على استثمارها. فبين ما نملكه من فرص، وما نستطيع تحقيقه من إنجازات، مساحة واسعة تصنعها الإرادة والشغف والانضباط، وتلك البيئة الإنسانية التي تؤمن بالإنسان قبل أن تؤمن بإمكانياته.

توقفت أمام قصة الطفلة المصرية ميار عثمان، التي استطاعت أن تحصد المركز الأول في تحدي القراءة العربي، وسط مشاركة تجاوزت 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة حول العالم. طفلة من مدرسة حكومية، ومن أسرة بسيطة، استطاعت أن تصل إلى منصة عالمية، لتقدم لنا درسًا يتجاوز حدود المسابقة ونتيجتها.

فالقصة ليست فقط عن طفلة تفوقت، بل عن فكرة تستحق أن نعيد التفكير فيها: هل الإمكانيات وحدها تصنع التميز؟

اعتدنا أن نربط النجاح بصورة ذهنية محددة؛ مدارس دولية، تعليم أجنبي، إمكانيات مادية مرتفعة، وأنشطة ووسائل تعليمية متطورة. حتى أصبح البعض يتصور أن التفوق يحتاج بالضرورة إلى بداية استثنائية، وأن من لا يمتلك هذه الظروف عليه أن يقبل بسقف أقل من الطموح.

لكن الحقيقة أن الإمكانيات تصنع فارقًا مهمًا، لكنها لا تصنع الإنسان وحدها. فقد تمنحنا الأدوات، لكنها لا تزرع الشغف، وقد تفتح الأبواب، لكنها لا تضمن القدرة على العبور منها.

وهنا تظهر قيمة الأسرة؛ فليس بالضرورة أن تكون الأسرة قادرة على توفير كل شيء ماديًا، لكنها تستطيع أن تمنح أبناءها ما هو بالغ الأهمية: الثقة، والتشجيع، وحب المعرفة، والإيمان بقدراتهم، وعدم السماح للظروف بأن تتحول إلى حدود تحاصر أحلامهم.

لكن قصة ميار تضع أمام المجتمع أيضًا مسؤولية أكبر؛ فكم من موهبة لم تجد من يكتشفها؟ وكم من طفل يمتلك قدرات استثنائية، لكنه لم يحصل على فرصة حقيقية لإظهارها؟

نحن بحاجة إلى مدرسة لا تكتفي بالمناهج والامتحانات، بل تكتشف المواهب، وتشجع القراءة والإبداع، وتمنح الطلاب مساحات حقيقية للتفوق. وبحاجة إلى مجتمع لا يحكم على مستقبل أبنائه من أسماء مدارسهم أو مستويات أسرهم المادية.

ولا يعني ذلك أن نُحمّل الإرادة وحدها مسؤولية النجاح، أو أن نتجاهل الفوارق في فرص التعليم؛ فالمجتمع العادل هو الذي يعمل على تقليل هذه الفوارق، ويوفر لكل طفل فرصة حقيقية لإظهار قدراته.

إن ميار لم تقدم لنا قصة نجاح فردية فحسب، بل أعادت طرح سؤال مهم: كم من ميار بيننا لم نكتشفها بعد؟

فلا تنتظر أن تصبح كل الظروف مثالية حتى تبدأ، ولا تجعل ما ينقصك يلغي قيمة ما تمتلكه. فالتميز لا يشترط أن تبدأ من المكان الأكثر امتيازًا، لكنه يحتاج إلى عقل يؤمن بقدرته، وإرادة تعرف طريقها، ومجتمع لا يغلق أبواب الفرص أمام أبنائه.

فالظروف قد تحدد نقطة البداية، لكنها لا ينبغي أن تحدد إلى أين يمكن أن نصل.

استطلاع راى

هل ترى أن مضاعفة سعة باقة الإنترنت الأرضي الأساسية بنفس السعر كافية لتحسين الخدمة للمستخدمين؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6160 جنيه مصري
سعر الدولار الأمريكي 55.74 جنيه مصري
سعر الريال السعودي 14.85 جنيه مصري
Slider Image